الأحد، 30 يناير 2011

الفقراء يصرخون في لبنان: قصّة ام محمد

الف وجه ووجه للفقر في لبنان

لأم محمد ذكريات كثيرة على كورنيش المنارة في العاصمة بيروت... فمنذ العام 1991، وفور انتهاء الحرب الاهلية، وجدت المرأة الثمانينية نفسها بين ركام الاحداث والاغتيالات والانفجارات والاجتياحات التي دامت اكثر من 15 عاماً من الدمار والاقتتالات الداخلية. وبين مفترق طرق الحياة الصعبة والمستقبل الغامض، لم تجد "الحجّة" الطاعنة في السنّ بعد مقتل زوجها، وسفر ابنها الوحيد الى الولايات المتحدة الاميركية بصورة نهائية، سوى التفتيش على طريقة شريفة تكسب فيها لقمة عيشها بكرامة وشرف. فإختارت "مهنة" بيع علب الدخان والسكاكر في العاصمة بيروت، فإشترت "دكاناّ" متنقّلاً، عبارة عن عربة صغيرة، بأربعة دواليب، تجرّها ببطء، ذهاباً واياباً على كورنيش المنارة المزدحم صيفاً شتاءاً.

وجه تلك السيدة العجوز مليء بالتجاعيد والتفاصيل التي لا تنته، حيث تقودك تلك "القصص والخطوط" الى هموم الحياة الصعبة التي قضتها تلك الأمّ طوال عقود. وتجد بين خطّ وآخر ضياع وطياف بين الأمل والتعاسة، وبين العيش في الماضي، والانتظار على حافة الحاضر.

ام محمد التي تجوب "الكورنيش" منذ 19 عاماً، تقول انها اختارت بيع علب الدخان هرباً من العوز والفقر والحرمان الذي تعانيه، "فالدولة في لبنان لم تحسب الحساب يوماً للفقراء الذين يولدون ويموتون كالبؤساء، فلا يجدون من يقف الى جانبهم ويدعم قضاياهم واحلامهم وطموحاتهم الصغيرة التي لا تبني القصور ولا تتطلب الكثير من الاموال".

تكاد ام محمد "تنفجر" من شدة الحزن الذي تعانيه. فالدموع التي تملأ عيونها الغارقة في اللاشيء تسأل: "هل المطلوب ان اجوب الطرقات والشوارع تسوّلاً، وهل المطلوب ان افترش الزوايا وأمد يدي طلباً للمال او الطعام؟". تصمت لبرهة، وتسترق النظر الى البحر الهادىء، وتجيب نفسها قائلة: "كلا...لم ولن أفعلها، ولهذا فضّلت بيع الدخان والسكاكر لأعيش بكرامة كما علمني والدي عندما كنت في الصغر، ولهذا تجدني اليوم ملتصقة بأمواج البحر برفقة صديقتي العربة التي لم تفارقني منذ سنوات طويلة".

الكلام المؤثر للأرملة الوحيدة يشدّك اكثر نحو الناس ونبضها وهمومها ومشاكلها. فالفقر في لبنان يزداد اليوم، ويكاد يبلغ مستويات صارخة لا مثيل لها منذ عقود. فالبطالة تزداد، و"بيوت التنك والرطوبة" في ارتفاع مستمر، واولاد الشوارع يملأون المدن والضواحي، اما الدولة الضائعة في استحقاقاتها، والغارقة في الملفات السياسية، والصراعات الآنية، إما تغضّ النظر، واما غير قادرة على حلّ هذه المعضلة التي تتفشّى كالسرطان عند اطراف كل مدينة، وفي اعالي كل قرية بعيدة، وعند كل زاوية من هذا الشارع او ذاك. فتجد المتسوّلين والبؤساء والفقراء والمعوزين يشكّلون احزمة مهمّشة تلف حياة السهر والترف والبذخ التي يتغنّى بها اكثرية الشعب اللبناني "المتوحّش الثراء".

اما بعد، لا بد من توجيه خالص التحية والتقدير لتلك المرأة التي شاءت ان ترمي نفسها في متاعب الحياة، ككتلة نار يائسة وثائرة على واقعها في الوقت نفسه، تعمل في الليل والنهار لتسدّ جوعها، وتروي عطشها بعرق جبينها وكرامتها، في وقت تناضل فيه مجموعة نسائية اخرى لنيل حقوقها الكاملة في المجتمع اللبناني، من الكوتا في الانتخابات، والمساواة مع الرجل، وصولاً لحقها في استعادة الجنسية. فهل تصمد ام محمد امام الغلاء الفاحش؟. ومن يتحمّل مسؤولية "التعاسة" التي يعاني منها عشرات الآلاف من اللبنانيين المحرومين شمالاً وجنوباً وجبلاً وبقاعاً وعاصمةً؟. ومن يحمي حقوق الانسان والعجزة في لبنان؟.

أم محمد ليست سوى نموذج صغير وبسيط لمن خاتنه الحياة، ونسته الدولة والايادي الخيرة، ولمن تخلى عنهم القدر تاركاً لعنته تسرح وتمرح في ايامهم...تركنا الكورنيش، وكانت صاحبة العربة الصغيرة و"الكنزة الحمراء القديمة" ما تزال ماضية في رحلتها المستمرة ترفض الاستسلام او التعب او الخمول، فتبيع الدخان وحبات السكاكر بصمت مخنوق لتعيش...وتنتظر.

الجمعة، 28 يناير 2011

يوم في عكار المحرومة...



على بعد اكثر من 94 كلم من العاصمة بيروت، وفي محافظة "عكّار المحرومة"، تقع بلدة "حلبا البعيدة" التي تعتبر مركزاً تجارياً مهماً لقرى عكار العتيقة وجوارها، اذ تنشط في شوارعها الاساسية (المليئة بالجور) حركة مرور مقبولة ذهاباً واياباً، وتصدح على ارصفتها المتكسّرة (او بالاحرى شبه الارصفة) اصوات الناس والتجّار والاولاد... بإختصار، الكلّ في تلك المنطقة يبدو انه ينتظر ويترقّب ويتأمل.

فور وصولنا، تستقبلنا التراحيب من كلّ حدب وصوب، "اهلا وسهلا فيكن بعكار...حمدالله عل سلامة... انشالله ما صار معكن شي من بيروت لهون". تسألهم عن احوالهم، يشكرون ربهم ويحمدوه، "مستورة وماشي الحال". الا ان الواقع ليس كما يبدو، ففي وجوههم تختبىء مرارة قديمة، وألم مبرح، وحزن دفين يتجدد وينمو كخلايا السرطان...انه الفقر والحرمان...انها عكّار الحقيقية.

وصلنا الى "مركز جمعية الرابطة النسائية الخيرية" القريب من ساحة البلدة لتغطية فعاليات ورشة عمل تنظمها "مجلة كزا مزا" الشبابية، فكان بانتظارنا نحو اكثر من 30 شاب وشابة (وقد غلب الطابع الانثوي على اللقاء). حيث تم التداول لأكثر من 3 ساعات بكثير من المواضيع والمسائل "العكّارية"، والمشاكل التي يعاني منها الشباب في تلك المنطقة".

نقص الخدمات يولّد الحرمان والانكفاء ايضاً

تقول دعاء السيد الناشطة في الرابطة الخيرية التي تأسست عام 1945، والمتابعة لحالات الشبان والشابات الذين يرتادون الجمعية، ان "المشكلة الاساسية التي تعاني منها منطقة عكار تكمن في نقص الخدمات والبنى التحتية مما ادى الى حرمان كبير لا بل فاحش اصاب المواطنين، وبخاصةً فئة الشباب".

تسعى الجمعية بامكاناتها المتواضعة وبالتمويل البسيط الذي تحصل عليه بين الآونة والاخرى من قبل بعض المنظمات الدولية المانحة، من خلال تنظيم ورش العمل والدورات التدريبية والاجتماعية، الى دفع هؤلاء الشباب الى المبادرة، والى الخروج من دوامة اليأس والخمول، لمساعدتهم على التعبير عن انفسهم وكسر جدران الضياع، على امل ان ينطلقوا بقوة الى المجتمع الكبير، ويساهموا بالتالي كلّ حسب قدراته وامكاناته بانماء هذه المنطقة وايقاظها من سباتها.

تحوّل البطالة الشباب في هذه المناطق والقرى، من عنصر فاعل ومنتج مستعد للتغيير وتقبّل الآراء الجديدة، والتطوير في المجتمع، الى عنصر منكفىء، منعزل، منطو على نفسه ومستسلم لواقع الامور دون القيام بأي مبادرة من شأنها تحريك الركود لتغيير الامر الواقع المعاش او المفروض.

شباب عكّار...مشاكل وهموم

تخبرنا السيّد عن مشاكل وهموم كلّ من الشباب والشابات الذين التقيناهم، فمنهم من لم تسمح لهم حالتهم المادية بارتياد الجامعة في طرابلس نظراً لبعد المسافة بين حلبا وجوارها والفيحاء البعيدة والمتعبة "بمشوراها". كما تشير السيد ان عدداً كبيراً جداً من الفتيات منعن من ارتياد الثانويات او الجامعات نظراً للعقلية القديمة السائدة في بعض القرى الريفية، حيث ينظر الى الفتاة بطريقة سلبية لا تسمح لها بالانطلاق في حياتها بحرية، وتحقيق ذاتها في المجتمع، "ولهذا نحن نعمل اليوم من خلال الجمعية على تدريبهم ومساعدتهم على الانطلاق من جديد على امل ان يفهم بعض الاهل انه من حقّ كل فتاة وكل شاب ان يكون له مستقبل مشرق، وانه لا بد من تغيير بعض المفاهيم كي يفسح لهم بالمجال للتعبير عن ذواتهم دون اي خوف".

هل نحن جزء من لبنان ام لا؟

أصرّ الشاب داوود الحاج على الكلام، "فالإنماء في لبنان محصور في مناطق مركّزة للأسف، على رغم ان الدستور والمنطق العام للامور يقول بضرورة الانماء المتوازن بين كل المناطق، الا ان العكس هو السائد في لبنان اليوم، فنجده مثلاً في بيروت وضواحيها بشكل رئيسي، وطرابلس وصيدا بشكل اقل، لتنعدم مظاهر الانماء والتنمية والاعمار في المحافظات والمناطق البعيدة، كعكار التي تعاني منذ عشرات السنين من النقص الفاضح للخدمات والمشاريع، ومن الانقطاع المستمر للكهرباء".

يضيف داوود "يعاني شباب عكار من مشكلة في التواصل مع "العالم الخارجي"، وابسط الامور تكمن في عدم وجود اي مركز ترفيهي او ملاعب لكرة القدم، او مؤسسات شبابية، يضاف اليها قلّة قليلة من مراكز الانترنت في المنطقة". ليسأل "هل نحن جزء من لبنان ام لا؟، فلماذا اذن كل هذا الاهمال؟".
الاعلام غائب عن همومنا

يشكو الشباب من تعاطي وسائل الاعلام مع منطقة عكار في تغطية مشاكلهم وواقعهم الصعب. "فالالتفاتة الى هذه المنطقة تكاد تكون معدومة، فلا اهتمام رسمي اومدني اواعلامي في تسليط الضوء على الواقع المعاش في احدى اكبر المحافظات في لبنان، واحدى افقر المناطق في البلاد".

تخبرنا جيهان الجوهري (تلميذة جامعية) انها حاولت الاتصال لعشرات المرات باكثر من وسيلة اعلامية لتسليط الضوء على المنطقة، " ولكن كان الخط يقفل بوجهي كلّ مرة". كما وتتهم جيهان الاعلام اللبناني بأنه موجّه ولا يمكن اختراقه باعتبار ان كل وسيلة اعلامية سواء اكانت مرئية او مسموعة او مكتوبة تتبع لهذا السياسي او ذاك، او لهذه الطائفة او تلك، "وبالتالي فإن اي محاولة لرفع الصوت ولقول الحقيقة كما هي تصبح امراً صعباً علينا كأهالي عموماً وكشباب على وجه الخصوص".

حضور الانترنت خجول في عكار

الاعلام اليوم يتحمّل مسؤولية كبيرة في التقصير بحق "عكار المحرومة"، فلا يلقى الضوء عليها "الا عند الحاجة"، وتحقيقاً لمكاسب سياسية من هنا وهناك، الا ان بعض هؤلاء الشباب وجدوا في "الاعلام البديل" سبيلاً للخروج من النفق، ولرفع الصوت عالياً، ليغدو موقع الفايسبوك الاجتماعي على سبيل المثال، متنفساً اساسياً لهم للتعبير عن حاجاتهم ومعاناتهم اليومية، وهواجسهم النفسية والشخصية، فكسروا التقاليد والعادات، وتحدّوا بعد المسافات، ليقولوا عبر الشبكة الالكترونية كل ما لا يمكن ان يقال".

تجدر الاشارة ان 16% من المشاركين الثلاثين الذين التقيناهم يستخدمون الانترنت، بينما ابدى الباقون عدم معرفتهم بكيفية استعماله. ولدى سؤالنا عن السبب اجابت السيّد بأن "الحالة النفسية التي يصل اليها الشباب من جرّاء البعد الجغرافي، والاهمال الرسمي والمدني عن قصد ام من دون قصد، افضت الى حال من الخمول وعدم الحماسة لاكتشاف اي جديد، فنجد اغلبية الفئات الشابة غير مهتمة وغير آبهة بالتغيرات الحاصلة، يضاف الى ذلك عدم وجود مقاهي ومراكز تستقبل روّاد الانترنت "المنتشر بنسبة ضئيلة قياساً بالمناطق الاخرى"، كما ان معظمهم لا يعرف التقنيات التي يجب اتباعها لاستخدام الكومبيوتر، ومن هنا نحن نعمل بالامكانات المتاحة لتدريبهم على كيفية استعماله على امل ان نحقق خرقاً في هذا الخصوص، مع تمنياتنا ان يسمع المسؤولون والمعنيون هذه الصرخة، لأنه لا يجوز ان تكون عكار الأبية بعيدة عن "الحضارة" بشكل او بآخر".


محاولات لردم الهوة

يذكر ان الجمعية تعمل منذ اكثر من 55 عاماً على مد يد المساعدة للايتام والفقراء في لبنان لبناء غد افضل، حيث يتم تنظيم دورات شبه مجانية لتعليم الفتيات فن الخياطة، الكوافير والمكياج ودورات محو الامية ولغات اجنبية، اضافةً الى التوعية الصحية والبيئية، وتعليم الشباب على مهن يدوية، ذلك لتمكينهم ومساعدتهم على تحمّل المسؤولية، خاصةً وان معظمهم ينتمون الى الطبقة الفقيرة والتي لم تتح لها الفرصة الكاملة بناءً على ظروف معينة اعاقت استكمال تحصيلهم العلمي".

تقدم الجمعية مساعدات في التسجيل المدرسي للايتام والفقراء وتؤمن لهم الكتب والقرطاسية. ولتخفيف التسرب المدرسي، نفّذت الجمعية مشروع الدعم المدرسي بالاستناد على دليل الدمج لتطوير قدرات الاداريين والمعلمين والمعلمات وتنمية المشاركة في المدارس. يضاف الى ذلك تطوير قدرات المرأة الريفية والمطالبة بحقوقها وحقوق الطفل".

"كزا مزا" على الطريقة "العكّارية"

وسط هذه الصورة الضبابية والكئيبة، تمتلىء القاعة التي تنقطع فيها الكهرباء تارةً لتعود تارةً اخرى بعشرات الشكاوى التي اراد الشباب ايصالها الى مراكز القرار، من تغاضي بعض النافذين والمسؤولين من متابعة قضايا عكار وأهلها، الى العقلية القديمة السائدة، والكبت الذي يجتاح كل البيوت والاحياء والازقة، مروراً بالبطالة، وعدم القدرة على اثبات الذات وتحقيق الاحلام. يضاف اليها آلاف الاسئلة والاجوبة المبهمة، وعشرات الاحلام الهائمة والتي لا تعرف آمان او استقرار.

المجلة الشبابية التي تزور المناطق اللبنانية كافةً للاطلاع على مشاكل الشباب ودور الاعلام البديل في تنمية قدراتهم وتعزيز ثقتهم بذواتهم، قدّمت نفسها في ورشة العمل على انها جزء من "الاعلام البديل" والحرّ، لتكون منبراً سهلاً لكل شباب لبنان، وخاصةً لتلك المجموعة "المنسية" والمحرومة، لتفسح بالمجال امامهم للتعبير عن آرائهم وتطلعاتهم وهواجسهم وهمومهم واعتراضاتهم على صفحاتها المستقلّة، غير المرتهنة لأي خط سياسي او زعيم او سلطة. "فكزا مزا" بحسب مسؤولة العلاقات العامة فيها تامي قزحيا "مجلة مستقلة، تعبّر عن الهوية الشبابية بأنواعها "الممنوعة"، وتعصر نقطة تلو الاخرى كل ما هو صاف ومبدع من ثقافة الشباب عند نقطة الغليان".

متى الانماء؟

"تتعدد الاقلام الشابة التي اصرّت ان تعبر بعفوية تامة عن هواجسها وتطلعاتها". وتأمل قزحيا عبر جولات "كزا مزا ستوديو" المساهمة في قيام نهضة شبابية متطورة بعيدة عن "آخر موضة"، و"السير الاعمى" وراء العصبيات المذهبية والطائفية، وبعيداً من الانقياد الطائش للزعيم والحزب والوسائط، في سبيل الوصول الى مكان آخر نحو التغيير".

قبل المغادرة، وفي ختام "الورشة" التي تكلم فيها المشاركون بكل صراحة ووضوح، اطلق الشباب العنان لأنفسهم فجاةً بعدما طلبت منهم قزحيا التعبير كتابةً عن حجم الاعتراض، وعن صورة عكار الحقيقية، علّه يصل الصوت، وتتغير العقليات والافكار المسبقة وتكسر الجدران، ويتم الاجابة على السؤال التالي: متى الإنماء في عكار المحرومة؟.

الأربعاء، 26 يناير 2011

من يتحمل مسؤولية "يوم الغضب" والخطاب المذهبي؟


لا شكّ ان مشاهد الدواليب المحروقة التي امتدت من بيروت مروراً بطرابلس والبقاع وصولاً الى صيدا لم تكن موفقة... مشاهد صاعقة لم تعكس الطابع الديمقراطي السلمي  للتحركات والاحتجاجات التي حصلت اثر تسمية نجيب ميقاتي رئيساً مكلّفاً تأليف حكومة جديدة في لبنان بعد محاولات الترهيب والضغط الامني المخيف التي تعرض لها النائب وليد جنبلاط الذي "خسر" نصف كتلته النيابية بسبب "المعاطف السود" التي نزلت الى بيروت منذ ايام، وبسبب التحركات المسلحة "التطويقية" لحزب الله على مشارف الجبل الاستراتيجية.

يمكن القول ان المعارضة نجحت بقلب المعادلات التي كانت سائدة، واستطاعت اقتناص اكثرية نيابية امّنت الانقلاب الموعود والمنتظر منذ العام 2005 الذي تلا اغتيال رئيس الوزراء السابق الشهيد رفيق الحريري ورفاقه في محلة السان جورج يوم 14 شباط.

التحركات وان كانت مبررة، الا انها تخطت حدودها واتخذت طابعاً عنفياً الى حد ما، اعادت الى الاذهان ممارسات الفريق الاخر المرفوضة خلال السنوات القليلة الماضية.

من يتحمل مسؤولية ما حدث هي الجهة التي ارادت دفع الرئيس سعد الحريري الى الهاوية لالغائه سياسياً، وما هي تصريحات رئيس تكتل التغيير والاصلاح الحاقدة الا دليلاً واضحاً على اصرار فريق الثامن من آذار على ازاحة الزعيم "السني الاول" في لبنان.

لو تدرك المعارضة انه بسياستها القمعية المقنعة تلك، ايقظت الفتنة والمذهبية النائمة بين اكثريتين في لبنان. اكثرية شيعية بقيادة حزب الله المسلح، واكثرية سنية تجهد الى الحفاظ على الاعتدال المهدد في المنطقة. بما يوحي ان التطرف بات على الابواب.


"عندما قررتم الدعوة الى يوم الغضب، في مدينة طرابلس الحبيبة، وسائر المناطق اللبنانية، كان دافعكم الى ذلك، التعبير عن موقف سياسي اعتراضي، يشكّل جزءاً من المسار الديمقراطي الذي اخترناه معاً، والذي نؤمن أنه المسار السليم الذي لا يجوز التخلّي عنه مهما بلغت حدّة الانفعالات" . قالها الرئيس الحريري مندداً بمحاولات الهيمنة على "القرار الوطني وعلى قرار مدينة طرابلس تحديداً". ليعترف الزعيم الشاب بالخطأ، مُعلناً رفضه الكامل لكلّ مظاهر الشغب والخروج على القانون التي رافقت التحركات الشعبية، وشوّهت مع الأسف الشديد، الأهداف الوطنية النبيلة لهذه التحركات"، مشدداً على أن "الغضب، لا يكون، ولا يصحّ أن يكون بقطع الطرقات، واحراق الدواليب، والتعدّي على حرية الآخرين، مهما كانت الدوافع الى ذلك" .

المشهد مربك ويتطلب قراءة سياسية هادئة تبحث عن كيفية الخروج من النفق الاسود الجديد الذي أدخلت فيه البلاد. مع التذكير ان النفخ على نار الازمات، واستمرار الكيدية السياسية ستأخذنا الى المجهول حتماً، لأن الخطاب المذهبي الضيق و"الشماتة" المفتعلة من قبل البعض ستُشعل النار مجدداً وسط توازن الرعب المستتبع بفائض قوة وجبروت مدعوم بسلاح يُخضع الديمقراطية والتنوع اللبناني "المرعوب".

"كونوا حذرين من الوقوع فيما نحذر منه دائماً" كما قال الرئيس الحريري، "فليس هدفنا ولا هو هدفكم أن نكون في السلطة، أو أن نعود الى رئاسة الحكومة، ولا تعطوا أياً كان، ذريعة اللجوء الى الشارع في بتّ الخلافات السياسية، وحافظوا على وسائل التعبير الديمقراطي، بما تمتلكون من تجارب واعية، وامسكوا بالغضب الى حيث تريدون وحيث تكون مصلحة لبنان، ولا تنقادوا لهذا الغضب مهما عملوا على استدراجكم اليه، معكم سنواصل الطريق . ومعكم سنبقى تحت راية النظام الديمقراطي لنحمي لبنان" .

صورة سوداء لا يجب ان تتكرر. لأن "شعب 14 آذار" لم يعتد على مثل هذه الممارسات، وسيبقى حضارياً ومسالماً في كل تحركاته... فالسلطة لم تكن يوماً هدفاً له، انما العبور الى الدولة الحقيقية الجامعة التي لا تفرق بين مواطن واخر هي الاساس والجوهر.

تذكر ايها الشعب اللبناني ان الاحباط ليس قدراً كما قال الشهيد سمير قصير، وان الربيع سيعود حتماً، لأن خريف جمهورية لبنان الاصفر لن يطول، وان الاقنعة الفاسدة والحاقدة ستسقط الى غير رجعة مهما طال الزمن. فصموداً ايها الناس الذين نحبهم... حافظوا على الثوابت الوطنية وابتعدوا عن الخطاب المذهبي البغيض... مستمرون

سلمان العنداري ...SA

الثلاثاء، 25 يناير 2011

وقعت الواقعة ... لا للرئيس ميقاتي وحكومة المعاطف السود

تتجه الاستشارات النيابية الملزمة التي تعقد في القصر الجمهوري في يومها الثاني الى تسمية مرشح المعارضة وحزب الله الرئيس نجيب ميقاتي لتشكيل حكومة لبنانية جديدة بعد ايام من اسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري بعد انسحاب وزراء المعارضة منها، وبعد ممارسة ضغوطات نفسية وامنية قلبت الموازين رأساً على عقب.

للاسف وقع المحظور. وقعت المعارضة في فخّ تجاهل الرئيس الحريري وموقعه وزعامته، معلنة الحرب السياسية على الملأ ضد انتفاضة الاستقلال وكل المنجزات التي تحققت على مدى السنوات الست الماضية. فارتكبت خطأً ميثاقياً بامتياز تحت شعار تغيير النهج، ووفق معادلة غالب ومغلوب، تحت عنوان مغلّف "بتوافقية" الرئيس ميقاتي.

ففي حال تشكّل حكومة من لون واحد، تتجه الانظار والتوقعات في الاسابيع المقبلة الى الاجهاز على المحكمة الدولية وقطع الطريق امام تحقيق العدالة فيما يختص بقضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، وفتح معركة مواجهة مفتوحة مع المجتمع الدولي والعربي، ومع الشعب اللبناني الغاضب من تداعيات الحرب الخطرة تلك.

الشارع تحرّك دفاعاً عن الرئيس سعد الحريري، واحتجاجاً على ترشّح الرئيس ميقاتي طارحاً نفسه في الخانة التوافقية التي تسعى إلى تدوير الزوايا، الا ان الواقع اثبت ان الاخير قُدم من قبل حزب الله مدعوما ًمن سوريا. فانقلبت الامور وتوجّه اللبنانيون الى الشارع بشكل عفوي، مع حصول بعض الاعمال "غير المدروسة" من حرق اطارات الى قطع طرقات وهتافات تطالب ميقاتي بالاعتذار.

وفي هذا الاطار، وبعيداً عن مشاهد الاحتجاجات واحراق الدواليب والشعارات المذهبية، كان لنا جولة في الشارع الشمالي، وسألنا الناس والشباب عن رأيهم بترشّح الرئيس ميقاتي والتطورات الاخيرة.

عبد الرحيم الايوبي الذي يحضر لشهادة الدراسات العليا في العلوم الاقتصادية في الجامعة الاميركية في بيروت يعتبر ان "الرئيس نجيب ميقاتي ارتكب خطأً فادحاً عندما اعلن ترشحه لرئاسة الحكومة، لان اقدامه على طرح اسمه اتى بمثابة تحد للرئيس سعد الحريري على الرغم انه تمكن من لعب دور وسطي ووفاقي عام 2005 بنجاح بعد ان ترؤسه لحكومة تكنوقراط مهدت لانتخابات نيابية واخرجت البلاد من الازمة السياسية المفتوحة". ويتابع عبد الرحيم "ان لعب دور الوسط في هذه المرحلة السياسية بالذات هو امر غير مجد ولن يصل بنا الى نتيجة، لأن ما يجري هو حرب ضد الرئيس سعد الحريري شخصياً، والامور ابعد من توافقات من هنا او هناك".

باتي البيسري التي تعمل في شركة عقارية تعتبر ان "ترشح الرئيس نجيب ميقاتي جاء ضد توجهات اهل مدينة طرابلس التي تؤيد الشيخ سعد رفيق الحريري باعتباره الزعيم السني الاقوى في هذه المرحلة"، مستنكرةً محاولات التهديد والوعيد والاسلوب الذي يعتمده الطرف الاخر في الكسب السياسي الغير مشروع، "فالامور وصلت الى حدود لم تعد تطاق وعلى الجميع التحرك ورفض ما يحاك لنا من مؤامرات".



المحامي علاء دياب من الضنية، جارة طرابلس يعتبر ان "الشارع السني وقوى 14 آذار رشّحت الرئيس سعد الحريري لتأليف حكومة جديدة، والرئيس ميقاتي كان مرشحاً على لوائح 14 آذار في انتخابات عام 2009 الماضية، وهو اليوم يسير بعكس التيار السياسي والارادة الشعبية"، مرحباً بعدم ترشح الرئيس عمر كرامي بعد ان تداولت المعارضة بإسمه وسوقت نبأ عودته الى الحكومة من جديد، ان الامور كانت اشبه بحرق سياسي لكرامي الذي سارع الى اتخاذ موقف ايجابي وتاريخي لأنه يعي تماماً حجم التحديات والتوازنات وحقيقتها".


يتابع دياب: "لا يمكن ابداً الاستغناء عن الرئيس سعد الحريري في هذه المرحلة"، متهماً المعارضة بانها "تفرض اشخاصاً من خارج الارادة الشعبية نهائياَ"، مستنكراً تجاهل الاكثرية السنية وما افرزته الانتخابات النيابية من نتائج حاسمة وقاصمة لصالح الرئيس الحريري وفريقه السياسي"، متسائلاً: "اين الديمقراطية التوافقية التي تنادي بها المعارضة"، مذكراً الجميع "بانتخاب الرئيس نبيه بري لدورتين متتاليتين رئيساً لمجلس النواب من قبل الاكثرية النيابية آنذاك احتراماً للتوازنات القائمة".

اسامة ضناوي – موظف في مصرف، يقول: "لم يكن مفاجئاً نبأ ترشح الرئيس ميقاتي لرئاسة الحكومة، الا ان الخبر الاكثر صدمةً كان في اعلان الرئيس عمر كرامي عدم نيته الترشح مجدداً"، واصفاً اياه بانه "موقف بطولي ورجولي وتاريخي"، والرئيس ميقاتي رشح نفسه بناءاً على طلب من سوريا وحزب الله، وبالتالي لا يمكن اعتباره مرشحاً توافقياً باي شكل من الاشكال، فالمرحلة الدقيقة التي نعيشها تتطلب عودة الرئيس الحريري الى سدة رئاسة الحكومة".

اما بالنسبة لسعيد نشابة الذي يعمل في احدى الشركات العقارية، فيرى ان "عودة الرئيس نجيب ميقاتي الى الحكومة ليس بالامر الكارثي، لان الرجل اثبت بالفعل انه شخصية وسطية قادرة على المناورة والتوفيق، وعلى تقديم الافضل للبنان بغض النظر عن كل من 8 و14 آذار، وان تجربته الناصعة عام 2005 تقود الى استلامه زمام الحكم مرة جديدة مع تقديرنا واحترامنا للرئيس سعد الحريري، ولكن البلاد اليوم على شفير الانفجار ونحن بحاجة الى طرف وسطي يوفق بين كل الافرقاء بدون حدوث اي صدامات او اشتباكات سياسية او امنية محتملة".

طالبة جامعية من الكورة رفضت الكشف عن اسمها، لم تبدي اي حماسة لترشح الرئيس نجيب ميقاتي للحكومة الجديدة، معتبرةً ان "ترشيح الرئيس ميقاتي ليس شرعياً باي شكل من الاشكال بالنسبة للطائفة السنية ولكل الطوائف والمكونات اللبنانية الاخرى، فهو بكل بساطة مرشح سوريا في لبنان ومرشح الثامن من آذار وحزب الله كما قال دولة الرئيس فريد مكاري"، متوقعةً "العودة الى مرحلة ما قبل العام 2005 لان اي حكومة من لون واحد ستكون مشوهة ميثاقياً بفعل غياب الطرف السني القوي".

خالد دياب مهندس اتصالات يسأل: "اين الرجولة والوفاقية والاعتدال بمواقفك في الساعات الاخيرة يا دولة الرئيس ميقاتي، وكيف ترضى ان تكون بديلاً عن ورقة احرقت، وكيف تقبل ان تكون الطرف الذي يغدر بالرئيس سعد الحريري؟... كفى استهتاراً بارادة اهل الوفاء يا دولة الرئيس، لان زمن الرضوخ قد ولى عهده الى غير رجعة".

ويتكلم خالد بصفته ناخباً شمالياً فيتابع: " لا يا دولة الرئيس، صحيح اننا نحترم موقفكم وموقعكم، ولكنكم انقلبتم على الارادة الشعبية وعلى البرنامج السياسي الذي اعطيناكم الثقة على اساسه، ولهذا فسخطنا شديد من سياستكم ومن الخطوة التي اقدمت عليها". ويختم خالد: "لقد ضحى الرئيس الحريري بالكثير كي يؤمن التوافق في انتخابات عام 2009، وقد تطلب منه الامر التضحية بالدكتور مصطفى علوش والنائب السابق مصباح الاحدب لصالح التوافق والتضامن الطرابلسي، وطيبة قلب الشيخ انقلبت عليها لكنها لم تعد تنفع... لا للدم لا للحرب نعم للسلم الاهلي، ولكن لا لالغاء سعد الحريري".


في المحصلة الشارع يغلي مجدداً، والامور مفتوحة على كل الاحتمالات، على امل ان يتعلم الجميع من التجارب الماضية المريرة، وان يخرج الرئيس ميقاتي اليوم بموقف رجولي وتاريخي يعيد الامور الى نصابها، لان البلاد مقبلة على المجهول... فيا دولة الرئيس ميقاتي، لا تكن محرقة ومطية لمشروع لبنان الاصفر...

الاثنين، 24 يناير 2011

نصرالله... فخامة رئيس جمهورية "لبنان الاصفر" ؟

مشكور الامين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، الذي اطلّ بالامس بعد ايام من اسقاط حكومة الوحدة الوطنية، وبروفة بيروت الميدانية، وبعد موقف النائب وليد جنبلاط الذي اتّخذ تحت وطأة التهديد النفسي والامني، قائلاً ان "المعارضة الوطنية في حال فوز من ستسميه لرئاسة الحكومة ستطلب منه تشكيل حكومة شراكة وطنية"، ومُشدداً على ان "المعارضة لا تدعو لحكومة لون واحد ولا لإلغاء أي فريق لانها تحترم تمثيل الجميع".

اطلالة نصرالله "الهادئة" ظاهرياً، وضعت النقاط على الحروف، ورسمت خطة طريق للايام القليلة المقبلة، بعد ان شعر بان القوى الحليفة لايران ولسوريا نجحت بانقلابها السياسي بالوسائل الديمقراطية والمؤسساتية والتهديدية بمؤازرة فائض القوة ورُهاب السلاح ضد المواطنين الابرياء، وضد نواب الامة المدفوعين غصباً الى حافة الهاوية، على الرغم من التوتر والارباك الكبير الذي يعانيه بعد صدور القرار الاتهامي عن المدعي العام الدولي دانيال بلمار من دون الاعلان عن تفاصيله.

قائد الثامن من آذار في لبنان بدا بالامس وكأنه رئيساً "لجمهورية لبنان الاصفر". يُطمئن كل الشركاء، ويُحدد اسم رئيس مجلس الوزراء بالتعيين، ويضع العناوين السياسية العريضة لأي بيان وزاري يمكن ان يبصر النور في اي حكومة جديدة. فظهر وكانه في نشوة الانتصار بعدما انقلبت المقاييس والمعادلات والحسابات اثر انضمام رئيس اللقاء الديمقراطي الى صفوف "سوريا والمقاومة".

كلام نصرالله جاء بمثابة استكمال للحرب البشعة والقذرة التي تشنّها قوى الثامن من آذار ضد الرئيس سعد الحريري ومسيرته السياسية. متباهياً بما تحقق من "انقلابات" في الايام الماضية، ومتذرعاً بأن "كل ما فعلته وتفعله المعارضة هو ممارسة حقها الدستوري"، متناسياً كل الوسائل غير المشروعة التي استخدمت وتستخدم لاستكمال الانقلاب، واعادة البلاد الى ما قبل العام 2005، والى حقبة العام 1998، عندما انقضت السلطة آنذاك على انجازات الرئيس الشهيد رفيق الحريري عبر ممارسة الاستبداد والقمع والظلم وخنق الحريات من خلال السيطرة الامنية والمخابراتية، وارهاب كل من يقف بوجه التيار الجارف تحت شعار المقاومة ومحاربة العدو الاسرائيلي، والمصلحة العليا للبنان.

يجهد كلّ من السيد نصرالله وحليفه البرتقالي العماد ميشال عون على ازاحة الرئيس سعد الحريري ووضعه على "رفّ" نادي رؤساء الحكومة السابقين متجاهلين موقعه وزعامته ورمزيته واهليته، وقد برر ذلك عندما اعتبر انه "في لبنان على مرّ التاريخ كانت شخصيات سنية تتولى رئاسة الحكومة ومن بعدها يأتي رئيس حكومة آخر في ما يعرف بنادي رؤساء الحكومة السابقين"، رافضاً مقولة "الاغتيال السياسي" التي تكلم عنها الرئيس الحريري في كلمته الاخيرة، مشيرا الى انه "لم يسبق أن يقال عن عملية ديمقراطية أن هذا اغتيال سياسي"، مضيفا ان "من حق الكتل النيابية أن ترفض شخصا معينا بمعزل عن نسبة تمثيله لأن موقع رئاسة الحكومة ليس موقعا تمثيليا بل موقع ريادي". ولم يكتف السيد بهذه "الحجج" اذ رأى ان "الحديث عن عدم تسمية الحريري وتوصيفه كاغتيال سياسي هو ترهيب للمعارضة" متّهماً قوى الرابع عشر من آذار "بمحاولة اغتيال المقاومة لمصلحة العدو".

نصر الله وفي معرض كلامه حرص على شكر النائب وليد جنبلاط والحزب "التقدمي الاشتراكي" على موقفهما الحاسم "الى جانب سوريا والمقاومة في هذه المرحلة المهمة في تاريخ لبنان"، لافتاً الى انه "سيتم التأسيس سويا على هذا الموقف في مرحلة سياسية جديدة من التفاهم ومواجهة التحديات المشتركة".


نسي السيد ان النائب جنبلاط تعرض لضغوط هائلة دفعته لاتخاذ هذا الموقف "الانهزامي"، اذ يكفي مراقبة وجه رئيس "اللقاء الديمقراطي" في اثناء مؤتمره الصحافي الشهير الذي عقده في دارته في كليمنصو منذ ايام لمعرفة حجم الضغط السياسي والامني الذي تعرّض ويتعرض له، والذي دفعه الى اعلان انحيازه الكامل لفريق الثامن من آذار، والى اصطفافه الى جانب تسمية الرئيس الذي تدعمه المعارضة لتشكيل الحكومة الجديدة.

ففي الوقت الذي سبق اعلان الموقف "التقدمي" من كليمنصو، كانت ميليشيات "حزب الله" تتحرك ميدانياً على خطوط التماس الامنية التي ارتسمت بعد احداث السابع من ايار 2008 في الجبل والشويفات وعرمون وعاليه والقماطية – كيفون، لتذكره بأنه لن يكون بمأمن عن اي عمل امني جديد ومؤلم فيما لو اتخذ موقفاً داعماً للرئيس سعد الحريري، هذا بالاضافة الى رسائل بالجملة جاءت من خلف الحدود لتحذر جنبلاط وترسم له الخطوط الحمر، داعيةً اياه الى الحسم والاختيار بين الابيض والاسود.

عام 2004، تقدّم جنبلاط ونوابه لائحة الشرف التي قالت لا لتمديد عهد الرئيس السابق اميل لحود. اليوم يصوّت جنبلاط نفسه ونوابه الحزبيين لصالح حكومة "صفراء" تعني عودة سلطة الخوف والترهيب والتخوين والانقلاب على سياسة الرئيس رفيق الحريري، لتكون حكومة الاجهاز على الانجازات السيادية والاستقلالية التي كان ثمنها باهظاً جدا جداً.

على كل حال، وفي خضم الاتصالات السياسية الكثيفة، الداخلية، الاقليمية والدولية، ومع بدء الاستشارات النيابية الملزمة، يقترب "حزب الله" من تحقيق ما لم يتمكن من تحقيقه ميدانياً في ايار عام 2008، وفي المعارك السياسية والعسكرية والانقلابية التي نفّذها على مدى السنوات الماضية. فهل يصبح السيد الحاكم الفعلي لجمهورية "لبنان الاصفر" على شاطىء المتوسط؟.
سلمان العنداري ....

الأحد، 23 يناير 2011

الادمان مستمر على الفايسبوك ...

من منا لا يعرف "الفايسبوك". الموقع الاجتماعي الاكثر شهرة في العالم، والذي غدا بين ليلة وضحاها احد اهم المواقع الالكترونية على الاطلاق، مطيحاً بكبريات الشركات العالمية الرائدة على شبكة الانترنت. فالموقع الذي بدأ العمل به على صعيد محلي في احدى الجامعات الاميركية، بات يستخدمه اليوم مئات الملايين من حول العالم وبلغات مختلفة، اذ يعتبر معظمهم انه اضحى الوسيلة الاساسية للتواصل والاتصال وكسب الاصدقاء، حتى وصل الامر بهم الى حدود الادمان الشديد، من جرّاء "تعاطي جرعات زائدة" من هذا الموقع.


الله يخليلنا الفايسبوك


لريتا فريد اكثر من 1000 صديق على صفحتها "الفايسبوكية". فالشابة الجامعية المثابرة في كلية الاعلام، لم تكن تعلم انها ستتحوّل الى مدمنة شديدة على الفايسبوك بعد اكثر من سنة ونصف على اشتراكها في هذا الموقع.

تحرص "المدمنة الالكترونية" على المتابعة الدقيقة لكل الاخبار والنشاطات والتحركات العادية وغير العادية لأصدقائها، "فكل يوم اتصفّح ابرز اخبارهم وصورهم وخواطرهم، وكأنني اقرأ جريدة تفاعلية تتغيّر حسب مزاج ابطالها. فمنهم من هو كئيب وآخر من هو مسرور وسعيد، ومنهم من يكون متفائلاً وآخر متشائم، اضافةً الى الذين يسوّقون كل الليل والنهار لأنفسهم بشكل او بآخر".

وصل الادمان مع ريتا الى حالة قصوى من شدة تعلّقها بالاخبار الالكترونية الاجتماعية، لتشترك في خدمة خاصة على هاتفها المحمول تتيح لها الدخول الى الموقع وتصفّح آخر التطورات والتعليقات، ومشاهدة آخر "اصدارات" الصور وقتما تريد، لتنال لقب "ميس فايسبوك" بجدارة فائقة وبشهادة كل زملائها في الصف، بمن فيهم الاساتذة المحاضرين.

"الستاتوس"... فرصة للتعبير

تجد ريتا في "الستاتوس" فرصة للتعبير عن احاسيسها وآرائها وتطلعاتها ومخاوفها وهواجسها، سواء كانت في حالة يرثى لها، او عندما تكون سعيدة وواثقة. "فعندما تحطّمت الطائرة الاثيوبية في بحر لبنان، شعرت بكثير من التعاسة وبكثير من الغضب، واكتفيت بالسؤال التالي عبر الفايسبوك "اي نوع من الآلهة يسمح بحدوث ذلك؟"، لتنهال علي عشرات التعليقات من كل حدب وصوب، حتى بلغت اكثر من 90 تعليقاً، تناولت معظمها مسألة العدالة الإلهية والإيمان بالله، ومن يتحمل مسؤولية هذا الحادث، وعما اذا كان الذي حدث مسألة قدرية محتومة، ام خطأ بشري عارض". وتضيف: "تلقيت حينها عشرات الاتصالات التي وجدت في سؤالي الكثير من المعاني والكثير من الغضب والرفض لفكرة الكارثة بشكل او بآخر".

باختصار..."الله يخليلنا الفايسبوك" لأنه مكان "بيفش الخلق"، ويشكّل الوجه الآخر لحياتنا واسلوب عيشنا وطريقة تفكيرنا.


إدماني الدائم...له ما يبرره

يستخدم نصير محمود الفايسبوك طوال الليل والنهار لمتابعة اخبار لبنان السياسية والاقتصادية والاجتماعية. فالشاب الذي يعمل في المملكة العربية السعودية في مجال الهندسة، وجد في الموقع الاجتماعي هذا وسيلة اساسية تقصّر المسافات، وتقرّبه من مجتمعه ووطنه الذي تركه لكسب لقمة العيش بحثاً عن مستقبل افضل، "ولهذا استخدم الفايسبوك لفترة طويلة نسبياً، نظراً لأنه الوسيلة الاساسية والوحيدة للتفاعل مع الاصدقاء بشكل يومي وعلى مدار الساعة".

تعرّف نصير الى عدد كبير من الاصدقاء الجدد، الا ان الطريقة التي يعتمدها في قبول الصداقات، "يجب ان تكون مدروسة ومبنية على قواسم واهتمامات مشتركة، مما يسمح بتبادل الافكار والتحاور الراقي".

يعلّق نصير على مجريات الاحداث اللبنانية، وينتقد عبر ما يكتبه وينشره من مواقف، حال بلده الأم، وتعاطي رجال القرار فيه، "والصراعات السياسية التي تدور في حلقة مفرغة منذ سنوات".


يعتبر نصير ان "ادمانه الدائم" على الفايسبوك له ما يبرره، لما للبعد والغربة والشوق الى الوطن من اسباب كافية تجعله يستخدم هذا الموقع اكثر من غيره.


أهرع فور استفاقتي لتفقّد الفايسبوك

الادمان عند ريتا ونصير لا يقل عما تعانيه ايمان بشير من "هوس". اذ تتصفّح هذه الشابة الفايسبوك كل يوم فور استفاقتها من النوم، لتغدو احدى "اشرس" مناصري مبدأ "الفايسبوك اولاً" بدون اي منازع. "فالمسألة عندما تعتاد عليها، تصبح فعلاً ونشاطاً لاواعياً واوتوماتيكياً، لدرجة اني اهرع الى "الكومبيوتر" في ساعات الصباح الاولى لأتفقد عنواني، اضافةً الى رصد اخبار هذا وذاك".



تجد "جدار" ايمان مليء بالمواقف السياسية والاقتصادية والشخصية الثائرة على العادات والتقاليد والواقع السياسي اللبناني والعربي، لتعبّر عن رأيها بحرية تامة، فتكتب عن الطائفية والاقطاعية والمحسوبية والاصطفافات المذهبية السائدة في البلاد. حتى انها نشرت مقالة لافتة منذ شهرين، روت فيها تجربة خروجها مع شاب مغاير لرأيها السياسي لأول مرة، وكيف تعايشت مع طريقة تفكيره وتحليله وفهمه "الذي لا يطاق" في مقاربة الواقع الحالي. لتعلن في ختام مقالتها انها لن تخرج مجدداً مع شاب متعصّب وفاقد للرؤية السياسية الصحيحة، لأن ذلك يسبب لها نوعاً من الكآبة و القرف في آن، على رغم انها لا تتخذ من الاختلافات السياسية معياراً للعلاقات العاطفية".


الفايسبوك... انه كل شي بحياتي

يبدو ان ايمان تحبّ المشاكسة على الفايسبوك. ففي كثير من الاحيان تقوم بنشر صورة معبّرة ذات مغزى سياسي، لتبدأ التعليقات الحامية من هنا وهناك، "حتى وصل النقاش في احدى المرات الى حدود الاشكال الالكتروني الحاد على خلفية تباين وجهات النظر بين المشاركين على صفحتي".


"الفايسبوك ليس الاداة الاساسية... انه كل شي بحياتي". هكذا تختم ايمان حديثها المشوّق عن تعلّقها "بالموقع الازرق"، ولكنها شاءت ان تخبرنا عن بعض المواقف التي سببت لها احراجاً شديداً اثناء استخدامها ايّاه، "ففي كثير من الاحيان يظهر بعض الاشخاص والاصدقاء "من زمن الماضي" الذي لا احبّذ اعادة التواصل معهم، فيعمدون الى الكتابة على "جداري"، وطرح الاسئلة السخيفة والتقليدية، وهو امر يستفزني ويشعرني باحراج شديد يجبرني على رد التحية واعادة التواصل معهم رغماً عني".


البوكر ... اكثر من ادمان
يضاف الى كون الفايسبوك شبكة اجتماعية للتعارف وكسب الصداقات، تتفشى ظاهرة "ادمانية" سريعة النمو على هذا الموقع. اذ يقضي مئات الآلاف من المستخدمين معظم اوقاتهم مسمّرين على طاولات مستديرة افتراضية، يلعبون عليها البوكر لساعات عديدة طوال تمتد في بعض الاحيان لاكثر من 24 ساعة متواصلة. فمنهم من يحقق ارباحاً طائلة في رصيده مستفيداً من الخبرة المتراكمة من جراء خوض المعارك والرهانات اليومية، ومنهم من تلحقه خسارة فادحة قد تقفده رصيده الافتراضي، وتخرجه من دائرة اللعبة. لتنتقل طاولات الورق والمراهنات والفتيات الجميلات، من قاعات الكازينوهات الفاخرة، الى شاشات صغيرة افتراضية، تأخذك الى قلب الحدث، دون اي عناء يذكر (عدا حرق الاعصاب لساعات).


هذا هو حال هشام عنداري الذي خرج من احدى مقاهي الانترنت في حالة عصبية شديدة، "فبعد اكثر من 8 ساعات من اللعب والمراوغة والصبر، لم استطع استرداد المبلغ الذي خسرته بالامس في لعبة البوكر، والذي تجاوز اكثر من 500 الف دولار في اقل من يومين، وهو امر مؤسف للغاية، خاصةً وانك تواجه فئة لا توازي خبرتي وحرفيتي في اللعب والمناورة، الا ان الحظ هذه المرة لم يحالفني ولم يقف الى جانبي مع الاسف".


الفارم فيل....ومواسم الحصاد

وعلى المقلب الآخر، و بعيداً من "قاعات البوكر" المليئة بالمدخنين، ينشط عدداً من "المزارعين والفلاحين" في عدد من الحقول الواسعة. تراهم قبل شروق الشمس، "مسلّحين" بالمعاول والمراكيش وحبوب الزرع، متّجهين الى حدائقهم للاعتناء بمزروعاتهم على مدار الساعة... انها "الفارم فيل" التي تتحدى الملل، وتحرق الوقت، وتبني الامجاد والقصور الرملية من لا شيء. الامر الذي جعل السيدة مي معتوق تمضي اكثر من نصف نهارها تعتني بزهورها وشتولها والورود التي تزرعها، "على امل ان تكبر هذه المزرعة، وتتكاثر فيها انواع الخضار والفاكهة والحشائش على انواعها، لأننا نحصد ما نزرع، وبقدر ما نعطي الاهتمام والعناية الكافية، بقدر ما نحصل على افضل النتائج الممكنة والمتوقعة".

استفاقت فجراً...لري المشاتل الافتراضية

نسأل السيدة معتوق، المتزوجة ولها ولدان عن سبب ادمانها على "الفارم فيل"، فترد ذلك الى حالة الفراغ التي تعيشها طوال ايام الاسبوع "بفعل تواجد عمر ومجد في المدرسة"، ولكنها لا تخفي انها عانت من هوس بسبب هذه اللعبة منذ فترة ليست ببعيدة، "ففي احدى الايام استفقت فجراً لأستكمل ريّ المشتل الجديد الذي زرعته من القرع والبندورة خوفاً من تلف الموسم (تضحك)".


...والادمان مستمر

بين مزارع الفارم فيل الواسعة والنضرة، وكازينوهات اللعب والمراهنات الضخمة، وبين صرعة الصور والستاتوس والمجموعات السياسية والثقافية والتسويقية، هذا فضلاً عن الخدمات الخاصة من "التبصير والتنجيم"، الى "الابراج اليومية"، و "صورة اليوم"، و"المقابلة الاجتماعية"، يبدو ان الادمان على الفايسبوك سيستمر ولن يتوقف. فهل نحن مقبلون على حالة ادمانية مستعصية تصيب العالم؟...الجواب على الفايسبوك، والرجاء التعليق.

الثلاثاء، 18 يناير 2011

بروفا قبيل ساعة الصفر ... ماذا يحصل في بيروت؟؟


شهدت العاصمة بيروت وبعض الأحياء المحيطة بها تحركات مشبوهة لعناصر "مشبوهة ومعروفة" صباح اليوم الثلثاء. حيث انتشرت عناصر غير مسلحة على شكل تجمعات منفصلة في شوارع واحياء حيوية من العاصمة. كالبسطة وتقاطع بشارة الخوري النويري الطيونة والاسكوا والكولا وطريق المطار وغيرها من المناطق، مما ادى الى حالة من الحذر والرعب دفعت اهالي العشرات من الطلاب الى الامتناع عن ارسال ابنائهم الى المدارس، فيما أقفلت بعض المدارس الاخرى ابوابها بفعل حالة الرعب التي سادت، كما قرر عدد كبير من اللبنانيين عدم التوجه الى اعمالهم في تلك المناطق.
القوى الامنية وكعادتها أتت متأخرة، فنفذت وحدات الجيش انتشارا مؤللا وراجلا في المناطق التي ظهرت فيها مجموعات مدنيّة بطريقة غير إعتياديّة. وقد صرّح مصدر امني لقناة "سي ان ان" العالمية ان هذه الحشود تم رصدها منذ ساعات الليل الا انها لم تكن تحمل اي سلاح" بينما "اشار شهود عيان الى ان "فانات تابعة لحزب الله قامت بنقل المجموعات فجراً، وشوهد عدد من العناصر يحمل اجهزة لاسلكية".
انه تحرك غريب ومريب في هذا اليوم وفي هذه المرحلة الدقيقة في البلاد. ولا شكّ ان الجهات التي قررت "جسّ النبض" في الشارع ارادت عن قصد ارسال رسالة الى كل من يهمه الامر ان القرار الاتهامي وصدوره لن يمر مرور الكرام وبهذه السلاسة، وستكون له تداعيات كبيرة على كلّ من يريد العدالة في هذا البلد، وان استخدام السلاح والقوة والعنف قد يكون متاحاً في اي لحظة من اللحظات فيما لو قرر حزب الله ذلك، لأن الساحة الداخلية هشّة، وباعتبار العاصمة ساقطة عسكرياً بأيدي الميليشيات التي تتحرك.


اتّصلت بالامس بنائب لبناني وتداولت معه التطورات السياسية بعد صدور القرار الاتهامي عن المحكمة الدولية. وقد لمست في حديثه خوفاً فعلياً على ما يمكن ان تحمله الايام والاسابيع المقبلة، اذ توقع أن "تقوم المعارضة بقيادة "حزب الله" بتحركات في الشارع بشكل او بآخرمن دون ان يعني ذلك اللجوء الى العنف"، (وهذا ما حصل صباح اليوم)، فكشف لي عن معلومات مفادها ان "حزب الله بصدد التحضير لمظاهرات ولاعتصامات شعبية قد تكون مشابهة لتلك التي حصلت منذ 3 سنوات"، مبدياً تخوّفه من ان "تتطور هذه التحركات الى اعمال امنية يُستخدم فيها السلاح في الداخل اللبناني على غرار احداث ايار 2008".
واليوم صباحاً، تلقيت عشرات الاتصالات من اصدقاء لي من كل المناطق، وكلّ منهم يستفسر عن الاوضاع والتطورات التي تحصل في بيروت: "شو في ببيروت؟"، "مننزل عل شغل او لاء؟"، "كيف الاوضاع، وشو معلوماتك؟"... اسئلة كثيرة انهالت عليّ (على اعتبار اني مطّلع على الاوضاع بحكم عملي الصحافي)... ومن بينهم زهرة التي سألتني بهلع "هل التطورات تستدعي ان اعود الى الصرفند اليوم ام ابقى في بيروت؟". اما علي، صديقي البقاعي الذي كان يتحضّر للنزول الى بيروت لتقديم امتحانه الفصلي في الجامعة، كان ايضاً قلقاً مما يمكن ان تكون عليه الصورة الامنية هنا.
وفي طريقي الى مكتبي حوالي الساعة العاشرة والربع، كانت الحركة في العاصمة شبه طبيعية. فطريق بشارة الخوري المؤدية الى وسط بيروت يشوبها الحذر والترقّب، تراها مزدحمة بعدسات المصورين وبالصحافيين الذي يبحثون عن الاثارة. وفي سيارات الاجرة (التاكسي)، وباصات النقل العام، وعلى الارصفة، يتبادل الناس الاخبار والاحاديث، ويتحدث بعضهم عن سيناريوهات وتحليلات شخصية لما يمكن ان تشهده الايام القليلة المقبلة... "الوضع خطير رح تنفجر".
على كل حال، لا داعي للخوف ايها اللبنانيون. لا ترتعبوا ولا تستسلموا للحروب النفسية التي تقوم بها تلك الاطراف. اذهبوا الى اعمالكم واكملوا حياتكم الطبيعية، فالتهديد لم يعد ينفع، "ومش رح يصير اكتر من يلي صار"، بيروت اكبر من العصابات التي تصول وتجول في احيائها... والعدالة آتية، والاستقرار خط احمر.

وقبل تحرير هذه التدوينة نشر تلفزيون الجديد الخبر التالي نقلاً عن مصادر من حزب الله : "أن التحرك الذي شهدته بيروت اليوم سيكون الرسالة الأخيرة قبل التحرك الفعلي"...  ختاماً دعوة من القلب الى القوى الامنية الى التحرك وكسر حاجز الخوف بوجه قوى الامر الواقع.

سلمان العنداري ...SA

الأحد، 16 يناير 2011

معاً الى فلسطين ... الطريق الصعب ليس بمستحيل



يعاني اللاجىء الفلسطيني في لبنان منذ عشرات السنين من الحرمان والقهر والفقر. فلا حقوق اجتماعية وانسانية تساعده على متابعة حياته وتحسين نمط عيشه، ولا متابعة جدية من قبل الادارات الرسمية والدولية التي يفترض بها ان تضاعف جهودها من اجل ايصاله الى ضفة الامان .

وفي هذا الاطار، ووسط هذه الصورة القاتمة التي ترتسم في المخيمات الفلسطينية في لبنان، حيث تضيق ازقتها وتختنق بالمآسي والمشاكل الاقتصادية والامنية، يجهد المجتمع المدني اللبناني والفلسطيني على مواجهة هذه المأساة والعمل على تغيير هذا الواقع، في محاولة للتخفيف من وقع الالم النفسي والمعنوي والمادي الذي يشعر به كل لاجىء هُجّر قسراً من وطنه الام، وكل شاب انسلخ عن فلسطين التي لم يعرفها يوماً الا عبر صفحات الكتب ووسائل الاعلام.

الشابة جنى ابو دياب، لبنانية فلسطينية الهوى. تربّت وكبرت على حبّ القضية الفلسطينية على اعتبارها قضية عربية اساسية ومركزية يجب الحفاظ عليها والنضال من اجلها حتى النصر, اذ تعتبر ان مناصرة قضايا اللاجئين الفلسطينيين في لبنان احد اهم اولوياتها الاجتماعية، وهي اليوم من خلال جمعية "معاً الى فلسطين" تسعى بالتعاون مع عدد كبير من رفاق دربها الى تحسين الواقع وتغييره.

تهدف جمعية "معاً الى فلسطين" التي ترأسها ابو دياب الى العمل على تنمية الوعي لدى الفلسطينيين وسائر الشعوب العربية حول حقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عنها، والى نشر الجانب التراثي والفكري والتاريخي والحضاري للشعب الفلسطيني. كما تسعى الى تعزيز التبادل الفكري – الثقافي بين الشعب الفلسطيني المقيم داخل الاراضي الفلسطينية و خارجها وبينه وسائر الشعوب الاخرى والتركيز على التعاون والتواصل بين المجتمعين المدنيين اللبناني والفلسطيني.

عندما تدخل مكاتب الجمعية في منطقة مار الياس في العاصمة بيروت تشعر بأهمية العمل الذي يقوم به هؤلاء الشباب من اجل مساعدة كل لاجىء فلسطيني على الصمود بوجه كل المتاعب والمصاعب التي تتراكم على رزنامة حياتهم كل يوم. فالأحداث الأمنية والسياسية والإقتصادية التي يعاني منها لبنان لم تمنعهم من الإستمرار في الغوص بتفاصيل قضية اضحت مقدسة بالنسبة إليهم، لبلد مجروح إغتصبت ارزاقه ومقوماته لصالح العدو الاسرائيلي الذي حوّل قبلة الاديان والثقافات والحضارات الى كابوس حقيقي، والى حمام دم وارهاب على مرآى من الجميع.



وفي اطار الحرص على نشر التوعية البيئية في المجتمع الفلسطيني اللاجىء في لبنان، نفّذت الجمعية منذ اسابيع مشروع تنظيف مجرى نهر البارد بمشاركة جمعيات أخرى من داخل وخارج المخيّم، إضافةً الى مئات المتطوعين الشبان. وبحسب ابودياب "يقوم هذا المشروع على اعتماد أكبر عدد ممكن من المتطوعين الشباب من سكان مخيم نهر البارد ومن خارجه لإطلاق حملة توعية بيئية في المخيم. وقد قامت الجمعية على مدى يوم واحد بتنظيف مجرى النهر ومحيط الضفاف انطلاقاً من الاوتستراد حتى المصب. على أن يصار لاحقاً الى التوسع بالمشروع الى أجزاءٍ أخرى وصولاً الى السدّ الرئيسي.

وتعتبر مشاركة حوالي مئتي شاب وصبية من مخيم نهر البارد من أبرز اهداف الجمعية وتكمن في خلق أطر للتعاون بين الشباب اللاجئ والمجتمع المدني والأهلي. "اذ اردنا من خلال هذا النشاط وهذه المشاركة ان يُعتمد على الشباب المقيم داخل المخيم والنازحين منه، على أثر معركة العام 2007 والتي أثرت سلباً على المجتمع الشبابي فجعلته أكثر عزلةً وانغلاقاً؛ إضافةً الى عددٍ كبير من الشباب اللبناني المقيم خارج المخيم وعدد من الأطفال والمراهقين لتنظيف ضفاف النهر والطرق الداخلية للمخيم". وتلفت ابو دياب الى ان الجمعية "سوف تطلق قريباً حملةً بيئية جديدة تستكمل تنظيف النهر وتتوسع نحو شوارع المخيم وصولاً الى التشجيرعلى نطاق واسع.

يُذكر ان الجمعية كما تقول ابو دياب "تعمل على دعم وتوجيه الشباب لتحصيل التعليم الجامعي والمهني. والسعي من خلال الطرق القانونية لاصدار تشريعات تحفظ حقوق اللاجئين الفلسطينيين مما يساعد على تحسين اوضاعهم القانونية و الانسانية. والعمل على تحصيل الحقوق المدنية المحددة حسب شرعة حقوق الانسان وسائر التشريعات التي تصون حقوق اللاجئين الفلسطينين سواء داخل مخيمات لبنان ام مختلف الدول العربية. والتواصل مع منظمات حقوق الانسان والجمعيات الانسانية و الامم المتحدة و جامعة الدول العربية من اجل تحقيق الاهداف المذكورة اعلاه".

وتدعو ابو دياب "كل الاطراف اللبنانيين على اختلافهم الى زيارة المخيمات، وعدم الاكتفاء بالشعارات والتنظيرات والمواقف لكي يكتشف الجميع الواقع المؤسف بأم العين، لان اي كلام او تنظير لا يمكن ان يعكس حجم الشقاء والبؤس الحاصل فيها".... الى ذلك فالطريق الى فلسطين ليس بمستحيل اذا تضافرت الجهود وسقطت الحواجز والأفكار المسبقة.

الثلاثاء، 11 يناير 2011

بشار الاسد يسخر من استقلال لبنان ... عذراً سيادة الرئيس.. ولكن



انزعجت كثيراً عندما شاهدت مقطع الفيديو الذي انتشر على اليوتيوب بسرعة البرق، ويظهر فيه الرئيس السوري بشار الاسد في اثناء زيارته الاخيرة للعاصمة الفرنسية باريس بعد لقائه نظيره نيكولا ساركوزي يسخر من الاستقلال اللبناني الذي تحقق عام 2005، والذي ادى الى خروج القوات السورية العسكرية والمخابراتية من اراضيه بعد اكثر من 30 عاماً متتالياً.

وفي التفاصيل قال الاسد في دردشة صحافية من امام القصر الرئاسي الفرنسي: "كل السؤال حول موضوع داخلي لبناني، لا نريد نحن انطلاقاً من احترامنا للسيادة والاستقلال ان نتدخل في هذا الموضوع (يضحك) ... ربما الاسئلال وليس الاستقلال" (يضحك بقوة ساخراً ومتهكماً)...

لا شك ان الرئيس السوري بكلامه هذا استفز عدد كبير من اللبنانيين الذين نزلوا الى الساحات وحملوا الاعلام اللبنانية، واختاروا الحرية بديلاً عن الاستسلام والقمع والارهاب والاستزلام والتبعية. 

تصريح الرئيس السوري لا يدل على حسن نية تجاه لبنان وشعبه، وهذا يعني اننا ما زلنا نراوح مكاننا في العلاقات اللبنانية السورية، وان الحقد الدفين، والرغبة في الانتقام ما تزال تحرّك الرئيس المحنّك الذي تمكّن من العودة السياسية الى الداخل اللبناني بعد احداث ايار 2008 العسكرية، وبعد اتفاق الدوحة، وعبر ما يسمى بالتفاهم السعودي- السوري من اجل ايجاد حلّ للازمة التي تتخبط بها البلاد منذ اشهر. 
 

سيادة الرئيس، كان كلّ شيء مختلفاً عام 2005، عندما تشكّل رأي عام لبناني صادق واعد ملّ الوقوف على الاطلال والسكوت عن الممارسات المخابراتية التي كانت تقضم البلد وتنهشه آنذاك، فكان 14 آذار 2005، عندما احتشد مئات الآلاف في ساحة الحرية وقالوا كلمتهم الصاخبة التي غيّرت الواقع السياسي واعادت الى البلاد الحياة بعد سنوات من الغطرسة والافتراق.

سيادة الرئيس، لم نلتحق عام 2005 الا بالحلم اللبناني التوّاق للاستقرار والحرية والسيادة والاستقلال الحقيقي، ولم ننجر الى المشاريع التي حاولت وتحاول الى هذه اللحظة ربط لبنان وخطفه واستغلاله، وتغيير هوية العالم العربي والعروبة عبر الارتماء بمشاريع اقليمية غريبة. فالحلم مستمر حتى تحقيق كل الاهداف، الى حين قيام الدولة القوية والعبور اليها رغم كل العراقيل والافخاخ الموضوعة في دهاليزها وتفاصيلها، وفي احياء وازقة مدنها، من الداخل والخارج، واي كلام آخر لا يعنينا، لأننا دفعنا وندفع الى هذه اللحظة اثماناً باهظة في سبيل الوصول والعبور الى دولة المؤسسات المرتقبة في لبنان.


سيادة الرئيس، عام 2005، كانت المعارضة اللبنانية (قوى البريستول) تتحضر لخوض انتخابات نيابية حاسمة تعيد الى لبنان استقلاله وحريته وسيادته، مطالبةً بتحسين علاقته بسوريا على اساس الاحترام المتبادل والندية في التعاطي، وتعيد اليه نظامه الديمقراطي المفقود والمخطوف بفعل سيطرة النظام الامني المخابراتي وفي ظل وجود عسكري سوري دام لأكثر من 30 عاماً، فاغتيل الرئيس الحريري، وانتفض الشعب اللبناني بغضب في الساحات رافضاً ثقافة "التسكيت" والارهاب عبر ممارسة العنف والاغتيال والقتل الفتّاك بحق القيادات الوطنية.

سيادة الرئيس، تعرفون جيداً اننا فتحنا صفحة جديدة في العلاقات الدبلوماسية والسياسية، ورئيس الحكومة سعد الحريري يتصرف على هذا الاساس، فقد زاركم وتحاور معكم، ومدّ يده مصافحاً، مفتتحاً حقبة جديدة من التعاطي بين بيروت ودمشق بعد غيوم سوداء دامت لعشرات السنوات من الوصاية والسيطرة والقمع والاستغلال. فكفى استهزاءً بقضيتنا وبنضالاتنا وبشهدائنا وبانجازاتنا، فلتدع الرأي العام يعيد الثقة الى سياستكم والى نظرتكم الجديدة الى البلاد بعد نحو ست سنوات من خروج جيشكم ومخابراتكم واجهزتكم، فكفى حقداً ....

اكتفي بهذه الصرخة من دون الدخول في التفاصيل والاطالة في الكلام. واطالب الرئيس الاسد باعتذار لمليون ونصف لبناني واكثر، ليس على تصريحه الاخير والمقتضب فحسب، انما على سياسات سورية قديمة يعرفها هو جيداً.

سلمان العنداري - SA

لمشاهدة الفيديو


الاثنين، 10 يناير 2011

تشطيب وميول انتحارية وتسريحات غريبة ... انهم الEMO

من الموسيقى الى كل جوانب الحياة، هكذا طالت ظاهرة الايمو المراهقين من عمر 12 الى 17 سنة، وربما اكثر من ذلك ليصبح مصطلح "متمرد بنفسية حساسة" يطبع الايمو الفرد، اضافة الى الحزن والاحباط والاحساس المفرط والتصرفات الغريبة.

يمكن اعتبار الايمو حالة عاطفية انفعالية وطريقة للتعبير عن الذات. هي اختصار لكلمة الانفعال والاحساس. بدأت تيارا موسيقيا في الهارد روك والميتال في اوائل الثمانينات وكانت تتحدث عن الالم والحزن بكلماتها الحساسة، ولاقى العديد منها النقد الشديد نظراً لافتقارها الى اللحن الغنائي والمستوى المطلوب.

هذا النوع من الموسيقى الصاخبة نشأ في العاصمة الاميركية واشنطن نتيجة ما سمي حينها روح التجديد والابتكار، واطلق عليها آنذاك "ثورة الصيف" اذ اخذت بالانتشار بين الشباب المراهقين حتى عمت مختلف دول العالم ومجتمعاتها لتتحول مع نهاية القرن العشرين وبداية الالفية الثالثة اسلوب حياة متكاملاً. وعمدت جماعات الايمو في اوائل التسعينات الى تخفيف الاعتماد على الموسيقى كطابع مميز لها واضافة بعض التفاصيل الشخصية الخارجة عن المألوف ليصبح لديهم ازياء خاصة وتسريحة شعر غريبة وطريقة عيش وتفكير مختلفة عن الآخرين. فمن هم الايمو وكيف يفكرون؟






ركان من صيدا مراهق آخر يعيش اسلوب الايمو منذ فترة طويلة معتبرا انه عالم جميل ولكنه ممل ومؤلم في بعض الاحيان، "فنحن مثل البشر على هذه الارض، غير ان الشيء الذي يميزنا عنهم هو اننا نفكر اكثر بكثير بقلبنا ومشاعرنا وعندنا حب وشغف ان نكون غريبين عن المجتمع. انها قصة تحد بينك وبين الناس والاهل والبيئة بأكملها أن تكون مختلفاً ومميزاً وغامضاً".
التعبير بالكتابة والتشطيب

والى طريقة اللباس وسماع الموسيقى، تعبّر جماعات الايمو عن نفسها عبر الكتابة والشعر والغناء، واكثر المواضيع التي يتناولوها في كتاباتهم واغانيهم هي الموت والعذاب والكوابيس والظلم والكآبة والشعور بالذنب والحب غير المتبادل ولعب دور الضحية ويقال انهم يبدعون في الرسم وتصميم المواقع الالكترونية، الا ان الطريقة الاخطر لتفجير هذه المشاعر واخراجها هي ما يعرف بالتشطيب انفسهم بالشفرة عبر شق اجسادهم بالأدوات الحادة.

وفي هذا الاطار يروي ركان (18 سنة) الحالة التي يعيشها في كل مرة يجرح بها نفسه ويقول: "عندما تكون وحيداً يأتي احد افراد عائلتك ويتهمك بأنك مريض نفسيا ومنبوذ ومنحرف، عندها تكره اهلك والمنزل. وعندما تكون في الشارع تسقط عليك العبارات والشتائم واحيانا الضرب والسب وكأنك لست انساناً عاديا له كرامته، وعندما تكون في قمة الاحباط تواجه العراقيل على كل الاصعدة العاطفية والشخصية والمادية والنفسية، عندها يولد لديك الخيار بجرح نفسك". ويعتقد "ان التشطيب وجد للتنفيس عن هذه المكنونات والضغوط التي تتجمع فوق بعضها كالبركان حيث لا طريقة لاخراج هذه الاحاسيس الحارقة ونسيانها سوى عبر التشطيب، موضحا انها من وجهة نظره طريقة للشعور وليست محاولة للانتحار على الرغم من ان الكثير من اصدقائه حاولوا الانتحار فعليا عبر تناول الادوية الكيميائية وجرعات كبيرة من الادوية لأكثر من مرة رغبة منهم في اختبار الالم والمشاعر الحادة".

كريستين (16 عاما) من جونيه كانت تقوم بجرح نفسها في السابق، لكنها توقفت حاليا عن القيام بهذه العملية "مع العلم اني ادرك خطورتها ولكنها الطريقة الوحيدة لاخراج المشكلات من داخلي، فمشاعري تتغلب احيانا على عقلي وتدفعني الى ذلك وقد وصلت بي الأمور ان اتهمتني احدى صديقاتي في المدرسة بأني احاول الانتحار". وتفتخر كريستين بأنها ايمو ولا تكترث لراي الناس بها ولكنها تنصح من تراوده افكار انتحارية ان يتكلم مع احد يثق به وان لا يرتكب الاخطاء التي ارتكبتها في الاعوام الماضية "فأنا اليوم اعبر عن نفسي بالكتابة والعشر دون اذية نفسي بالشفرات او ابعد من ذلك".




المجتمع يرفضهم
ينتقد الكثيرون ثقافة الايمو لما فيها من ازياء غريبة وطرق تفكير هدامة للعادات والتقاليد ومفسدة للمجتمع وفق رأيهم والبعض الآخر يعتبرهم مكتئبين مكبوتين، ضعفاء مجانين ومنحرفين جنسيا، وفي هذا الاطار ووفق مفاهيم الايمو يمكن للشاب تقبيل مثيله وكذلك يمكن للفتاة تقبيل صديقتها، هذا يعرف بـ
EMO KISSING BOYSor EMO KISSING GIRLS

لا ينفي ركان انحراف البعض فعليا ولكنه يوضح ان الايمو لا يفرق بين الجنسين في طريقة شعوره ويحب التعبير عما يريد بأي شكل من الاشكال. والقبلة احدى هذه الطرق وهي بالتالي من ثقافة الايمو ويرد عليهم ويقول
: Don't judge me to being emo, its not what i chose to be...it just what I am.


ماذا يقول علم النفس؟
يرى علم النفس ان الايمو ظاهرة اكثر من كونها حالة متميزة، ولكنها حالة نفسية مرحلية يمكن ان يمر بها الفرد خلال مراهقته حيث يتولد لديه الشعور بالقلق مما يدخله في معركة للبقاء يستخدم فيها كل الاسلحة والطرق للدفاع عن نفسه، ومن الممكن ان تصل هذه الاضطرابات والظروف الى صياغة هوية جديدة لنفسه يمكن ان يكون المظهر واسلوب الايمو احدى هذه الهويات، وغالبا ما تكون المشكلات العائلية والوضع داخل المنزل، اضافة الى التأثر بالموضة وحب التميز والرغبة بالانعزال والابتعاد عن العالم الخارجي سببا لاعتماد هذا الاسلوب الغريب.

بالنسبة الى ثيابهم وتسريحة شعرهم الذي يغطي عيونهم، فهو علامة على خوف من الاتصال بالعالم الخارجي ومواجهة الناس، ولهذا يبنون هذا الجدار الذي يفصلهم عن المجتمع مما يبعدهم عن بيئتهم ويجعلهم اكثر غموضا، وبالتالي لا يلاحظ عليهم اي علامات تقدير للذات او ثقة بالنفس.

ويحلل علم النفس مفهوم التشطيب على انه نوع من القهر بالاذلال والعذاب والالم كوسيلة للاشباع وايجاد اللذة، وهذا ما يعرف "بالماسوشية" وهي لا تعني الالم الجسدي فقط، بل تشمل الالم المعنوي كذلك من خلال موقف الرضوخ والاستسلام. فكلما زاد الالم زادت اللذة والشعور بالرضا النفسي الموقت.

غيّر عدنان منذ 3 اشهر اسلوب لباسه وتسريحة شعره وعاد الى طبيعته محاولا الخروج من "دوامة الايمو ويزور حاليا معالجة نفسية تساعده على تخطي حالته ومشاكله الاجتماعية. ومع ذلك فهو يعيش اليوم صراعا كبيرا بين الماضي والحاضر، بين ان يكون انسانا عاديا كغيره من الناس او ان يبقى ايمو تسيطر عليه المشاعر وتتربص به ميوله الانتحارية المتكررة.

ويوضح انه "منذ مدة توقفت عن كل هذه الامور لأني اريد الخروج من حالتي النفسية والعودة الى طبيعتي لأن المجتمع لا يتقبل ما اقوم به، وانا اسعى بكل جدية بالتعاون مع المعالجة النفسية التي ازورها الى ان اغير اسلوب حياتي بالكامل. بدأت استعيد ثقتي بنفسي ولو جزئيا وانا اليوم اعمل في احد المقاهي في بيروت واختلط بالناس واتكلم معهم بحرية دون خوف للتغلب على الوحدة التي اعانيها". وطالب عدنان المراهقين بأن يتعلموا من تجربته المريرة وان يضعوا لهم هدفا وان يفتشوا عمن يؤمن لهم مستقبلا آمنا في الحياة لأن الايمو عائق في الدراسة والمجتمع والعمل، "ولهذا لا انصح احداً بالوقوع بهذا الفخ على الرغم من انه مرحلة لديها اسبابها وخلفياتها".



في لبنان ...
غالبا ما تصادف شباب الايمو في المجمعات التجارية الكبرى في لبنان، اي في السيتي مول و ال ا ب س وغيرهما، وفي كثير من الاحيان يجلس هؤلاء على حافة الدرج في الاشرفية، ولا ينظرون الى المارة الا باحتقار اذا ازاحوا نظرهم، او على الاقل هكذا يعتبر الناس. ولدى تسجيل اعتراضات عديدة من رواد المجمع، عمدت ادارته الى منعهم من الجلوس على السلالم او عند مداخل المجمع لجهة ساحة ساسين. وصار الامن يلاحقهم لابعادهم.


لا طائفية...
ثمة من يعتقد ان الايمو ينتمون الى عبدة الشياطين وهذا غير صحيح اطلاقا، ولكن ليس للايمو ديانة محددة أو أي شيء من هذا القبيل. الايمو يتشاركون في ثقافتهم مع كل الناس، ولا يميزون في العاطفة او في الحزن والكآبة بين ابناء الديانات.

ثقافة "الايمو"
انزعجت السيدة من وجود كلمة الايمو المكتوبة على ذراع ابنتها، وتخيلت ان الاسم لحبيب لها. وهو الامر الذي اشعل غضبها، واثار حنقها. لم تكن الكتابة بالقلم، لكنها كانت بآلة حادة خلفت وراءها جروحا غائرة وبقايا دماء متخثرة. وبعد شد وجذب وعراك بين الام وابنتها بينت الفتاة المراهقة ان الـايمو مجرد نمط حياة "ستايل" جديد يتبناه المراهقون ويتعايشون معه. وانها لم تحب احدا ولم تقع في شباك مراهق آخر. كان على الام التعسة ان تهدأ وان تحاول ان تفهم ما لم تفهمه وتدرك تلك التحولات التي اصابت ابنتها، بل اصابت الكثيرين ممن هم في مثل عمرها.

سلمان العنداري - SA

* ملاحظة: مقالة نشرت في وقت سابق في ملحق نهار الشباب، وقد اثارت ضجة كبيرة حيث ان المجتمع اللبناني لم يكن يعرف كل هذه التفاصيل عن اولئك الشباب. واذكر هنا انه في اثناء اجرائي المقابلات الخاصة مع الشباب والصبايا الذين التقيتهم، لا حظت عليهم ميول انتحارية واضحة ونوع من الاحباط واليأس والقرف.

وبعد اكثر من سنة على نشر التحقيق التقيت عدنان الشاب الذي تركته يكافح من اجل الخروج من حالته المذرية، وكان يعمل في احد الفنادق البيروتية واكد لي انه خرج من هذه الحالة كلياً. وبالفعل فقط لاحظت انه شخص اجتماعي مُحبّ الحياة بامتياز.

ومن هنا دعوة شخصية لكل المراهقين اللبنانيين والعرب الى معرفة الخطأ من الصواب، والى كل الاهالي اطلب منهم الانتباه لتصرفات اولادهم وتوعيتهم على ضرورة ارشادهم الى الطريق الصحيح.
 




السبت، 8 يناير 2011

فضيحة: تحالف ثلاثي متواطىء في تزوير الدواء في لبنان... من يتحمّل المسؤولية؟



"انها جريمة العصر"...هكذا يصف نقيب الصيادلة الدكتور زياد نصّور قضية الدواء المزوّر التي تجتاح الاسواق اللبنانية، ويتداول بها الناس في يومياتهم واحاديثهم. هي القضية التي بقيت لسنوات خلف الكواليس، لا يتكلم بها سوى قلة قليلة من المهتمين، لتخرج اليوم الى الواجهة مجدداً، طارحةً علامات الاستفهام حول الفلتان الذي يشهده قطاع الدواء في لبنان "وإن بنسبة ضئيلة قياساً بدول اخرى في العالم"، فمن يتحمّل المسؤولية؟، وهل ما قامت به وزارة الصحة يعتبر كاف ورادع؟، ولماذا يتم الاتجار بصحة المواطن؟، وما هي السبل التي يجب القيام بها للقضاء على هذه الظاهرة؟...

 
الدواء...فوضى وفلتان


"ظاهرة الدواء المزور في لبنان هي نتاج طبيعي لفوضى وفلتان سوق الدواء الناتج عن عدم وجود سياسة وطنية لبنانية مسؤولة تنفذ وتطبق القوانين والانظمة" كما يصفها النائب السابق، والمهتم بقضية الدواء المزور اسماعيل سكريّة، " فتاريخياً ومنذ العام 1943 حتى اليوم، استطاعت "مافيا الدواء" اسقاط كل المحاولات الاصلاحية في هذا القطاع، والبراهين كثيرة بالاذن من الذين يطربوننا بشعاراتهم وكلامهم المعسّل. ففي العام 1971، انتهت محاولة وزير الصحة الدكتور اميل البيطار تخفيض أسعار الدواء باقالته من حكومة الشباب، بعدما خذله مجلس النواب بتطيير جلسة نصاب استنجد بها، للتسلح بقانون معجّل مكرر يتيح له تجميد رخصة المستوردين المتلاعبين بالاسعار وبصحة الناس، ليقف تجار "القطاع الفاسد" بوجهه بمؤازرة التغطية السياسية القوية".


يضيف سكريّة " تتالت محاولات الاصلاح في هذه القضية ولكن دون جدوى، حيث تمت عرقلة أول تجربة لمكننة الدواء في العالم العربي، نفّذتها منظمة الصحة العالمية في وزارة الصحة في لبنان عام 1989، لينهار عام 1996 بالتخريب حيث بيعت المعلومات لتجار الدواء بعد تدريب خبراء ومختصين على هذه الانظمة الجديدة. كما لم يتم اعتماد لائحة اساس للدواء تعتمدها معظم دول العالم، فتم الالتفاف على القرار 90/1 الذي سمح لاي مجاز باستيراد دواء ارخص بنسبة 25% من مثيله المسجّل في وزارة الصحة، حيث استوردت ارخص الادوية وسجلت من دون تسويقها. يضاف الى ذلك إفشال تجربة المكتب الوطني للدواء، الذي انطلق شعاراً مطلبياً في السبعينات وتقونن مطلع الثمانينات ووضع نظامه الداخلي المفخخ وتشكلت هيكليته الادارية عام 1994 وانطلق عام 1998 ليسقط مباشرة وبالضربة القاضية نتيجة اعتباره "بئر نفط، لا مؤسسة ارشادية توعوية تستورد الدواء بنصف قيمته وهو ما سهّل مهمة المافيا بالخلاص منه".


تحالف ثلاثي متواطىء

يحمّل سكريّة كل هذه الاخفاقات في محاولات الاصلاح لما يسمّى "بمافيا الدواء المثلثة الاضلع"، او "التحالف المصلحي الثلاثي المؤلف من بعض الادارة الفاسدة، وبعض الشركات التجارية، يضاف اليهما التغطية السياسية من هنا وهناك، وهذا ما ادى الى تراجع كبير في مسؤولية الدولة في رعاية سياسة دواء وطني تطبقها لأجل مصالح مشتركة تحصد ارباحاً هائلة على حساب صحة الناس وجيوبها، كل هذا يفتح القابلية على شتى اشكال الشطارة والفلتان، واهمها التزوير، ولهذا فأزمة قطاع الدواء هي نتاج طبيعي لأزمة نظام سياسي– طائفي، فاسد، ودعني اقول على مسؤوليتي ان سوق الدواء في لبنان مضروب".


يرفض نقيب الصيادلة الدكتور زياد نصور مقولة "التحالف الثلاثي" التي اطلقها الدكتور سكريّة، معتبراً ان هناك خلط بين تطبيق القانون والدواء المزوّر، فالاخير يتم دون علم وزارة الصحة، والدولة والجمارك، وبالتالي لا اعتقد بوجود "تحالف ثلاثي" في هذه المسألة، الا انه يمكن ان يكون هناك خللاً ما في تطبيق القانون ليس اكثر". كما رفض نصّور مقولة ان "سوق الدواء في لبنان مضروب"، "فلبنان يعتبر من اهم اسواق الدواء في المنطقة، ولكننا بحاجة الى تنظيم هذا السوق الذي يعاني من بعض الفوضى والمحسوبيات، ومن الجدير ذكره ان اكثر من 85 % من ادويتنا مستوردة من اوروبا واميركا، فلماذا ستكون مضروبة؟".


يضيف نصّور " لتنظيم سوق الدواء، لا بد من انشاء مختبر مركزي لمراقبة الدواء على الارض، ومختبر آخر مستقل يراقب المصانع التي نستورد منها الدواء، من عملية التصنيع، مروراً بالاستيراد وشروطه، وصولاً الى مراقبة الاسعار، وكيفية التوزيع، كل ذلك يؤدي الى تحقيق اكبر قدر ممكن من الانضباط".


سلسلة مترابطة اذا كسرت تثير الشبهات

يعتقد نصّور ان هناك سلسلة مترابطة في عملية تصنيع الدواء، واستيراده، وتوزيعه، وان اي خلل في هذه السلسلة او في احد مراحلها يمكن ان يعرّض الناس للخطر، وان يثير الشبهات حول فعالية هذا الدواء او ذاك ومدى تأثيره على صحة الانسان، "فإذا لم يتم التقيّد في عملية التصنيع بالحرارة المناسبة والمواد الفاعلة في عملية تصنيع احدى الادوية، يحدث الخلل في معايير الجودة والضمانة، وعلى صعيد الصرف، إذا كان الصيدلي يطبّق القواعد المفروضة والقانون، فلا يسمسر او يلعب بالاسعار عبر المضاربات غير المشروعة، والتوصيل المجاني، ولا يخالف المعايير المهنية، فمن الجدير الوثوق به، اما اذا لاحظنا العكس، فتصبح الصيدلية المعنية موضع شك وريبة".


مزوّر...مهرّب...فاسد


هل صحيح ان اكثر من 37 % من الادوية في لبنان مزوّر؟. ينفي نصّور هذه الارقام ويصفها بان "لا معنى لها"، لأنها غير موجودة بهذا الحجم الكبير، "فمن الناحية العملية لا يمكن لأحد ان يحدد هذه الكمية ونسبتها، كما لا قدرة لنا على ضبط الدواء المزوّر الذي عادةً ما يهرّب بشكل سرّي ولا يمر عبر الطرق الشرعية والقانونية ولا يسجّل في الدوائر الرسمية. وما يحكى ان منظمة الصحة العالمية اجرت هذا الاحصاء هو امر عار عن الصحة، اذ نفت المنظمة اصدار اي تقرير عن الادوية المزورة في لبنان في الآونة الاخيرة."


؟(Plavix)ماذا عن قصة 100 الف علبة


يتحدث سكرية عن اكتشاف كمية مزورة من دواء القلب "بلافيكس"، ( وهو دواء يعطى لمنع الجلطة وممكن الاستعاضة عنه احيانا ًبالاسبيرين). ويكشف عن معلومات مؤكدة تفيد بدخول اكثر من 100 الف علبة مزورة من البلافيكس الى الاسواق اللبنانية مسرّبة من الصين عبر مرفأ ابو علي في دبي- الامارات العربية المتحدة حيث تم تسريب اكثر من نصف مليون علبة الى الاردن ومصر ودول اخرى، محققةً ارباحاً طائلة للتجار". ويقول سكرية ان اثارة هذا الموضوع عبر وسائل الاعلام خلق احراجاً كبيراً وحرك الركود الحاصل ليتم إقفال بعض الصيدليات والمستودعات على اثرها، لأن المواطن اللبناني يدفع كل يوم ثمن الاستهتار والاتجار بكرامته وصحته، فالاسبوع الماضي على سبيل المثال توفي مواطن من البقاع من آل حيدر متأثراً بدواء "البلافيكس" الفاسد الذي تناوله لمدة ثلاثة ايام".


كوارث في المستشفيات وفلتان في المستوصفات


عشرات الادوية غير البلافيكس تتحرك على اكثر من جبهة لتدمر امن الناس الصحي، ففي المستشفيات الوضع كارثي كما يصفه سكرية " لأنه يتم اعطاء الدواء "فلت" بدون اي مغلفات او علب تحمل العلامة التجارية والختم الامني، فالوضع خطير وحساس ودقيق جداً على هذا الصعيد، وعلى الناس ان تدرك ذلك، وعلى الدولة ان تستدرك هذه التجاوزات بأسرع وقت ممكن.


اما في المستوصفات، فالفلتان سيد الموقف، لا رقابة، ولا متابعة، ولا مهنية في كثير من اداراتها ( وليس كلها طبعاً)، اذ وبحسب نصّور "تستقدم الادوية التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها من الخارج الى لبنان، لتوزّع كهبات على المستوصفات، فمنها من يعمد الى بيعها والاستفادة المادية منها محققاً الارباح الطائلة، ومنها ما يوزّعها مجاناً، "وفي بعض الاحيان تكون صلاحيتها قد انتهت". مع العلم ان انه من الناحية القانونية والعلمية، فيجب على الصيدلي او المستوصف ان يسلّم الدواء الذي اقتربت مدة انتهاء صلاحيته قبل 3 اشهر الى الشركة باشراف وزارة الصحة والاجهزة المعنية لتلفه، ويكون الوكيل مسؤول عن عملية التلف هذه، واي كلام خارج هذا السياق يكون مخالفاً للقوانين".


ترقّب وحذر في الصيدليات


في جولة على الصيدليات، يؤكد رامي زبيب، المسؤول عن صيدلية سبيرز انه يشتري الادوية من وكيل شرعي موثوق به ومرخّص له من قبل الدولة ووزارة الصحة، وانه لا يتعاطى ابداً مع "اولئك الذين يحملون الحقائب ويبيعون الادوية عشوائياً، وهو امر يثير الشبهات حول مصدرها".


في حين تقول الدكتورة ضحى المرعبي المسؤولة عن صيدلية طرابلس منذ 29 عاماً انها عملت لسنوات بالتعاون مع نقابة الصيادلة على محاربة هذه الظاهرة وتوعية الناس على خطورتها، "فأزمة الدواء المزوّر هي المشكلة الكبرى التي تضرب صحة الناس وهيبة الدولة، وبالتالي لا يجوز التأمل في هذا الملف والتوقّف عند بعض الامور، لان المطلوب هو استكمال الاصلاحات، واستكمال الحرب على العصابات المتواطئة، اذ اعتقد ان الاضاءة على هذه القضية اليوم تأتي بثمارها تلفت انظار واهتمام الرأي العام".


وتشير المرعبي الا ان بعض الصيدليات "الفاتحة على حسابها" تبيع بعض الادوية بأسعار مخفّضة، وهو امر يثير الريبة"، وتكشف انه في العام 2007 بعد احداث مخيم نهر البارد، تم تسريب كميات هائلة من الادوية التي وزّعت كمساعدات ، وتم تسريبها والاتجار بها في السوق، حيث تم بيع الدواء المسعّر بـ 11000 ليرة بأقل من 6000 ليرة، لنستنتج لاحقاً ان تلك الكمية المخزّنة منتهية الصلاحية ومضرّة بصحة الناس".


انها عينة من "التجاوزات" التي تحصل في سوق الادوية في لبنان، وهذا ما تشير اليه ايضاً الدكتورة شاهير عبد القادر في صيدلية بيروت في بدارو، حيث اشتكت من بعض الصيادلة "الذين يتشاطرون على المهنة، ويضاربون بالاسعار، ويعمدون الى خدمة التوصيل المجاني، في محاولة مشبوهة للتهرب من الضرائب ولتحقيق مزيد من الكسب المادي على حساب الضمير المهني".


وفي منطقة الجبل، تستقبل ندى ابو علي في صيدليتها الزبائن كل يوم، حيث تؤكد ان "الوعي زاد بنسبة كبيرة عند الناس بعد القاء الضوء على الدواء المزور او الفاسد، اذ يسألنا بعض الزبائن عن العلامات الفارقة والاختام المميزة، والوسائل المناسبة لاكتشاف ما إذا كان هذا الدواء صالحاً ام لا، يضاف الى كل هذا، فعامل الثقة بين الصيدلي والمريض يلعب دوراً اساسياً في الاحساس بالامان والراحة النفسية عند شراء اي دواء".
يجمع كل الزملاء في المهنة، ان "رسالتهم الاساسية تكمن في الحفاظ على صحة الناس لا الاتجار بصحتهم والاستفادة المادية على حساب اخلاقياتهم ومهنيتهم".






حملات التوعية...ما المطلوب؟


وبينما يعتبر سكرية ان "الخطوات الاخيرة التي قامت بها وزارة الصحة والدولة في ما يختص باقفال بعض الصيدليات والمستودعات ليست كافية وانها مجتزأة ولم تأت ضمن خطة واضحة المعالم", فإن نصّور يؤكد "اننا بدأنا بالخطوة الاولى في رحلة الالف ميل عبر حملات التوعية والوقاية من "داء الدواء المزوّر"، "فوزارة الصحة والاجهزة المعنية وضعت يدها على الملف واقفلت بعض الصيدليات واحالت بعضها إلى النيابة العامة للتحرك واصدار الاحكام بحق المتاجرين والمخالفين والمتواطئين، وهي خطوة تبشّر بالخير، وكانها تقول بأن مرحلة المحاسبة قد بدات بالفعل، ونحن اليوم نركّز على هذا الموضوع لتحقيق صدمة ايجابية وقوية بين الناس الذين يحاولون استعمال الدواء المزور او المتاجرة به، وفي المقابل، بدأت النقابة بالتعاون مع وزارة الصحة بتنظيم سلسلة من المحاضرات التوعوية، على ان يصار الى اطلاق حملة ضخمة اوائل الصيف المقبل تستهدف فيها عدة مؤسسات، كالقضاء والجمارك والاعلاميين ورجال السياسة والاطباء والممرضين، اضافة الى اللوحات الاعلانية على الطرقات وعلى وسائل الاعلام كافةً، لاننا نجد في ذلك وسيلة رادعة للمتواطئين تمنعهم من تكرار المزيد من التجاوزات خوفاً من انكشاف امرهم ومعاقبتهم".


يضاف الى ذلك، ستعمد الوزارة الى اعتماد ختم ورمز تعريفي على كل علبة دواء يستحيل تزويرها او التلاعب بها، ليتم بذلك قطع الطريق امام محاولات التشاطر على القانون والانظمة والناس على السواء.


المعارك الشرسة مستمرة


يشدد سكرية المستمر في "نضاله" حتى الرمق الاخير انه "على الناس ان تدرك اننا نخوض معركة شرسة لصالحهم، لان اولوية الامن الصحي تبقى اهم من الامن السياسي او العسكري في البلاد، وهذا ما نسعى الى تحقيقه، فلا بد ان يتحلى المواطن بالوعي الكافي، لا ان يصاب بالهلع والتوتر، لأن المطلوب هو المحاسبة والمساءلة وفتح الملفات لتحقيق قفزة نوعية في هذا الاطار، عبر ممارسة حقوقنا واحترام كرامتنا بصحتنا".


من جهته ينصح نصّور الناس قبل شراء اي دواء "بتفقد العلبة، واللون اذا ما كان متغيراً ام لا، واذا ما كانت الحبات مغايرة لتلك الاصلية، وقارن العلامات الفارقة والختم والرمز الامني الخاص، دون اغفال تاريخ انتهاء الصلاحية".

سلمان العنداري ... SA

الخميس، 6 يناير 2011

هل تساهم الاحزاب في محاربة المخدرات ؟؟؟

المخدرات، الآفة المزمنة التي تستفحل وتنخر في المجتمع اللبناني والعربي، آخذةً في الازدياد في اوساط الشباب، حيث تنتشر المواد المخدرة بكثافة وبسهولة في متناول نسبة كبيرة منهم، في ظل محاولات الدولة والاجهزة الامنية والجمعيات الاهلية والمدنية لمعالجة هذه الظاهرة قبل وقوع الكارثة وفوات الآوان.


بدأ جورج بتعاطي الحشيشة في عمر 14 سنة، إثر "نصيحة " صديقه الذي يكبره سنّاً بضرورة تجربتها،  "كان يوماً حاراً اثناء العطلة الصيفية، عندما عرض عليّ صديقي تدخين سيجارة ملغومة بالمواد المخدّرة التي تُطلق المخيلة وتساعد على الاسترخاء والشعور بالبهجة والفرح"، ومذذاك تكررت "مغامرات التدخين" وجلسات "الزهزهة" مع جورج واصدقائه، ليخوض الشاب في سن الـ 21 غمار "الهيرويين" باعتباره "اقوى من حيث المفعول والتأثير"، فانقلبت حياته رأساً على عقب.


رواية جورج واحدة من مئات القصص المختبئة بين الاحياء والازقة والقرى والمدن وعلب الليل وفي جلسات السمر، فالمخدرات تغزو واقعنا وتفتك بالفئات الشبابية التي يُفترض بها ان تقود البلاد نحو التغيير وضفة الخلاص. هذا الواقع دفع بمؤسسات الدولة والمجتمع المدني، وبعض الاحزاب السياسية الى دقّ ناقوس الخطر، واعلان الحرب على المخدرات، في محاولة لمحاصرة هذه الموجة المدمّرة، ومواجهة هذا الانفلات عبر المزيد من الوقاية والتوعية والتشدد.


الادمان ومراكز العلاج


دخلت جمعية "الشبيبة لمكافحة المخدرات" (JCD) على خط الحرب الشرسة على المخدرات وإدمانها، اذ تعمل منذ عام 1994 على مكافحة الادمان عبر التوعية واستقبال المدمنين واعادة تأهيلهم ومتابعتهم في مركز العلاج الذي تديره في جونيه، لتمكينهم من الاندماج مجدداً في المجتمع. ويشير رئيس الجمعية ايلي لحود الى ان "اكثر من 95% من الاشخاص الذين خضعوا للعلاج في المركز كانوا يتعاطون الهيرويين في شكل اساسي، وعملنا على اعادة المدمن الى حالته الطبيعية والمستقرة بعد تمضيته فترة تأهيل في اشراف فريق عمل متخصص".


ويلفت لحود الى ان "الجمعية خرّجت أخيراً 26 شخصاً أنهوا فترة علاجهم، في حضور وزير العدل ابرهيم نجار، وقُدّمت لهم شهادات توصية رمزية من شأنها ان تمدّهم بالدعم المعنوي في حياتهم الجديدة الخالية من الادمان، على ان تجري متابعتهم عن كثب خلال الفترة اللاحقة". يُذكر انه خلال عام 2008 استقبل المركز اكثر من 54 شخصاً، بينهم 32 تلقّوا العلاج وانهوا فترة التأهيل، وتراوحت اعمار غالبية الزائرين ما بين 19 و54 سنة، بينهم 49 شخصاً بدأوا التعاطي بين سن 13 و18 سنة، بينما تلقّى اكثر من 77 شخصاً العلاج نفسه في 2009. ويُعتبر مركز JCD واحداً من مراكز العلاج القليلة التي تعمل في لبنان بمبادرات خاصة من الجمعيات. وفي هذا السياق يعتبر لحود ان "لا معايير واضحة لتلك المراكز لأن بعضها لا يتمتع بالاهلية ولا يلتزم أدنى الشروط المطلوبة لاستقبال المدمنين وعلاجهم"، مُطالباً "وزارات الداخلية والصحة والشؤون الاجتماعية والعدل بوضع معايير صارمة وواضحة من شأنها رفع مستوى تلك المراكز وتحسين ادائها، لأن اي اخلال في تطبيق البرامج من شأنه ان يُؤثر سلباً على المدمنين".من جهته،


 يوافق رئيس مكتب مكافحة المخدرات العقيد عادل مشموشي على كلام لحود، ويعترف بـ "قصور الدولة وعجزها عن مراقبة اداء المراكز العلاجية"، مُطالباً باعتماد الموضوعية في تقويم تلك المراكز والجمعيات المتخصصة بالتوعية، او تلك التي تزعم انها مهتمة بقضايا الرعاية والعلاج "لأن عدم اهلية بعضها من شأنه ان يؤدي الى نتائج كارثية، الامر الذي يدفع الجهات الرسمية الى سحب التراخيص من كل جمعية لا يتوافر فيها الحد الادنى من التجهيزات والبرامج، والتي لا تنجح في نقل المدمن العادي خلال فترة علاجه من حالة الادمان الى حالة الشفاء التام".ويتوجّه مشموشي بالتقدير الى المجتمع المدني الذي يلعب دوراً فاعلاً في مكافحة المخدرات بالتعاون مع الدولة "على ان يتم في المستقبل القريب إنشاء مركز علاجي رسمي ومجاني للمدمنين، يخضع فيه الفرد لعلاج طبي وآخر اجتماعي ونفسي لتخفيف حدة العوامل التي ادّت ونتجت عن تعاطيه المستمر للمخدرات، وصولاً الى اندماجه في مجتمعه ومحيطه من جديد".


مكافحة المخدرات... من اولويات الاحزاب؟


اما الاحزاب التي عادةً ما تتلهى بصراعاتها السياسية والمصلحية على السلطة، فقد وجدت نفسها معنية بمكافحة المخدرات بعد تحوّل هذه الظاهرة قنبلة موقوتة يمكن ان تنفجر في اي لحظة، باعتبار ان كل تخاذل في هذا الموضوع من شأنه ان يعرّض الامن الاجتماعي لخطر الانهيار. "حزب الله" من الاحزاب التي ادرجت محاربة المخدرات في سلم الاولويات السياسية والاجتماعية عبر حملة "النظام من الايمان" التي اطلقها الحزب اواخر العام الماضي في الضاحية الجنوبية لبيروت بعد تفشّي تعاطي المواد المخدرة بين الشباب، من الادوية والحبوب المهلوسة وصولاً الى تنشق مادة "التينر" والهيرويين والكوكايين، الامر الذي دفع بالامين العام للحزب السيد حسن نصرالله الى تناول الظاهرة التي تغزو "المجتمع المقاوم" عبر الاعلام، لافتاً الى "فرضية ان تكون اسرائيل وراء انتشارها".


من جهة اخرى، نشط الحزب التقدمي الاشتراكي بقوة على هذا الصعيد بعد استشعاره الارتفاع الحاد في نسبة تعاطي الممنوعات في قرى الشوف، اذ سجلت في الاشهر الماضية اكثر من حالة وفاة بجرعات زائدة، كما ضبط عدد كبير من الشبان بتعاطي الحشيشة في السهرات والتجمعات. هذه الامور شجّعت الحزب، بالتعاون مع الجمعيات الاهلية والنسائية والبلديات والمؤسسات المختصة، على اطلاق حملة عنوانها "غفلة الاهل يقظة المخدرات" في محاولة لـ "منع هذه الآفة من دهم البيوت وتفكيك الاسر وتدمير المجتمعات".هذه المبادرات لاقت ترحيباً كبيراً من الجهات الرسمية التي ابدت استعدادها للتعاون مع اي جهة سياسية في محاربة المخدرات، "على امل ان تتحسن الظروف التي تمر بها البلاد، باعتبار ان تردي وتشنّج الاوضاع الداخلية من شأنهما الحدّ من طموحاتنا في مكافحة هذه الآفة"، مع التأكيد الا غطاء سياسياً لأي ضالع في قضايا المخدرات، "لانه لا يمكن لأي طرف سياسي او حزبي ان يتجرّأ ويحمي تاجراً او مروّجاً ما يقوم به عمل ساقط لا يرتقي الى القيم الانسانية او الاخلاقية بأي شكل من الاشكال".


"اكستاسي"...  وسهرات صاخبة


في عدد من النوادي الليلية التي "استضافت" سهرات صاخبة ضجت بها البلاد خلال الصيف، ترددت معلومات عن تعاطي حبوب "اكستاسي" المنشّطة من الشباب وعلى مرأى من القوى الامنية... كلام لا ينفيه مشموشي الذي يؤكد الا معطيات دقيقة وحسية متوافرة في هذا الموضوع، الا ان "المكتب يقوم بواجبه في هذا السياق، وهو عادةً يرسل الى نوادي السهر والحفلات الكبرى دوريات سرية باللباس المدني لترصّد ما اذا كان الشباب يتعاطون المخدرات، وقد القي القبض على اكثر من 8 اشخاص هذا الصيف ضُبطوا يتناولون هذه الاقراص الصغيرة اثناء حضورهم تلك السهرات".والـ "اكستاسي" التي دخلت القاموس اللبناني منذ مدة، هي حبوب منشّطة تمنح شعوراً قوياً بالسعادة والنشاط والحيوية، الا انه بعد انتهاء مفعولها بساعات يشعر المرء بالتعاسة والاحباط والكآبة والتعب الشديد، مما يستدعي تعاطيها باستمرار لدوام الشعور بالاستقرار والتوازن من جديد، مما يؤدي الى إدمانها الشديد. ويُشار الى ان القوى الامنية تمكنت عام 2009 من ضبط  اكثر من 17312 حبة "اكستاسي".


متى تُكسر الحلقة المُفرغة؟


وسط هذه الصورة الضبابية، يعتبر لحود ان حلقة المخدرات المفرغة تتطلب وقتاً لكي تُكسر "فنحن في حاجة الى مزيد من تضافر الجهود للسيطرة على هذه المشكلة المتفاقمة". اما مشموشي فيتوجّه الى كل شاب وشابة بدعوة الى "عدم الدخول في متاهة المخدرات لأنها مادة مهلكة ومميتة، ولأن تعاطيها وإدمانها اشبه بالانتحار البطيء"، محذراً الشباب من "الانجرار وراء حبّ التجربة، فلا تكونوا جزءاً من جحيمها ومضارها".وبالعودة الى جورج، فالشاب الذي يبلغ اليوم 28 سنة، عاد الى الحياة الطبيعية من جديد مستعيداً صحته النفسية والبدنية وقدرته على التفاعل مع المحيط بعد دخوله مركزاً خاصاً للعلاج والتأهيل "فتخلّصت من السموم ومن عقدة الادمان التي بدأت بسيجارة وانتهت بنوبات حادة من اليأس والاحباط ومحاولات الانتحار أكثر من مرة"، مبرزاً اقتناعه ان "تعاطي المخدرات هروب غير مجدٍ الى الامام". 


التقرير الاميركي عن المخدرات:لبنان دولة "ترانزيت" للكوكايين والهيرويين


جاء في التقرير السنوي عن مكافحة المخدرات في العالم لعام 2009 الصادر عن وزارة الخارجية الاميركية ان لبنان ليس من الدول الرئيسية التي تنتج المخدرات او تتاجر بها، لكن انتاج القنب لا يزال مستمراً، وان استهلاك المخدرات ازداد، وخصوصاً في صفوف الشباب.ونسب التقرير الى مسؤولين كبار في قوى الامن الداخلي ان "مكافحة المخدرات تأتي في المرتبة الثانية من اولوياتهم بعد مكافحة الارهاب"، وان اكثر انتاج القنب والافيون في سهل البقاع قد أتلف، معتبراً ان الخطوة "تطوّر مهم، لأن الحكومة اللبنانية لم تقم، بين عامي 2005 و2007، بأي عمليات جدية لإتلاف المخدرات لإنشغال الجيش اللبناني وقوى الامن الداخلي بمواجهة تحديات امنية ناتجة عن حرب تموز 2006 والقتال في نهر البارد". ولفت التقرير الى ان الزيادة النسبية في انتاج القنب في لبنان تعود الى عام 2005 "لاقتناع المنتجين بأن الحكومة لن تتلف ما يزرعونه (...). ففي المناطق النائية حيث تتوافر الخيارات الاقتصادية المتوافرة محدودة، لا يزال زرع نبات المخدرات الممنوعة خياراً جذاباً".وتحدث التقرير عن استمرار عمليات تهريب المخدرات عبر الحدود اللبنانية – السورية و"الخط الازرق"، اذ يستخدم لبنان كدولة "ترانزيت"  للكوكايين والهيرويين، حيث يعمل مواطنون لبنانيون في تجارة المخدرات من كولومبيا وجنوب اميركا".

سلمان العنداري - مقالة سابقة نشرت في نهار الشباب اللبنانية