الجمعة، 28 أكتوبر، 2011

لبنان: الصراع المذهبي وانفصام الاعلام... نار تحت الرماد

اعلام مذهبي وحرب باردة بين الطوائف

قد يطول الكلام في لبنان عن الصراعات الدينية والطائفية التي تواجه مجتمعاتنا. فغالباً ما تنقل وسائل الاعلام المحلية والعربية والعالمية اخبار عن تظاهرات واحراق دواليب في بيروت، واشتباكات مسلّحة متقطعة بين جماعات لبنانية مختلفة، اضافةً الى الحديث عن صراعات سياسية حامية (تأخذ طابعاً مذهبياً) في هذا البلد المعقّد على كل الاصعدة...
فلبنان بلد متنوع وغني بالثقافات والطوائف، الا ان هذه النعمة غالباً ما تتحول الى نقمة بفعل سياسات البعض، ونفخ وسائل الاعلام بسمومها على اكثر من صعيد، اضافة الى اللغة الطائفية التي يتكلم بها رجال السياسة، فضلاً عن التدخلات الخارجية التي لم تتركنا يوماً، حتى صحّ القول ان حروب الاخرين دائماً ما تحصل على الساحة اللبنانية...
الحرب الاهلية اللبنانية التي اندلعت عام 1975 من القرن الماضي، والتي خلّفت مئات الاف القتلى ومئات الاف الجرحى والمخطوفين والمفقودين، تحولت الى ندوب من الصعب ان تندمل او تختفي مع الزمن، لتتحول معها الذاكرة الجماعية اللبنانية الى ذاكرة مليئة بالاحداث والاخبار العنيفة والدامية.
اكثر من ستة و ثلاثون عاماً مضت على اندلاع الحرب الاهلية اللبنانية, و الصراعات و الحروب و التقاتل الداخلي لم ينته بعد, فالحرب الاهلية اللبنانية التي بدأت في 13 نيسان عام 1975 مع بوسطة عين الرمانة (انفجار استهدف حافلة ركاب) يبدو انها لم تنته بعد توقّف أصوات المدافع والرشاشات والقنابل وتوقيع إتفاق الطائف الذي انهى معاناة الداخل . والمتاريس ومظاهر التسلّح وخطوط التماس الحمراء لم تختف الى غير رجعة بعد الإنتقال من حالة الحرب الى حالة السلم .

للأسف ، فمنذ العام 1990 (انتهاء الحرب) وما زلنا نعيش و نتعايش مع امتدادات هذه الحرب وتداعياتها على النفوس والعقول، ليصبح معها الخطاب السياسي وتقاذف التهم والشتائم أقوى وأفعل من نيران الموت على الجبهات المتواجهة، ولتزداد معها الهواجس والفواصل بين من يفترض بهم أن يكونوا قد تعلّموا من تجربة اللعب بمصير البلد والرقص على تناقضاته، لإقتناص فرصة ذرّ الحقد في العيون للتفريق أكثر وأكثر بين الأزقة والأحياء والساحات، ولينسى من يفترض به ان يتذكّر، أن العزف على أوتار الطائفية و المذهبية الضيقة يزيد من تدمير مقدّرات وامكانيات الخلاص المعهود والمطلوب، لتمحى بذلك الذاكرة الجماعية الحافظة والجامعة لكلّ افراحهم واطراحهم وآلامهم وشهدائهم ومصائبهم .
بعد اكثر من 21 عاماً على انتهاء الحرب ما زال البعض يتحدث عن بيروت غربية (ذات اغلبية مسلمة)، وبيروت شرقية (ذات اغلبية مسيحية) على الرغم ان المتاريس لم يعد لها مكان، الا ان بعض العقليات شاءت ان تبقي نفسها مسجونة ومهجوسة بهذه المفاهيم القديمة التي ولّى عليها الزمن..
للاسف، فان الخطابات السياسية في لبنان طائفية ومذهبية، وكذلك الامر بالنسبة للوسائل الاعلامية المحلية التي تحمل هوية هذا الفريق او ذاك، فتنطق باسمه وتسوّق افكاره وتدافع عنه على حساب الاخر، فتهدّمه وتعرّيه من حقوقه دفاعاً عن فكرة قد تكون تافهة او ثانوية.
وبصراحة نعيش في لبنان نوعاً من الحرب الباردة، وحرباً بالوكالة تقودها الاحزاب والجماعات الطائفية والمذهبية بالوكالة عن بعض الجهات الاقليمية. حيث يلعب السلاح دوراً اساسياً فيها، اضافةً الى ترهيب الناس بعصا عودة الاشتباكات الطائفية عند كل استحقاق. والمعلوم ان لبنان محكوم بتوازنات دقيقة لا يمكن اللعب عليها.
ويكفي القارىء والمتابع للاحداث ان يرصد وسائل الاعلام المحلية في تغطيتها لحدث معين ليكتشف حجم الانقسام الداخلي. حتى يمكن القول ان عدد كبير من الاحداث والمشاكل والاشتباكات حصلت نتيجة القذف الاعلامي، والتحريض المستمر للوسائل الاعلامية على مدار الساعة، اذ لعبت الوسائل الاعلامية المذهبيةو الطائفية دوراً بغاية السلبية ادى الى مقتل العشرات والى تفجير العصبيات الضيقة.
عام 2008 وصل الصراع المذهبي في بيروت الى اوجّه، عندما استخدم "حزب الله" سلاحه في احياء بيروت العاصمة، الامر الذي حول المدينة الى مدينة حرب تحكمها ميليشيات مسلحة، الامر الذي ادى الى مقتل العشرات من المدنيين والابرياء ذهبوا ضحية الشعارات والعناوين الطنانة والرنانة التي تبثها وسائل الاعلام، والذي ينطق بها رجال السياسة وازلامها...
ووسط هذه الصورة يمكن القول ان وسائل الاعلام في لبنان تتحدث بمنطق عسكري وميليشيوي من شانه ان يؤثر على الناس بدل لعب دور ايجابي يرفض العنف والتباعد ويبني ثقافة الحوار بين الشباب اللبناني على اختلافهم كي لا يتحول هذا الاختلاف الى خلاف يقلب الطاولة مجدداً ويخلّ بالتوازنات.
الحرب الكلاميّة والإنقسامات الدائرة اليوم في لبنان تكاد تكون أعنف وأقوى واشد قساوة من الحرب العسكرية الميليشياوية التي شهدتها البلاد لفترة 15 سنة ماضية, و لهذا يمكن القول ان الحرب لن تنته بعد .
واذا كانت وسائل الاعلام المحلية مسيسة ومنقسمة وتعيش حالة من الطلاق والانفصام في نشر الخير وصياغته وقراءته، فان وسائل الاعلام العربية والدولية اصيبت بالعدوى نفسها وان بابعاد متفاوتة. اذ تذهب بعض المؤسسات الى وصف ما يحدث في لبنان بانه انعكاس لفتنة طائفية سنية – شيعية، بينما ذهبت وسائل اخرى الى تصوير الامور من اكثر من زاوية منها ما يتعلق بالسلاح غير الشرعي، وبالفساد، وبالارتباطات الخارجية والاقليمية لاطراف النزاع، وباسباب اجتماعية وربما طبقية، وغيرها من الامور...
الاسئلة كثيرة بعد هذا الكلام. كيف نستفيد من التنوع الثقافي والطائفي والمذهبي في اي بلد متنوّع، وكيف نساهم في اغناء الحوار الثقافي والديني بين كل مكونات المجتمع بدل تحويل التنوع الى اداة لاذكاء نار الفتنة والتمييز والتفرقة؟، وكيف نبني اجيالاً متصالحة مع نفسها، لا تحمل بذور الفتن، وبراثن الماضي البشع؟...
ومتى تتوقف الوسائل الاعلامية عن بث سمومها، لتلعب دوراً ايجابياً في رصد قضايا الناس واحترام اخلاقيات المهنة؟، وهل صحيح ان التنوع كذبة كبيرة، وان احادية الرأي في مجتمع واحد هي الحلّ الامثل للعيش بسلام وامان واستقرار... ؟؟؟
نموذج واسئلة قد تعمّم على اكثر من بلد وعلى اكثر من مجتمع ...

سلمان العنداري ... SA

"مشاركة قدّمتها في دورة تغطية النزاعات الدينية العالمية التي تناقش الصراعات الدينية والطائفية حول العالم، واساليب التغطية الصحفية". يمكنكم متابعة كتاباتي في هذه القضية على الوسم التالي على المدونة "نزاعات دينية"...

هناك تعليقان (2):