الأربعاء، 9 فبراير، 2011

يوميات الفقر في لبنان: بماذا يحلم اولاد الشوراع؟


الطفولة ... في الشوارع
اولاد الشوارع"، تسمية فرضت نفسها قسراً على صغار في عمر الربيع، حرموا طفولتهم باكراً، واللعب في الساحات ودخول المدارس، وحقهم في الأمان والصحة والحياة. فشاء القدر ان يزجهم في هذا المعترك الصعب والخطر الذي لا يقبله اي قانون ولا تفسره اي شرعة لحقوق الانسان.


طفولة غائبة ومنسية!

"الله يخليكن لبعض، الله يحميك، الله يعطيك الصحة والعافية والعمر الطويل، الله يخليلك هالعروس، ساعدنا نحنا جوعانين وما إلنا حدا، عطينا ألف او 500 او يلي بيطلع من خاطرك، الله يخليك ويحفظك"...


اعتادت ناديا (8 سنوات) واختها ميرنا (10 سنين) ترداد هذه التعابير كل يوم على امتداد الاسبوع على مسامع المارة والطلاب في محيط جامعة بيروت العربية، حيث تمضيان معاً اياماً ونهارات طويلة من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل، تتسولان لجمع مبلغ زهيد من المال يسد جوعهما ويسمح لهما بشراء بعض الحاجات الاساسية لجدتهما "المريضة" على ما تقولان. فبحسب ميرنا التي فقدت والديها وبدأت التسول قبل نحو سنة "فإن الوضع المادي السيىء الذي نعيشه في المنزل جعلنا انا واختي نجول قرب الجامعة لكسب العيش، ولتأمين ثمن الادوية الغالية التي تتناولها جدتي العاجزة عن الحركة منذ اكثر من سنتين، ولهذا نتواجد هنا كل يوم تقريباً لنحصل على المال".

 



وليس بعيداً من الجامعة، التقينا فاروق ابن الـ 6 سنوات الذي بدأ "المهنة" قبل 5 اشهر. فعلى رغم ان والده يعمل في احدى المؤسسات، الا انه اجبر على العمل والتسول على الطرق مرتدياً ثياباً متسخة رثة لا تقيه البرد القارس والامطار الغزيرة، فيجول مع اصدقائه ليجني مبلغ 10 الى 15 ألف ليرة يومياً "اعطيها لامي لتشتري ما نأكله كل يوم". براءة فاروق جعلته يعتقد ان كل الاولاد من عمره يعملون من اجل مساعدة اهاليهم في الحصول على المأكل والمشرب.

لا يكاد شارع من شوارع بيروت يخلو من ولد او مجموعة تسعى للتسول، ففي شارع الحمرا المزدحم دائماً، لا تتعب هالة (12 سنة) ولا تخجل بما تقوم به من ملاحقة الناس ومطاردتهم في سياراتهم من جهة الى اخرى لتطلب منهم مبلغاً او مساعدة علها تتمكن من انقاذ وضعها المادي المتردي، فحالها حال كثيرين ممن وجدوا في الشارع طريقاً للحصول على المال.


بماذا يحلم اولاد الشوارع؟


"يعمل" احمد (8 سنوات) وبشار (6 سنوات) من الصباح حتى السابعة مساءً في كل ارجاء العاصمة، يبيعان العلكة على الارصفة الباردة والمفارق المكتظة بإشارات المرور. الا ان الطفلين وعلى رغم اندفاعهما وتفانيهما في "العمل" يعتبران "ان طلب المال على الطرقات امر صعب ومتعب، ولكننا تعودنا عليه"، الا انهما لا يحبذان فكرة البقاء في الشارع كل النهار، فأحمد يحلم دائماً ويتمنى أن يذهب الى المدرسة وعلى ظهره حقيبة مكدسة بالكتب والدفاتر واقلام الرصاص والتلوين. هذه الاحلام سرعان ما تندثر وتهوي وتتناثر لأن "امي منعتني من دخول المدرسة وارغمتني على العمل في الشارع لأن المسؤوليات العائلية كبيرة جداً، ويجدر بي اعالة اخوتي وبيتي، فأبي عاطل عن العمل يأخذ كل الاموال مني ومن بشار مع كل آخر نهار". هذه الاحلام تصطدم بواقع مرير ومثقل. يعود احمد الى العمل بدموع ذرفها على عالم لم يعرف معناه، بل اكتفى بمشاهدته من بعيد.


يانصيب... يانصيب
من جهة اخرى، وعلى مفترق السوديكو - الاشرفية، تبيع ميسا وأخوها محمد اوراق اليانصيب وسط طقس عاصف ومصقع. تبتسم الطفلة الصغيرة بخجل وتطلب من المارة المسرعين شراء ورقة يانصيب "لأن ربحهم مؤكد". اقتربنا من الطفلين وسألناهما عن سبب وجودهما هنا. تقول ميسا انها تأتي ومحمد لفترات متقطعة الى هذا الشارع لبيع اوراق الحظ. وفي سياق الحديث شاءت الفتاة الصغيرة والفقيرة ان تطلق العنان لاحلامها، لتقول "اريد ان اكون اجمل فتاة في العالم تحمل العابها كل النهار وتجلس في المنزل مع امها، وتعيش حياة سعيدة مع عائلتها وترتاد المدرسة مثل بقية الاولاد في العالم". ووسط الهواء القوي وزخات المطر الخفيفة التي بدأت بالتساقط، يقطع محمد افكار اخته ليطلب منها التوقف عن الكلام والعودة الى العمل، ليأتي بعدها بائع يانصيب كبير في السن نسبياً، وعلى ما يبدو انه احد المسؤولين عنهما، يطلب منّا التوقف عن التصوير و"الاستجواب"، ويصطحب الولدين الى مكان آخر من الشارع ليكملا بيع اليانصيب بهدوء قبل هبوب العاصفة.


امنيات ميسا ذهبت بها ناديا الى مكان ابعد، فالطفلة الصغيرة التي ترتدي كنزة صوف رسمت عليها شخصية "ميكي ماوس" والتي يرتسم على وجهها الكثير من المعالم والتعابير والجمل، أملت ان تصبح محامية في المستقبل "كي احمي الاولاد من التعذيب والنوم خارج بيوتهم، وكي اؤمن الطعام والمساعدة لكل اقاربي واصدقائي".




مشاهدات كثيرة يمكن رصدها في اكثر من منطقة لبنانية لأولاد "يعملون" وسط ظروف قاسية وغير صحية، يتسولون ويعرّضون حياتهم واحلامهم ومستقبلهم للخطر الشديد. ففي منطقة الجميزة وبالقرب من كنيسة مار مارون، ثمة مجموعة من الصغار تعمل لساعات متأخرة جداً من الليل، يدخن افرادها السجائر ويتلفظون بالعبارات النابية والشتائم، ويتنقلون على الخط السريع من سيارة الى اخرى طلباً للمال. هذه المشاهد تكاد تكون عادية في اسواق طرابلس القديمة حيث ترى والدة تحمل طفلها ذا الاشهر الاربعة على يديها، فتفترش احدى الزوايا، و"تشحد عليه" امام المارة كل النهار، وبهذا تكون هذه الام قد حكمت على ابنها ان يكون متسولا منذ الصغر وقضت بالتالي على حقه بالطفولة وربما على مستقبله ايضاً.


انها السابعة مساءً، موعد عودة أحمد وبشار الى المنزل. عدنا الى حيث كانا طيلة النهار، لنجد احمد يعدّ النقود التي جناها واخاه الصغير طيلة نهار كامل، يضعها في جيبه اليمنى، يلقي علينا التحية بقليل من الثقة ويستدير الى حيث هو ذاهب. فغداً يوم آخر، يوم مليء بالمغامرات والتساؤلات والعمل الشاق، ومن يدري ماذا يخبىء القدر لهؤلاء الاولاد في الغد القريب؟


انهم اولاد الشوارع، وقصصهم الكثيرة، ومغامراتهم في الاحياء والازقة والطرق التي لا تنتهي. انهم الاولاد الذين من المفترض ان يتعلموا وان يعيشوا حياة تليق بهم وبمستقبلهم، انهم الاولاد الذين تخلّت عنهم احلامهم وهجرتهم رغم تعلقهم بها، فقط لأن حالتهم الاقتصادية وفقرهم وعوزهم، وربما بالتأكيد اوضاعهم العائلية والاجتماعية، جعلت منهم ابناء للشوارع وفي الشوارع. لكن السؤال يبقى: من يحمي هؤلاء الاطفال؟ ومن المسؤول عن تركهم كالسلع في العراء يستغلّون بشتى الاشكال، فهل من حل؟ سؤال برسم المعنيين والمسؤولين... (يتبع)

المقالة نشرت في وقت سابق في جريدة النهار اللبنانية، ملحق الشباب.

SA - سلمان العنداري

هناك تعليقان (2):

  1. من أصعب المواقف التي تواجهنا في كل زيارة للوطن. موضوع هام جداً، سلمان، رغم ثقل القراءة لفداحة الكارثة.

    ردحذف
  2. الفقر يأكل لبنان ... ومشاهد اطفال الشوارع تكاد تقتل ... العوز يزداد، واحزمة البؤس تتوسع، والحياة باتت اشبه بجحيم بالنسبة لهؤلاء المساكين .... استغلال يستمر، ولا مبالاة من قبل الدولة واجهزتها... الاطفال باتوا سلع تبيع وتمد الايدي في الشوارع والازقة ... انه لامر خطير نعيشه اليوم في البلاد... ومن هنا لا بد من رفع الصوت ووضع الاصبع على الجرح ... كي لا يبقوا اولاد الشوارع في الشوراع

    ردحذف