السبت، 8 يناير، 2011

فضيحة: تحالف ثلاثي متواطىء في تزوير الدواء في لبنان... من يتحمّل المسؤولية؟



"انها جريمة العصر"...هكذا يصف نقيب الصيادلة الدكتور زياد نصّور قضية الدواء المزوّر التي تجتاح الاسواق اللبنانية، ويتداول بها الناس في يومياتهم واحاديثهم. هي القضية التي بقيت لسنوات خلف الكواليس، لا يتكلم بها سوى قلة قليلة من المهتمين، لتخرج اليوم الى الواجهة مجدداً، طارحةً علامات الاستفهام حول الفلتان الذي يشهده قطاع الدواء في لبنان "وإن بنسبة ضئيلة قياساً بدول اخرى في العالم"، فمن يتحمّل المسؤولية؟، وهل ما قامت به وزارة الصحة يعتبر كاف ورادع؟، ولماذا يتم الاتجار بصحة المواطن؟، وما هي السبل التي يجب القيام بها للقضاء على هذه الظاهرة؟...

 
الدواء...فوضى وفلتان


"ظاهرة الدواء المزور في لبنان هي نتاج طبيعي لفوضى وفلتان سوق الدواء الناتج عن عدم وجود سياسة وطنية لبنانية مسؤولة تنفذ وتطبق القوانين والانظمة" كما يصفها النائب السابق، والمهتم بقضية الدواء المزور اسماعيل سكريّة، " فتاريخياً ومنذ العام 1943 حتى اليوم، استطاعت "مافيا الدواء" اسقاط كل المحاولات الاصلاحية في هذا القطاع، والبراهين كثيرة بالاذن من الذين يطربوننا بشعاراتهم وكلامهم المعسّل. ففي العام 1971، انتهت محاولة وزير الصحة الدكتور اميل البيطار تخفيض أسعار الدواء باقالته من حكومة الشباب، بعدما خذله مجلس النواب بتطيير جلسة نصاب استنجد بها، للتسلح بقانون معجّل مكرر يتيح له تجميد رخصة المستوردين المتلاعبين بالاسعار وبصحة الناس، ليقف تجار "القطاع الفاسد" بوجهه بمؤازرة التغطية السياسية القوية".


يضيف سكريّة " تتالت محاولات الاصلاح في هذه القضية ولكن دون جدوى، حيث تمت عرقلة أول تجربة لمكننة الدواء في العالم العربي، نفّذتها منظمة الصحة العالمية في وزارة الصحة في لبنان عام 1989، لينهار عام 1996 بالتخريب حيث بيعت المعلومات لتجار الدواء بعد تدريب خبراء ومختصين على هذه الانظمة الجديدة. كما لم يتم اعتماد لائحة اساس للدواء تعتمدها معظم دول العالم، فتم الالتفاف على القرار 90/1 الذي سمح لاي مجاز باستيراد دواء ارخص بنسبة 25% من مثيله المسجّل في وزارة الصحة، حيث استوردت ارخص الادوية وسجلت من دون تسويقها. يضاف الى ذلك إفشال تجربة المكتب الوطني للدواء، الذي انطلق شعاراً مطلبياً في السبعينات وتقونن مطلع الثمانينات ووضع نظامه الداخلي المفخخ وتشكلت هيكليته الادارية عام 1994 وانطلق عام 1998 ليسقط مباشرة وبالضربة القاضية نتيجة اعتباره "بئر نفط، لا مؤسسة ارشادية توعوية تستورد الدواء بنصف قيمته وهو ما سهّل مهمة المافيا بالخلاص منه".


تحالف ثلاثي متواطىء

يحمّل سكريّة كل هذه الاخفاقات في محاولات الاصلاح لما يسمّى "بمافيا الدواء المثلثة الاضلع"، او "التحالف المصلحي الثلاثي المؤلف من بعض الادارة الفاسدة، وبعض الشركات التجارية، يضاف اليهما التغطية السياسية من هنا وهناك، وهذا ما ادى الى تراجع كبير في مسؤولية الدولة في رعاية سياسة دواء وطني تطبقها لأجل مصالح مشتركة تحصد ارباحاً هائلة على حساب صحة الناس وجيوبها، كل هذا يفتح القابلية على شتى اشكال الشطارة والفلتان، واهمها التزوير، ولهذا فأزمة قطاع الدواء هي نتاج طبيعي لأزمة نظام سياسي– طائفي، فاسد، ودعني اقول على مسؤوليتي ان سوق الدواء في لبنان مضروب".


يرفض نقيب الصيادلة الدكتور زياد نصور مقولة "التحالف الثلاثي" التي اطلقها الدكتور سكريّة، معتبراً ان هناك خلط بين تطبيق القانون والدواء المزوّر، فالاخير يتم دون علم وزارة الصحة، والدولة والجمارك، وبالتالي لا اعتقد بوجود "تحالف ثلاثي" في هذه المسألة، الا انه يمكن ان يكون هناك خللاً ما في تطبيق القانون ليس اكثر". كما رفض نصّور مقولة ان "سوق الدواء في لبنان مضروب"، "فلبنان يعتبر من اهم اسواق الدواء في المنطقة، ولكننا بحاجة الى تنظيم هذا السوق الذي يعاني من بعض الفوضى والمحسوبيات، ومن الجدير ذكره ان اكثر من 85 % من ادويتنا مستوردة من اوروبا واميركا، فلماذا ستكون مضروبة؟".


يضيف نصّور " لتنظيم سوق الدواء، لا بد من انشاء مختبر مركزي لمراقبة الدواء على الارض، ومختبر آخر مستقل يراقب المصانع التي نستورد منها الدواء، من عملية التصنيع، مروراً بالاستيراد وشروطه، وصولاً الى مراقبة الاسعار، وكيفية التوزيع، كل ذلك يؤدي الى تحقيق اكبر قدر ممكن من الانضباط".


سلسلة مترابطة اذا كسرت تثير الشبهات

يعتقد نصّور ان هناك سلسلة مترابطة في عملية تصنيع الدواء، واستيراده، وتوزيعه، وان اي خلل في هذه السلسلة او في احد مراحلها يمكن ان يعرّض الناس للخطر، وان يثير الشبهات حول فعالية هذا الدواء او ذاك ومدى تأثيره على صحة الانسان، "فإذا لم يتم التقيّد في عملية التصنيع بالحرارة المناسبة والمواد الفاعلة في عملية تصنيع احدى الادوية، يحدث الخلل في معايير الجودة والضمانة، وعلى صعيد الصرف، إذا كان الصيدلي يطبّق القواعد المفروضة والقانون، فلا يسمسر او يلعب بالاسعار عبر المضاربات غير المشروعة، والتوصيل المجاني، ولا يخالف المعايير المهنية، فمن الجدير الوثوق به، اما اذا لاحظنا العكس، فتصبح الصيدلية المعنية موضع شك وريبة".


مزوّر...مهرّب...فاسد


هل صحيح ان اكثر من 37 % من الادوية في لبنان مزوّر؟. ينفي نصّور هذه الارقام ويصفها بان "لا معنى لها"، لأنها غير موجودة بهذا الحجم الكبير، "فمن الناحية العملية لا يمكن لأحد ان يحدد هذه الكمية ونسبتها، كما لا قدرة لنا على ضبط الدواء المزوّر الذي عادةً ما يهرّب بشكل سرّي ولا يمر عبر الطرق الشرعية والقانونية ولا يسجّل في الدوائر الرسمية. وما يحكى ان منظمة الصحة العالمية اجرت هذا الاحصاء هو امر عار عن الصحة، اذ نفت المنظمة اصدار اي تقرير عن الادوية المزورة في لبنان في الآونة الاخيرة."


؟(Plavix)ماذا عن قصة 100 الف علبة


يتحدث سكرية عن اكتشاف كمية مزورة من دواء القلب "بلافيكس"، ( وهو دواء يعطى لمنع الجلطة وممكن الاستعاضة عنه احيانا ًبالاسبيرين). ويكشف عن معلومات مؤكدة تفيد بدخول اكثر من 100 الف علبة مزورة من البلافيكس الى الاسواق اللبنانية مسرّبة من الصين عبر مرفأ ابو علي في دبي- الامارات العربية المتحدة حيث تم تسريب اكثر من نصف مليون علبة الى الاردن ومصر ودول اخرى، محققةً ارباحاً طائلة للتجار". ويقول سكرية ان اثارة هذا الموضوع عبر وسائل الاعلام خلق احراجاً كبيراً وحرك الركود الحاصل ليتم إقفال بعض الصيدليات والمستودعات على اثرها، لأن المواطن اللبناني يدفع كل يوم ثمن الاستهتار والاتجار بكرامته وصحته، فالاسبوع الماضي على سبيل المثال توفي مواطن من البقاع من آل حيدر متأثراً بدواء "البلافيكس" الفاسد الذي تناوله لمدة ثلاثة ايام".


كوارث في المستشفيات وفلتان في المستوصفات


عشرات الادوية غير البلافيكس تتحرك على اكثر من جبهة لتدمر امن الناس الصحي، ففي المستشفيات الوضع كارثي كما يصفه سكرية " لأنه يتم اعطاء الدواء "فلت" بدون اي مغلفات او علب تحمل العلامة التجارية والختم الامني، فالوضع خطير وحساس ودقيق جداً على هذا الصعيد، وعلى الناس ان تدرك ذلك، وعلى الدولة ان تستدرك هذه التجاوزات بأسرع وقت ممكن.


اما في المستوصفات، فالفلتان سيد الموقف، لا رقابة، ولا متابعة، ولا مهنية في كثير من اداراتها ( وليس كلها طبعاً)، اذ وبحسب نصّور "تستقدم الادوية التي اقترب تاريخ انتهاء صلاحيتها من الخارج الى لبنان، لتوزّع كهبات على المستوصفات، فمنها من يعمد الى بيعها والاستفادة المادية منها محققاً الارباح الطائلة، ومنها ما يوزّعها مجاناً، "وفي بعض الاحيان تكون صلاحيتها قد انتهت". مع العلم ان انه من الناحية القانونية والعلمية، فيجب على الصيدلي او المستوصف ان يسلّم الدواء الذي اقتربت مدة انتهاء صلاحيته قبل 3 اشهر الى الشركة باشراف وزارة الصحة والاجهزة المعنية لتلفه، ويكون الوكيل مسؤول عن عملية التلف هذه، واي كلام خارج هذا السياق يكون مخالفاً للقوانين".


ترقّب وحذر في الصيدليات


في جولة على الصيدليات، يؤكد رامي زبيب، المسؤول عن صيدلية سبيرز انه يشتري الادوية من وكيل شرعي موثوق به ومرخّص له من قبل الدولة ووزارة الصحة، وانه لا يتعاطى ابداً مع "اولئك الذين يحملون الحقائب ويبيعون الادوية عشوائياً، وهو امر يثير الشبهات حول مصدرها".


في حين تقول الدكتورة ضحى المرعبي المسؤولة عن صيدلية طرابلس منذ 29 عاماً انها عملت لسنوات بالتعاون مع نقابة الصيادلة على محاربة هذه الظاهرة وتوعية الناس على خطورتها، "فأزمة الدواء المزوّر هي المشكلة الكبرى التي تضرب صحة الناس وهيبة الدولة، وبالتالي لا يجوز التأمل في هذا الملف والتوقّف عند بعض الامور، لان المطلوب هو استكمال الاصلاحات، واستكمال الحرب على العصابات المتواطئة، اذ اعتقد ان الاضاءة على هذه القضية اليوم تأتي بثمارها تلفت انظار واهتمام الرأي العام".


وتشير المرعبي الا ان بعض الصيدليات "الفاتحة على حسابها" تبيع بعض الادوية بأسعار مخفّضة، وهو امر يثير الريبة"، وتكشف انه في العام 2007 بعد احداث مخيم نهر البارد، تم تسريب كميات هائلة من الادوية التي وزّعت كمساعدات ، وتم تسريبها والاتجار بها في السوق، حيث تم بيع الدواء المسعّر بـ 11000 ليرة بأقل من 6000 ليرة، لنستنتج لاحقاً ان تلك الكمية المخزّنة منتهية الصلاحية ومضرّة بصحة الناس".


انها عينة من "التجاوزات" التي تحصل في سوق الادوية في لبنان، وهذا ما تشير اليه ايضاً الدكتورة شاهير عبد القادر في صيدلية بيروت في بدارو، حيث اشتكت من بعض الصيادلة "الذين يتشاطرون على المهنة، ويضاربون بالاسعار، ويعمدون الى خدمة التوصيل المجاني، في محاولة مشبوهة للتهرب من الضرائب ولتحقيق مزيد من الكسب المادي على حساب الضمير المهني".


وفي منطقة الجبل، تستقبل ندى ابو علي في صيدليتها الزبائن كل يوم، حيث تؤكد ان "الوعي زاد بنسبة كبيرة عند الناس بعد القاء الضوء على الدواء المزور او الفاسد، اذ يسألنا بعض الزبائن عن العلامات الفارقة والاختام المميزة، والوسائل المناسبة لاكتشاف ما إذا كان هذا الدواء صالحاً ام لا، يضاف الى كل هذا، فعامل الثقة بين الصيدلي والمريض يلعب دوراً اساسياً في الاحساس بالامان والراحة النفسية عند شراء اي دواء".
يجمع كل الزملاء في المهنة، ان "رسالتهم الاساسية تكمن في الحفاظ على صحة الناس لا الاتجار بصحتهم والاستفادة المادية على حساب اخلاقياتهم ومهنيتهم".






حملات التوعية...ما المطلوب؟


وبينما يعتبر سكرية ان "الخطوات الاخيرة التي قامت بها وزارة الصحة والدولة في ما يختص باقفال بعض الصيدليات والمستودعات ليست كافية وانها مجتزأة ولم تأت ضمن خطة واضحة المعالم", فإن نصّور يؤكد "اننا بدأنا بالخطوة الاولى في رحلة الالف ميل عبر حملات التوعية والوقاية من "داء الدواء المزوّر"، "فوزارة الصحة والاجهزة المعنية وضعت يدها على الملف واقفلت بعض الصيدليات واحالت بعضها إلى النيابة العامة للتحرك واصدار الاحكام بحق المتاجرين والمخالفين والمتواطئين، وهي خطوة تبشّر بالخير، وكانها تقول بأن مرحلة المحاسبة قد بدات بالفعل، ونحن اليوم نركّز على هذا الموضوع لتحقيق صدمة ايجابية وقوية بين الناس الذين يحاولون استعمال الدواء المزور او المتاجرة به، وفي المقابل، بدأت النقابة بالتعاون مع وزارة الصحة بتنظيم سلسلة من المحاضرات التوعوية، على ان يصار الى اطلاق حملة ضخمة اوائل الصيف المقبل تستهدف فيها عدة مؤسسات، كالقضاء والجمارك والاعلاميين ورجال السياسة والاطباء والممرضين، اضافة الى اللوحات الاعلانية على الطرقات وعلى وسائل الاعلام كافةً، لاننا نجد في ذلك وسيلة رادعة للمتواطئين تمنعهم من تكرار المزيد من التجاوزات خوفاً من انكشاف امرهم ومعاقبتهم".


يضاف الى ذلك، ستعمد الوزارة الى اعتماد ختم ورمز تعريفي على كل علبة دواء يستحيل تزويرها او التلاعب بها، ليتم بذلك قطع الطريق امام محاولات التشاطر على القانون والانظمة والناس على السواء.


المعارك الشرسة مستمرة


يشدد سكرية المستمر في "نضاله" حتى الرمق الاخير انه "على الناس ان تدرك اننا نخوض معركة شرسة لصالحهم، لان اولوية الامن الصحي تبقى اهم من الامن السياسي او العسكري في البلاد، وهذا ما نسعى الى تحقيقه، فلا بد ان يتحلى المواطن بالوعي الكافي، لا ان يصاب بالهلع والتوتر، لأن المطلوب هو المحاسبة والمساءلة وفتح الملفات لتحقيق قفزة نوعية في هذا الاطار، عبر ممارسة حقوقنا واحترام كرامتنا بصحتنا".


من جهته ينصح نصّور الناس قبل شراء اي دواء "بتفقد العلبة، واللون اذا ما كان متغيراً ام لا، واذا ما كانت الحبات مغايرة لتلك الاصلية، وقارن العلامات الفارقة والختم والرمز الامني الخاص، دون اغفال تاريخ انتهاء الصلاحية".

سلمان العنداري ... SA

هناك تعليق واحد:

  1. استاذ سلمان ممكن التواصل عبر البريد الإلكتروني ؟ bellakabbout@hotmail.com

    ردحذف