الأربعاء، 6 أبريل، 2011

جوليانو مير خميس ... ورصاصات الغدر الدامية


اغتيال جوليانو مير خميس يشكل سابقة خطيرة في التعاطي مع المثقف والمفكر والمبدع في فلسطين

في خبر اشبه بالصدمة، شهدت الاراضي الفلسطينية جريمة مروّعة "من نوع آخر". اذ اقدم خمسة ملثمون على اغتيال الفنان الممثل والمخرج جوليانو مير خميس ابن القيادي الفلسطيني المعروف الراحل صليبا خميس من قادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي، والذي يقيم هو وزوجته وابنه في مخيم جنين منذ عام 2000 ويدير فيه مسرح الحرية الذي اسسته والدته ايرينا خميس ابان الانتفاضة الاولى.
تسع رصاصات افرغت في رأس المخرج المسرحي اليهودي المناصر للقضية الفلسطينية كانت كافية لانهاء مسيرة طويلة من النضالات والاعمال المسرحية الداعمة للوطن الضائع، الغارق في قبضة الارهاب والاحتلال الاسرائيلي المتطرف.
وعلى اثر ذلك، خرج المئات من المثقفين الفلسطينيين في تظاهرة حاشدة جابت شوارع رام الله وانتهت امام وزارة الثقافة تعبيراً عن صدمتهم، واحتجاجاً على جريمة هي الاولى من نوعها في الاراضي الفلسطينية.
المؤسف في الامر هو استهداف رمز ثقافي ونضالي كبير، فجاء الاغتيال كنتيجة انتقامية ظلامية مرفوضة لما قام به جوليانو خميس من ابداعات وكتابات واعمال لامست الواقع الفلسطيني، لا بل وضعت الاصبع على الجرح في كثير من المشاهد والقصص التي استخلصها من عمق الالم والمعاناة التي يعيشها المجتمع هناك.
 وكما قال رئيس الوزارء الفلسطيني سلام فيّاض، فان الجريمة الفاضحة بغاية البشاعة ولا يمكن السكوت عنها إطلاقاً، "باعتبارها تشكّل انتهاكاً خطيراً يتجاوز كل المبادئ والقيم الإنسانية، وتتناقض مع عادات شعبنا وأخلاقه في التعايش".
وفي مسرح الحريّة، اضواء خافتة، واجواء حداد وحزن واسى لفقدان المدير العام للمسرح الذي تحوّل الى مساحة حرة للشباب الفلسطيني للتعبير عن مكنوناته وابداعاته.
فقدت جنين ومخيمها كما الثقافة الفلسطينية واطفال الحرية شهيدهم و شهيد الانسانية الذي قضى برصاصات غادرة سوداء اطلقت من قاتل مجهول. وبحسب ادارة الموقع الالكتروني للمسرح، فقد مثل جوليانو للمخيم ولاطفاله نموذج الداعي للحرية و الحريص على الثقافة و الحامل للقيم الانسانية و رمز من رموز ثقافة المقاومة.
مسرح الحرية أسف "ان تكون نهاية حياته حيث بدأها"، ولكنه اكد العزم على ضرورة الاستمرار واستكمال النضال، معتبراً ان "ارادة الحياة تبقي جوليانو باعماله و ابداعاته و بمحبيه من الناس الطيبين حيا دائما في وجداننا، و سيبقى مسرح الحرية رمزا للحرية التي قدم روحه على مذبحها ( اظنها رصاصات الغدر حين هوت تكاد لو ادركت عينيك تعتذر).
"انك يا جوليانو تستحق منا الوفاء لك ولامك ولابنائك و زوجتك و لرسالتك الفنية الخالدة. كل محبيك و تلاميذك سيذكرون فنك و قيمك الى الابد، وليكن اسمك احد اسماء الثقافة الفلسطينية".

الملفت ما قاله صديق جوليانو، القائد السابق للجناح العسكري لحركة فتح  في جنين زكريا الزبيدي عن اعتقاده بأن "مير خميس وقع ضحية صراع القوى على الساحة الفلسطينية، وان قاتله هو فلسطيني تلقى الدعم من منظمة فلسطينية قوية، او من دولة".
كلام الزبيدي يفتح كثير من الابواب، ويطرح الكثير من التساؤلات عن هوية قاتل مير خميس. ففي حال ثبت ان "جهة فلسطينية متشددة" ارتكبت الجريمة، فهذا يعني تحوّلاً فاضحاً للنضال الفلسطيني لبعض "الحركات" التي تدّعي محاربة الكيان الصهيوني لنصرة الشعب الفلسطيني، لأن اللجوء الى تصفية قيادات ثقافية على الطريقة الظلامية، من شانه ان يضيّع القضية، وان يقتلها ويرهقها في مهدها. فأين العدو في شخصية معروفة تُقاوم بالفكر والقلم والصورة؟.
يُذكر ان حركة "حماس" قبيل انقلابها على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة قد مارست مثل هذا النوع من عمليات الاغتيال، عبر استهدافها لعدد كبير من نشطاء حركة "فتح" وقيادات وضباط الاجهزة الامنية، الى اغتيال مثقفين. كما رأى محللون ان جريمة مسرح الحرية شبيهة بتلك التي نفذتها حركة "طالبان" الافغانية والحركات التكفيرية التي اغتالت المفكر المصري فرج فودة، وحاولت اغتيال الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ.
ان عملية الاغتيال تعود بنا الى زمن مضى، عندما كان يُقتل كل مثقف وثائر من قبل بعض القوى المتضررة من اعماله ورسالته ونتاجه الفني والادبي. لأن ما حدث في مخيم جنين يهدف الى قتل الحركة الثقافية الفلسطينية بالدرجة الاولى، والى اسكات صوت حرّ فضح الاحتلال الاسرائيلي وممارساته، والى تصفية حسابات داخلية بعيدة عن قضية الوطن ومعاناة اهله بالدرجة الثانية.
ان قتل مير خميس مشابه لمقتل المفكر اللبناني – العربي سمير قصير الذي قضى بعبوة ناسفة استهدفته في بيروت عام 2005. وهو اسلوب مخابراتي اجرامي يهدف الى وضع حدّ للصوت الصارخ وللحقيقة التي تفضح الانظمة وممارساتها، فكيف ببعض الحركات المتشددة التي ترى في العمل المسرحي الادبي والفني بدايةً لاضعاف مشروعها السياسي الانفصالي التي دأبت لسنوات على تحقيقه على حساب الشعب والارض والقضية التي تذوب ذوباناً بفعل الخلافات المستشرية بين ابناء البيت الواحد في مواجهة عدو متغطرس، قذر، مجرم، يمارس طقوسه الدامية كل يوم في كلّ من القطاع والضفة على السواء.
الاجدى بحركة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية ان تُقلع عن هذه الممارسات الشاذة واللامسؤولة، وان تهتم بكيفية ايجاد حلّ للخلاف الفلسطيني المستشري، وان تعيد ترتيب البيت الداخلي، وان تعيد قطاع غزة الى الحاضنة الفلسطنية، وان تُنهي الانفصال الحاصل بين ابناء الوطن الواحد، او الوطن الضائع.
والاجدى بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ان تعيد تقييم سياستها، وان تعيد تنظيم صفوفها، وان تضع خطة طريق عاجلة لكيفية مواجهة اسرائيل التي تاكل كل يوم الاراضي المغتصبة عبر بناء مزيد من المستوطنات تحت حجج واهية.
والابشع في الصورة، هو استغلال اسرائيل الحادث، حيث تم اقتحام مدينة جنين وتم دهم مسرح الحرية وتفتيشه.
 مسرح الحرية الذي تعرّض للحرق قبل سنتين، والذي تعرّض شهيده لتهديدات بالقتل لاكثر من مرة، سيستمر ولن يتوقف عن العمل، لأن شعلة الامل التي أضيئت منذ سنوات بفعل جهود ونضالات كبيرة لن يُطفئها حاقد، ولن توقفها ايادي مجرمة ملثّمة وجبانة بأي شكل من الاشكال.
رحل جوليانو مير خميس، وكانت نهاية حياته حيث بدأها، لتبقى فلسطين تتخبّط، وتنتظر من يضع حداً للتقاتل الداخلي من جهة، ومن يوقف المجزرة الاسرائيلية بحقها من جهة اخرى...

سلمان العنداري ... SA

هناك 8 تعليقات:

  1. محاولات قتل الحرية او مشروع الحرية لن يتوقف طالما هناك جهات لا تؤيد الحرية وتفضل ان تعيش تحت عبائة الدكتاتورية

    ردحذف
  2. الاجدى بحركة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية ان تُقلع عن هذه الممارسات الشاذة واللامسؤولة، وان تهتم بكيفية ايجاد حلّ للخلاف الفلسطيني المستشري، وان تعيد ترتيب البيت الداخلي، وان تعيد قطاع غزة الى الحاضنة الفلسطنية، وان تُنهي الانفصال الحاصل بين ابناء الوطن الواحد، او الوطن الضائع.

    ردحذف
  3. صديقي عمر
    للاسف ينغمس العالم العربي بقتل مثقفيه فيما العدو الاساسي متربص ويعتدي ويقتل كل يوم
    الاانه لا بد من رفع الصوت وكشف الاقنعة
    رحم الله جوليانو خميس
    SA

    ردحذف
  4. لو امعنا سئلنا انفسنا من اللذي يمول حركة حماس ؟ لعرفنا توجهاتها وبالتأكيد انت تعرف من هم.

    ردحذف
  5. ان الجهات التي تمول حركة حماس والتي تمول حزب الله والتي تمول كل الحركات الانفصالية في المنطقة معروفة للعيان، وبالتالي فان هذه الاطراف تساهم في شكل سلبي بالسياسة في العالم العربي، كما تساهم في تعميق الانقسام وفي الابتعاد تدريجياً عن الدولة ومؤسساتها، وللاسف فان نموذج حماس ظاهر للجميع في خطفهم لقطاع غزة وفي خلافاتهم التي لا تنتهي معحركة فتح ومنظمة التحرير مع العلم ان السلطة الفلسطينية ترتكب الكثير من الاخطاء القاتلة في مقاربة عدد كبير من القضايا والملفات

    ردحذف
  6. مسرح الحرية الذي تعرّض للحرق قبل سنتين، والذي تعرّض شهيده لتهديدات بالقتل لاكثر من مرة، سيستمر ولن يتوقف عن العمل، لأن شعلة الامل التي أضيئت منذ سنوات بفعل جهود ونضالات كبيرة لن يُطفئها حاقد، ولن توقفها ايادي مجرمة ملثّمة وجبانة بأي شكل من الاشكال.

    ردحذف
  7. عزيزى / سلمان تحية طيبة
    وأشاطرك الرأى فى خسارة الوطن والقضية لشخص ساهم قدر الاستطاعة فى نصرتها، لكنى اراك تعجلت الراى واستبقت الاحداث وحددت الإتهام والمتهمين ، ثمّ اخذت قراراً أعلنته لقرائك الكرام ، وحدث خلط بين الخبر والتحليل والتخمين والإتهامات المسبقة والجاهزة ، ليدور الحوار وكأنّ الأمر قد استبان كشمس الصيف .
    عهدى بك ان قوة الكلمة القاتلة فى موضوعيتها ومصدقيتها وليست تكمن فى غرابتها و...
    فى أول العام هزّ انفجار عنيف كنيسة بمدينة الاسكندرية بمصر المحروسة ووجهت وزارة الداخلية الإتهام إلى غحدى المنظمات الفلسطينية وروجوا لهذه الفرضية وتبارى المحللون القريبون من الشرطة فى التحليل والإثبات وبعد أسبوع قامت الثورة المصرية ونجحت فى اسقاط النظام لينكشف أن الذى دبر الإنفجار ونفذه هو وزير الداخلية وأصبح الذين ناصروا الأكاذيب سود الوحوه والصفحات .
    قليل من التريث يجنبنا كثيرا من الخطأ

    ردحذف
  8. عزيزي الدكتور اوسامة
    اؤكد لك ان القراءة التي قدمتها لا تتهم اي جهة واي طرف، انما حاولت بمقالتي الاضاءة على فكر هذا الممثل والمخرج والفنان وعلى ايادي الغدر التي قتلته اياً تكن هذه الجهات المجرمة التي اختبأت خلف اقنعة من حقد.

    سواء اكانت احدى الحركات المتشددة ام لم تكن فان اسرائيل هي المستفيد الوحيد من هذه الجرائم

    كفانا انقسامات بين منظمة التحريري وحركة حماس ولا بد من بدء الحوار من اجل مواجهة الهجمة الاستيطانية الكبيرة من قبل العدو الاسرائيلي

    رأيك محترم واقدره كثيراً وساكون دوماً على مستوى تطلعات الجميع في نقل الحقيقة والكلمة
    شكراً
    SA

    ردحذف