الأحد، 11 نوفمبر، 2012

جلسة " نـكد "... في انقرة




 قبل شهر بالتمام والكمال، كنتُ في العاصمة التركية انقرة في رحلة ماراثونية استمرت لـ48 ساعة جلت فيها على كلّ من اسطنبول وازمير والعاصمة.

لقاءاً مميزاً اثناء تواجدي في انقرة، جمعني بصديقة لي تُدعى رزان ملش. وهي شابة فلسطينية، وصحافية، درست العلوم السياسية وتستكمل دراساتها العليا في جامعات تركيا.

عندما علمت رزان بقدومي، تواصلت معي على موقع التواصل الاجتماعي "فايسبوك" واتفقنا على ان نلتقي في حال سمح لنا الوقت بذلك.

وفي اليوم الاخير من "رحلتي" التركية، وقبل توجّهي الى اسطنبول، اتّفقت ورزان على اللقاء في "انكامول" الذي يٌعد اكبر مركز تجاري للتسوّق في العاصمة. انتظرتها هناك، ولكنها تاخرت بعض الشيء بسبب المواصلات المعقّدة في المدينة.

اللقاء برزان كان اكثر من ممتع، وهي صديقة التقيتها للمرة الاولى في العاصمة العراقية بغداد قبل نحو عام، في فاعليات تأسيس ملتقى الشباب العربي.

وفي اول جلسة لنا في بغداد، في بهو الفندق المقابل لساحة الفردوس التاريخية، جلسنا في المساء مع مجموعة من الشباب العربي، وتناقشنا مطوّلاً في الشؤون العربية وفي القضية الفلسطينية على وجه الخصوص. ورحنا نتبادل وجهات النظر وندافع عن حقوق الفلسطينيين. وقد لاحظت على تلك الشابة شغفاً كبيراً لوطنها، وشغفاً اكبر لخوض معركة الحياة من اجل فلسطين ومستقبلها.

رزان، ابنة الضفة، التي هجرت وطنها المُمزّق، قررت السفر الى الخارج، الى خارج الوطن العربي، لكي تفتّش عن طموحها.

لا تؤمن رزان بالوطن العربي لأنه لا يُؤمّن لها اي طريق آمن كي تبني فيه مستقبلها الضائع، فقط لانها فلسطينية "منبوذة" في عالم "يدّعي" انه يدافع عن قضيتها، الا ان الواقع لا يعكس ما يُقال على صفحات الجرائد وعلى وسائل الاعلام.

"العرب خذلونا" تقول رزان بكثير من الألم، "ولم نعد نصدّق اي زعيم عربي يرفع شعار القضية الفلسطينية ويجاهر بها على المنابر، فها هم شباب فلسطين في الخارج، يواجهون الكثير من المصاعب، وتُسدّ في وجوههم كل الابواب، فقط لأننا ابناء ارض إغتُصبت وسُرقت وهُجّر اهلها".

كنت استمع لما تقوله رزان، وفي قلبي حرقة كبيرة مما نعانيه في بلداننا... فالامور ليست افضل عندنا في لبنان. بطالة وهجرة وفساد وواسطة، وطائفية ومذهبية وضياع، واغتيالات واقتتالات واستغلال للدين والتنوّع، وغياب لمنطق المحاسبة...

كل رشفة من فنجان القهوة التركي، كان يقودني ورزان الى عشرات التساؤلات... لماذا سبقونا الاتراك في السياسة والفنّ والثقافة والاقتصاد؟، لماذا يسكننا الفشل نحن العرب، في وقت يتقدّم فيه بقية العالم؟.


كانت جلسة نكد بالفعل، وجلسة اختلطت فيها مشاعر الغضب بمشاعر الاستسلام والغموض. فرزان وانا تسكننا هواجس المستقبل، تماماً كمئات آلاف الشباب في العالم العربي...

وعلى طبق تركي تقليدي، اكملنا حديثنا، وتناقشنا في الربيع العربي، والاسلام السياسي، وهو موضوع تناولته صديقتي الفلسطينية في رسالتها الجامعية.

ولم تخلو الجلسة من الضحك والمرح والذكريات التي جمعناها في بغداد، حيث كان اللقاء الاول لنا مع مجموعة كبيرة من الزملاء من العالم العربي.


صديقة مميزة ... وما يجمعنا هو شعورنا الدائم بالغربة
انتهت "جلسة النكد" في انقرة، واستمر شعورنا بالغربة والنوستالجيا. فعلى الرغم اني كنت عائدا بعد ساعات الى بيروت، ولكن غُربتي التي اشعر بها تحولت الى غربة دائمة، وغربة رزان البعيدة عن اهلها ووطنها وارضها ودارها تحولت الى واقع دائم كذلك الامر.

انتهت الجلسة، خرجنا من "انكا مول". وبينما استقلت السيارة في طريقي الى المطار، ترجّلت رزان بحقيبة الظهر الى موقف "الباصات" عائدة الى غرفتها التركية... وكانت "جلسة نكد" لا تُنسى... في انقرة...
 
سلمان العنداري ... SA

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق