الاثنين، 14 مارس، 2011

مشاهدات من قلب "انتفاضة الكرامة": حضور جامع... وحوارات لا تنتهي... وكلمة سواء

مشهد اقرب الى العام 2005 ... الصورة لميشال صايغ - النهار

بالامس... امتلأت ساحة الشهداء بالأحرار من كل المناطق والفئات والطوائف والأحزاب. جاؤوا واسمعوا العالم كلمتهم من جديد. سبقوا قياداتهم كعادتهم. رفضوا الإنحناء بوجه العاصفة. رفضوا المساومة والإستسلام والسكوت عن الحق والتفريط بالمكتسبات. فكان يوماً جامعاً صاخباً صارخاً بكل ما للكلمة من معنى.

التجوال وسط مئات الآلاف من اللبنانيين هو لأمر ممتع ومؤثر بالفعل. فالسير في قلب بيروت بين شعب البلد وناسه واهله واحراره يُكوّن صورة وطنية جامعة تعزز الشعور بالفخر والعزة والكرامة وسط صورة متنوعة وغنية وحضارية تعكس عمق التضامن الإسلامي المسيحي وحرص اللبناني على مستقبله رغم كل الاختلافات والانزلاقات الضيقة نحو الطائفية والمذهبية في كثير من الاحيان.

تجولت في الساحة، تحدثت مع الناس التي قالت ما في جعبتها والتي سلّمت الامانة الى قادتها من جديد بعد ازمة ثقة امتدت اشهر من التراجعات والمساومات والاحباطات.

"الامر الوحيد الذي تستحقه الحياة هو ان تقول الحقيقة وتعمل لاجل الحقيقة – الشهيد كمال جنبلاط"... بهذا القول اللافت لزعيم قصر المختارة الذي اغتيل في السادس عشر من اذار عام 1977 اكثر من اشارة. اذ حرصت قوى 14 آذار على محاكاة كل من الشارع الشيعي والدرزي في التظاهرة من خلال توزيعها لعشرات اللافتات العملاقة في ارجاء الساحة التي كتب عليها مجموعة اقوال بارزة لرموز وطنية حفر اسمها في التاريخ امثال الشهيد كمال جنبلاط، لتأكيد انتماء الدروز الى 14 آذار، ولاستقطاب مجموعات جديدة من المستقلين الشيعة من جهة اخرى.

وفي رسالة واضحة لقيادتي "حزب الله" و"حركة امل" تناولت احدى اللافتات مقولة شهيرة للامام المغيب السيد موسى الصدر: "لن نسمح بأن يدخل في صفوف طائفتنا رجال صغار... وليذهب المأجورون ولو لبسوا لفّات وسمّوا انفسهم ائمّة". واخرى للامام محمد مهدي شمس الدين تقول: "اوصي ابنائي الشيعة ان لا يخترعوا لانفسهم مشروعاً خاصاً".

وخلال جولة في ارجاء الساحة، التقيت روى خضر من منطقة كليمنصو التي شاءت ان توجه رسالة الى الرئيس سعد الحريري تدعوه فيها "ان يستمر في مواقفه السياسية الجريئة وان لا يستسلم او يتراجع او يساوم او يخاف، و ان لا يتخلى عن الخيارات التي اعلنها اليوم امام مئات الالاف من اللبنانيين".

وبالقرب من حديقة سمير قصير، اكدت السيدة الهام الهنداوي من منطقة الحدث انها لا تنتمي وعائلتها الى اي فريق سياسي في لبنان، وهي مستقلة، الا انها قررت المشاركة في هذه التظاهرة نظراً لأهميتها على الصعيد الوطني والشعبي كونها تحدد مستقبل ابناء هذا الوطن لأن العيش تحت رحمة السلاح الغير شرعي لا يجب ان تستمر، خاصةً وان التجارب السابقة لم ينتج عنها سوى مزيد من الكوارث والاحقاد والانقسامات وهجرة ابنائنا، وتراجع احوالنا الاقتصادية".

واضافت السيدة الهنداوي: "فرضنا كلمتنا اليوم بهذا الحشد المفاجىء والكبير والضخم، نريد ان نعيش بسلام وأمان من دون استمرار العنف والقتل والتعصب... "وكرمال ولادي والاجيال القادمة" سنبقى مستمرين على هذا الدرب الطويل مهما اشتدت بنا الايام ومهما عظمت الصعاب".

بالقرب من جريدة النهار مجموعة من الاطفال يهتفون: "بتحبّوا مين؟ ... سعد الدين، وحبيبكن مين... سعد الدين".... وعلى بعد امتار من مبنى الجريدة العريقة حدّثتنا سيدة من الاشرفية عن الشهيد جبران تويني وقالت: "اشتقنا لقلم جبران ولكتاباته ولآرائه الصارخة بوجه اي وصاية وضد اي قوة خارجة عن الشرعية، ولطالما رفع ديك النهار هذا الصوت عالياً وقال لا لسلاح "حزب الله" الذي لم يتركنا طوال سنوات مضت".

سجّلت التظاهرة حضوراً لا فتاً للطائفة الدرزية من الشوف وراشيا والمتن الاعلى والشويفات وعاليه، وارتفعت اعلام الحزب التقدمي الاشتراكي وصور الشهيد كمال جنبلاط، واللافتات التي تؤكد على تمسّك اهالي الجبل بمبادىء وقيم انتفاضة الاستقلال رغم ابتعاد رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط عنها.

التقيت بثلاث سيدات من منطقة الشويفات يحملن شعار "شباب الجبل" ولافتات رافضة لسلطة السلاح. اذ ترى هدى حيدر ان "المشاركة الدرزية تعكس موقف الشارع في عاليه والمتن والشوف بأن لا تخل عن انتفاضة الاستقلال والنضال من اجل الوصول الى الحقيقة والعدالة ومن اجل محاسبة كل من اراق الدماء في الاحياء والازقة والشوارع".

تتنهّد هدى، فتُكمل سناء عبد الصمد الحديث وتقول: "روح ثورة الارز باقية في كل بيت درزي في الجبل، رغم ان الاعداد لم تكن هائلة بحجم المشاركات في الاعوام السابقة، الا اننا كنا وما زلنا نشكل عصب ثورة الارز وشعلة الحرية التي لم ولن تنطفىء".

اما جنان حيدر فترفع الصوت عالياً وتستذكر ما حصل في احداث 7 ايار 2008 عندما حاول "حزب الله" اجتياح الجبل، وعندما دخل الى منطقة الشويفات واعتدى على المواطنين الابرياء، "فهل يُعقل ان نساوم مع هذا السلاح المجرم وننسى جثث الضحايا والشهداء والدماء التي سُفكت هدراً؟ وهل يعقل ان ننسى الانتهاكات اليومية التي يقوم بها هذا الحزب في محيط الشويفات وعرمون ومناطق كثيرة من لبنان؟".

تلتقط هدى انفاسها وتختم الحديث: "لا لن ننسى، ولن نهادن بعد اليوم مع "حزب الله"، واستشهد هنا بقول للمعلم الشهيد كمال جنبلاط قال فيه: "اذا خيّروك بين ضميرك وحزبك فإختر ضميرك ونحن اخترنا ضميرنا مع فائق احترامنا للرئيس وليد جنبلاط وحزبه".

ومن منطقة شبعا الجنوبية قدم الآلاف من المواطنين الى قلب بيروت ليقولوا كلمتهم. الشابة زينة التي تبلغ من العمر 23 عاماً تشدد على رفضها لمنطق السلاح والتهديد والوعيد والتسلّط الذي يمارسه "حزب الولي الفقيه في لبنان"، "خاصة وان شبعا تُهدد كل يوم وتدفع وكثير من القرى الجنوبية الاخرى ثمن انتماءها السياسي لخط لبنان اولاً الذي يتناقض مع مشروع "حزب الله"، ولهذا جئنا الى الساحة لنقول لا للعنف والهيمنة والتهميش وخطف صوتنا".

وفي احدى "زوايا" الساحة هتافات تقول: "الضنيّة ستكمل المشوار مع الشيخ سعد"... يبتسم الرجل الشمالي ويقول بالصوت العالي : "سننتصر يا شيخ سعد سننتصر بإذن الله"... لتلتفت شابة وترد عليه: "تأكد يا استاذ ان اليوم سيشكّل بداية طريق النضال لإسقاط السلاح الغير شرعي في لبنان"...

وعند مدخل الشخصيات السياسية والاعلامية تقف سيدة عجوز تحمل علماً لبنانياً. ومن يراها يخالها "رجل امن" يسهر على امن التظاهرة المليونية. لم تهدأ تلك السيدة بحركتها وبهتافاتها المؤيدة لقوى الاستقلال في لبنان... تقول: اهلا وسهلا بالابطال، اهلا وسهلا بالابطال"، ثم "تغيّر النغمة" وتردد: "قولوا الله يا جماعة، اليوم رجّعنا كرامتنا... قولوا الله"، ليرتفع التصفيق الحاد في المحيط.

من طرابلس يُبدي محمد المصري غضبه من التصرفات الكيدية التي يقوم بها الرئيس المكلف نجيب ميقاتي في الشمال، لافتاً ان وجوده في الساحة اليوم "ليس الا تأكيداً على خياراتنا الوطنية ورفضاً لسلاح الغدر والقتل والارهاب، لان لا سلاح الا سلاح الشرعية اللبنانية المتمثل بالجيش اللبناني والاجهزة الامنية التي تخضع لسيادة وقرار الدولة فقط لا غير".

وانتقد المصري ممارسات "حزب الله" الشاذة في كل المناطق اللبنانية وخاصة في منطقة الشمال وطرابلس على وجه الخصوص حيث يستمر في تسليح بعض الجماعات والعناصر من اجل اذكاء نار الفتنة واشعال فتيل التوتر في كل مرة يجد فيها نفسه "محشوراً" بالسياسة، وهو امر يجب ان يتوقف كلياً".

وفي نقاش مهم، جمعت بالصدفة شاب من بعلبك من الطائفة السنية وآخر من الجنوب من الطائفة الشيعية، حيث تم الاتفاق على ان "لا مبرر لوقوع فتنة بين الشيعة والسنة في لبنان، لأن "حزب الله" لا يُمثّل سوى نفسه، فتعاليم الطائفة الشيعية لا تحرّض على العنف واستخدام السلاح بالداخل، وبالتالي فان معركتنا السياسية موجّهة ضد هذا الحزب وليس ضد هذه الطائفة او تلك او هذا المذهب او ذاك بأي شكل من الاشكال".

الكلام يطول والمشاهدات لا تنتهي. والحوارات ايضاً لا تنضب و لن تجف من الذاكرة. لأن ما شهدته ساحة الحرية بالأمس كان مؤثراً، ساحراً، لا بل أخّاذاً يخطف الأنفاس.


سلمان العنداري ...SA

هناك تعليقان (2):

  1. مقالة رائعة صديقي، فالراوي في النص هو لسان الناس اللذين عبَروا عن آرائهم، إن كلام الناس هو الذي يصف الشارع...
    جاد شحرور

    ردحذف
  2. رائع سلمان .... اتمنى لو التقيتك وسالتني .. لاجيب ...: ان هذا هو اليوم العظيم المجيد الرائع الذي يفتخر به كل لبناني اصيل ووطني ... يوم التلاقي لا الفراق يوم التعالي لا الزواريب يوم الالوان لا اللون الاسود .. يوم الفرح والوفاء والتعايش ي...وم تدق جرائس الكنائس مع تكبير الجوامع ...يومها فقط يكون مجد لبنان وعزته عندما يصرخ الجميع بصوت واحد وكلمة واحدة ولو كانت هذه الكلمة لا ... الا والف لا ومليون لا .. افضل من نعم واحدة للخضوع والذل والاستعباد الخارجي .... نعم ساقول اننا احرار اننا اوفياء لدماء الشهداء ... نحترم شهدائكم وهم شهداء الوطن اي شهدائنا ولكن شهدائنا ليسوا اكبر ولا اطهر ولا انقى وارقى ... ولكن هم قتلوا ليس دفاعا ولا استشهادا قتلوا رغم عنهم واشبعوهم قتل وترهيب وتهديدا قبل وبعد موتهم فقط لانهم قالوا لاااا.... لا والف لا سنقولها ولن نسكت عن قول الحق والحقيقة .....
    وانتم الذين يجب ان تقفون معنا وتصرخون هيهات منا الذلة هيهات ... لاننا نحن من نقتل ومن نحاصر ومن ندافع ... قفوا معنا كما وقفنا معكم ... كي نبني وطنا حرا سيدا قويا ... عشتم وعاشا لبنان

    ردحذف