السبت، 12 فبراير، 2011

قراءة في سيكولوجيا الدكتاتور العربي ...



الدكتاتور العربي: بطش واستبداد وتسلط
 
على وقع الثورات الشعبية المشتعلة في عالمنا العربي الداعية الى اسقاط الانظمة والرؤساء والحكام. وفي وقت نجح فيه المصريون باسقاط نظام الرئيس حسني مبارك الذي استمر لاكثر من 30 عاماً بعد 18 يوماً متتالياً من الغضب العارم وبعد اسابيع قليلة من سقوط النظام في تونس الذي يقوده زين العابدين بن علي. وبالتوازي مع استمرار مظاهر البطش والاستبداد والقمع والظلم  لدى اكثرية "الزعماء" الذين حوّلوا انفسهم الى قديسين ابديين على كرسي الحكم، وحوّلوا شعوبهم الى اغنام لا كرامة لها، وقع نظري على كتاب كان "ينتظرني" منذ زمن على رفوف مكتبتي المليئة بالقضايا السياسية "الحُبلى" بمواد دسمة "تشبع شهوتي" وتدفعني لاكتشافها وتحليلها عندما تقتضي الحاجة...انه كتاب "الدكتاتور فناناً".

"أقتل والا ستُقتل ... ربما كان هذا لسان حال الدكتاتور، والشعار الذي جعل منه نهجاً للحكم واسلوباً في الانتقام". هكذا يبدأ الكاتب العراقي رياض رمزي كتابه المثير للجدل الصادر عن دار الساقي، ليغوص بعدها في شخصية الدكتاتور والطاغية في مجتمعاتنا، في دراسة نفسية تحليلية معمّقة تستخلص ان الدكتاتورية "فن" له اصوله وشروطه. وتتخذ هذه الدراسة من صدام حسين نموذجاً بالاستناد الى التراث الشعبي واشهر الاعمال في الادب والفن والمسرح.

 في هذه القراءة لشخصية الدكتاتور نكتشف كيف يتحول العنف لدى الطغاة الى سلم للصعود ومصدر للذة في آن واحد. وكيف أعمت عقدة السلطة بصر الحاكم، حتى لم يعد يرى الا ظله الذي حجب بلده وشعبه. وكيف تضخّمت "انا" هذا المستبد وباتت مركزاً للكون. وكيف اعتلى هرم الجماجم. وكيف حوّل بلده الى متراس لأهوائه وحروبه العبثية حتى كان انهياره وانهيار بلده.
 
يقول رمزي انه "في مسيرة دراسة الطغاة ليست هناك من جملة واحدة، من تصرف منفرد، من ايماءة عابرة تُطلق هكذا في الهواء الطلق وتفتقر الى الاهمية. لا شيء يجري تجاهله، اذ لا شيء خالياً من المعنى، واقل الاشياء شأناً ربما اكثرها اهمية. اذ يتعين علينا النظر الى المعنى في كل مكان على غرار عمل المحققين البوليسيين الذين ينطلقون نحو اكثر الامكنة ميلاً الى الإفضاء بما تخفيه، ما دام بمستطاعهم وحدهم سماع اصوات استغاثة من اماكن ذات وجود غير ملموس لدينا وخالية من المضمون. فالمحقق البوليسي وحده من يسمع ضجيج حركتها الملحوظة".

يحاول الكاتب تفسير لغز هذه الديكتاتورية الذي اعتبرها بأنها "ملكية خاصة لها مفتاح واحد اقتصادي او اجتماعي، ولكنه يعتمد في تحليله للظواهر الاجتماعية على منجزات الفنون لاغناء تفسير الحدث، كالرسم والنحت والمعمار والدراما والرواية وكيف يسخرها الديكتاتور لمصالحه الخاصة لتعزيز سلطته وحضوره.

يحاول الكتاب الرائع والملفت كشف الرحلة التي امضى فيها البطل "الدكتاتور" اياماً كاملة في خلوات طويلة مع نفسه، فمارست سطوتها عليه وصيّرته تابعاً لها، عندما بدأت تصدر اوامرها اليه على شكل احلام. فلم يعد لديه المزيد مما ينبغي فعله عندما خضع لها غير تنفيذ تلك الاحلام... امدته النجاحات بتفوق لم يتوان عن مضاعفته وزيادته، فاندفع في بناء قوته بعيداً من دون ان تتملكه الخشية من فقدانها. وما ان افلح في ترسيخها حتى ساد اعتقاد، ثم توّلته ثقة بأنه رجل الاقدار، معتقداً ان كل شيء يقع في نطاق مسؤولياته. فازداد هذا الاعتقاد كثافة بمرور الوقت، فاندفع على عجل نحو الازمات، مثل ضبع جائعة تبحث عن طريدة في الجوار.

كان رياض رمزي في اثناء دراسته لشخصية الدكتاتور الذي فضل ان يتكلم عنه بصفة الغائب مدهوشاً بالبطل الذي كان يقود المعارك العسكرية بطريقته الخاصة، " حيث باتت الحرب نسخة مستعادة من طباعه الشخصية"، اذ ان " كل شيء كان يحدث على هواه، وعند الاقتضاء".
اداء "البطل الدكتاتور" بحسب رمزي "لا اجده الا في اشد الروايات امعاناً في الخيال. مئات الآلاف من القتلى، جموع جائعة، دولة معزولة من دون حلفاء، وهو يركب حصاناً فحلاً مخصصاً للاستيلاد، مشيراً بيده اشارة النصر لجموع تضع ايديها اسفل بطونها درءاً لآلام الجوع، صارخاً بها "تباً للمستحيل". ثم جاءت حرب اخرى، فقال الجميع "لن يخرج منها هذه المرة"، لكنه خرج بوجه لا يعكس اي تعبير يشي بالاسف على ما سببه من نزف كامل هزّ الجميع ما عداه".

هذه الصورة ذكرتني بما يحصل اليوم في عالمنا العربي المليء بالدكتاتوريات وبالامبراطوريات المعشعشة بفساد السلطة والطبقة الحاكمة من المحيط الى الخليج (بن علي المخلوع وزوجته ليلى طرابلسي نموذجاً)، بينما يرزح المواطن والمثقف والشباب العربي تحت خط الفقر والعوز والكبت، وتحت وطأة الرهاب من القتل والملاحقة والاعتداء والنفي.

في عالمنا العربي الحريات مقتولة في مهدها، والشعارات مرفوعة على الاكتاف، ومن شدة كثرتها وسورياليتها تراها معلقة في السماء بيافطات الوعود والعهود لهذا الملك او ذاك الحاكم المستبد الذي كرّس نفسه لنفسه بدل خدمة شعبه ووطنه ومصالحه العليا.

اوطاننا اصبحت امبراطوريات لدكتاتوريات ولرجال سلطة يتمتعون بنشوة القهر والسيطرة واللعب بالعقول. اوطاننا اصبحت سجون كبيرة لم تعد تتسع للملايين الذين ضاقواً ذرعاً بممارسات شاذة من قبل اولياء الامور وسياساتهم القذرة.

يؤمن الدكتاتور ان ازدهار الذات ووقاية النفس يأتيان من تدمير الاخرين، او كعسكري يُمنى الهزيمة فيتذكر من خالفوا الاوامر، ويجردهم من رتبهم العسكرية ويرسلهم الى الموت. وها هو الدكتاتور العربي في كل قطر من الاقطار، يقتل الناس، يجوعهم، يعذبهم، ينتهك حرماتهم، يخيفهم، يزيد من عقدهم، يشتمهم، يحقّرهم، يرخّص دماءهم، ينقضّ عليهم، كي يتمكن من خلال هذا الفجور من البقاء في مكانه رافضاً الرحيل او تداول السلطة، (الا ان سيادة الرئيس السابق حسني مبارك تنحّى واستسلم للارادة الشعبية بعد ايام من العناد والمكابرة، ومن ممارسات البلطجة المقرفة التي قام بها نظامه ضد المتظاهرين والصحافيين والنشطاء).

يقف الحب والتوق الى السيطرة الذي يتحول الى شغف وراء كل اعمال الطغاة. يرافق ذلك اعتقاد بأنهم رجال المصير، وبأنهم مكلفون اداء مهمات فائقة الاهمية (امثال العقيد معمر القذافي قدس الله سرّه)، لا يثبط ذلك ارادتهم لدى مواجهة المصاعب فحسب، بل يبعد عنهم شعور الندامة او تبكيت الضمير إزاء التكلفة البشرية والمادية التي يتحملون مسؤولية إزهاقها وهدرها (كما فعل الرئيس القائد حافظ الاسد ببعض المعارضين السوريين القرن الماضي).

وبهذا نصل الى القانون الذي يحكم سلطة الطغاة: انه قانون التمتع بممارسة السلطة، اذ لا مجال للاحكام الاخلاقية عندما تُدرس السلطة وفقاً لهذا القانون. هي لذة تشبه الفعل الجنسي. وان اصدار حكم اخلاقي على لذة الفعل الجنسي عمل باطل، لانها قيمة بذاتها، وبهذا يصبح من سابع المستحيلات اقناع طاغية بضرورة الرحيل او التعديل في سلوكياته، لان ممارسة البطش بالنسبة له باتت كالنشوة وكالهواء وكالخبز اليومي الذي يتناوله في باحة قصره بعيداً عن الشعب.... (يُتبع)
سلمان العنداري ...SA >>>>ترقبوا مقالات اخرى عن شخصية الدكتاتور

هناك 5 تعليقات:

  1. Very interesting!
    I especially liked how you drew similarities between what you read in the book and what's going on today... goes to show how accurate the author of the book is in his analysis!

    ردحذف
  2. كتاب ممتاز ولا شك. ملاحظتي الأساسية عليه أنه يأخذ النموذج التقليدي لنظام الرجل الواحد ويحلله، وبرأيي أن هذا النموذج قد إنقرض تقريباً مع نهاية الحرب الباردة.

    دكتاتور هذا العصر هو واجهة لنظام متشعب، وفي كثير من الأحيان هو أقل الناس علماً بالوقائع على الأرض بل والأقل تأثيراً عليها -دون أن يعفيه ذلك من المسؤولية. وقد يكون مثل الشاه معبراً جداً -بغض النظر عن النظام الذي ورثه. فحين ارتفعت به الطائرة فوق المدينة هارباً، صعق من حجم التظاهرات على الأرض وسأل بسذاجة:

    "من أين أتى كل هؤلاء البشر؟"

    ردحذف
  3. مقال جميل و موضوعي...
    اعجبني تعبير وصف مؤدي المهمات الفائقة الاهمية احد المنظرين الاعظم في تاريخ الديكتاتورية "العقيد معمر القذافي قدس الله سره" هههه.
    اتمنى ان تتطرق بمدونات اخرى الى موضوع التدجين الشعبي اللذي تعاني منه بعض الشعوب العربية بحكم سياسة مقصودة تؤدي الى اعتياد الضحية على جلاده و اعتقاده الوهمي بانه هو المخطئ

    شكرا لك مرة جديدة سلمان

    على حسن سلامة

    ردحذف
  4. الدكتاتور يبقى ديكتاتوراً في حق شعبه وناسه وبلده ويبقى يبطش ويعذب ويقهر الشعب
    على الشعوب ان تقاوم الخوف وان تكسر كل المقدسات التس صنعها الدكتاتور وان تثور وان تقول كفى ظلم وعهر واستبداد وفساد

    ردحذف
  5. يقف الحب والتوق الى السيطرة الذي يتحول الى شغف وراء كل اعمال الطغاة. يرافق ذلك اعتقاد بأنهم رجال المصير، وبأنهم مكلفون اداء مهمات فائقة الاهمية (امثال العقيد معمر القذافي قدس الله سرّه)، لا يثبط ذلك ارادتهم لدى مواجهة المصاعب فحسب، بل يبعد عنهم شعور الندامة او تبكيت الضمير إزاء التكلفة البشرية والمادية التي يتحملون مسؤولية إزهاقها وهدرها (كما فعل الرئيس القائد حافظ الاسد ببعض المعارضين السوريين القرن الماضي).

    ردحذف