الثلاثاء، 22 فبراير، 2011

مشاهد الفقر تستمر: بدّي غنّي ... حتى عيش

منتصف النهار هو وقت الذروة في شارع الحمرا والناس في كل مكان يتسوقون ويتمشون، طلاب جامعات وشباب من مختلف الشرائح والفئات، وعجقة سير معتادة في هذا الشارع الحيوي المكتظ بالمقاهي الشعبية والمحال التجارية والمكتبات ومراكز الجمعيات الاهلية والمدنية... وفيما اصوات "الزمامير" تتسابق هنا وهناك، يجلس العم مارون الناشف على كرسيه الصغير عند المفترق المؤدي الى مستشفى الجامعة الاميركية ليبدأ بذلك نهاراً طويلاً من العزف والغناء.

قبيل مباشرته العمل الذي يعتبره مصدراً اساسياً للعيش، يضع الرجل العجوز لافتة خشبية صغيرة بقربه كتب فيها: "بدي غنّي حتى عيش، وظيفة بإيدي مافيش، ميلوا سمعوا غنيّة، بغنّي بشويّة بخشيش"، ليحمل بعدها عوده العتيق بين يديه، ويبدأ الاغاني الطربية الاصيلة والنغمات تضج في المحيط، فيتجمّع الناس رجالاً ونساءً، شباباً ومراهقين وحتى الاولاد، يتهافتون لسماع مقطوعاته الموسيقية وصوته الذي حافظ على اصالته رغم مرور الدهر عليه، ومن ينسجم في الكلمات والاحاسيس والمشاعر، يخرج من جيبه بعض النقود (بحسب كرمه وقدرته المادية) ويضعها في "كرتونة" صغيرة كتب عليها: "اني اشكركم سلفاً على محبتكم وتقديركم لي".



صوته... حنين الى الماضي

اعتادت إلهام التي تعمل في أحد المراكز الطبية في الحمرا، ان تلتقي العم مارون يومياً وهي في طريقها الى عملها، فتتوقف لتسمع بعضاً من الاغنيات التي يؤديها والتي تحرك فيها حنيناً غريباً الى الماضي وبعض تفاصيله البسيطة، "صوته يذكرني بأيام مراهقتي حين كنا نمضي في الحب الصادق الى ما لا نهاية من دون كذب او رياء او خداع، انه الحب الطاهر والشفاف، فالعم مارون بالنسبة الي رمز اساسي، وجزء لا يتجزأ من هذا الشارع العريق لأنه اضفى عليه مزيداً من الحياة والرومنسية والشغف". ومن جهتها ابدت جيهان اعجابها وتقديرها واجلالها "لإصرار هذا الانسان على مواجهة الحياة ومصاعبها وسلبياتها بابتسامة واغنية مجبولة بمعاناة غامضة وتضحية لامتناهية، فهذا الشخص الكبير في السن يستخدم حسّه المرهف وصوته لكي يكسب الرزق، انه لشيء مميز بالفعل".

 بس الحياة صعبة

 زرت العم مارون وسألته عما دفعه الى هذا العمل، فأخبرني انه كان يعيش حياة طبيعية وهادئة مع عائلته في مغدوشة - شرق صيدا "وكنت املك حينها متجراً للمواد الغذائية، الا ان الحرب ومآسيها ودمارها عرّضت ارزاقنا واملاكنا للسرقة والنهب من قبل بعض الميليشيات، فجئنا الى بيروت وصرنا على الصفر، فقلبت الايام دولابها بنا رأساً على عقب وجعلتني ابيع الدخان والعلكة لفترة طويلة على الطرق، وها انا اليوم اعزف منذ 10سنوات على اطراف الشوارع هنا وهناك من دون انقطاع لأني كنت مضطراًً الى إعالة عائلتي وبيتي، فتنقلت في كل المناطق اللبنانية، من بحمدون الى عاليه مروراً بجونية وزوق مكايل وصولاً الى بيروت بكل شوارعها وازقتها ومفارقها، حاملاً معي عشرات الاغاني الطربية الاصيلة التي لا تموت، من عبد الوهاب وفيروز وصباح فخري ونصري شمس الدين، الى اسمهان وعبد الحليم وفريد الاطرش المفضل لدي". ويضيف العم مارون بغصّة رافعاً رأسه "ما تواخذني يا ابني... بس الحياة صعبة كتير وتتطلب منا ان نجاهد ونناضل وان نسعى من اجل العيش بكرامة وشرف دون اللجوء الى الاعمال الشائنة والخاطئة كالسرقة والتسوّل والنشل، ولهذا انا هنا اليوم ابلغ من العمر 64 عاماً ومازلت صامداً وصابراً على امل ان تتغير الاحوال وتتحسن".



العود... صديقي

وبين كل وصلة واخرى، يأخذ العم مارون استراحة لبضع دقائق، فتراه يشعل سيجارته الهزيلة بأحد عيدان الكبريت التي غالباً ما تنطفىء من جرّاء الهواء او البرد الخفيف، وعلى وقع الدخان الضبابي الذي يخرج من فمه، ينظر بوجهه المليء بالتجاعيد الخجولة الى الافق، رامقاً الناس والمارّة وتحركاتهم، ومراقباً بعض تفاصيل الشارع و"نزلة المستشفى" حيث المرضى الذين اعتادوا زيارة العيادات مراراً وتكراراً يلقون التحية عليه ذهاباً واياباً.

وخلال استراحته السريعة، يخبرنا العم مارون عن علاقته القديمة بالعود "فهو حياتي ومماتي، هو الصديق الوفي الذي رافقني طوال عقود وعقود، اخبره اسراري وهمومي، ويخبرني بدوره وعلى طريقته همومه ومشاكله محاولاً في كل مرة من خلال نغماته واوتاره ان يبلسم جراحي ويسكت آلامي ومعاناتي الكثيرة".

لا يرى العم مارون عيباً في ما يقوم به، "فأنا اعمل كغيري من الناس في هذا البلد، على الاقل اكسب لقمة العيش دون ان انتظرها من احد، فالطرق والشوارع بالنسبة الي اشبه بمسارح مفتوحة امام كل فئات الشعب مهما كانت اختلافاتهم، لأغني لهم الحب وقصصه التي لا تنتهي، للحبيب والحبيبة، للحظات الفراق والحياة، اغني الوطن وحب الوطن واهله، وهل اجمل من اعادة احياء ايام زمان من خلال اغاني هؤلاء العمالقة؟".

وقبيل المغادرة كشف لنا انه يشتري بشكل اسبوعي "ورقة لوتو" "علّني اربح الجائزة الكبرى يوماً واعود الى بيتي وعائلتي لاني لا اريد الاستمرار في الجلوس على الرصيف على رغم ان الغناء والعزف اصبحا جزءاً مني".


S.A ...سلمان العنداري

المقالة نشرتها في وقت سابق في نهار الشباب اللبنانية، والجدير ذكره ان العم مارون تمت استضافته في اكثر من وسيلة اعلامية وهو يغني حتى هذه اللحظة في المكان نفسه وبالعدّة نفسها.

هناك 3 تعليقات:

  1. مقال جميل.. سبق وان استمعت للعم مارون عدة مرات دون أن اعلم عنه شيئاً.. شكراً لتسليطك الضوء عليه وعلى حكايته المثيرة للاهتمام والفضول..

    ردحذف
  2. الفقر في لبنان مستمر والفضيحة تبقى في عدم احترام الدولة للشيخوخة وللكبار

    ردحذف
  3. مقال ينضح بالوجدان واﻹنسانية لا بل أبعد من ذلك لعلّه مقدمة لتأمين ضمان الشيخوخة في لبنان بشكل شامل وباستقلال تام عن ماضي المواطن العائلي و الإنتاحي

    ردحذف