الأربعاء، 13 أبريل، 2011

بعد 36 عاماً على اندلاعها: ملامح بوسطة وخطوط تماس جديدة.. فهل انتهت الحرب؟

بيبروت الحرب ... خطوط تماس ... شرقية وغربية ...بيروت اليوم ... خطوط تماس وهمية مذهبية
قبل 36 عاماً من اليوم، افتتحت بوسطة عين الرمانة مأساة لبنانية طويلة استمرت لاكثر من 15 عشر عاماً متتالية، انتشر فيها الرعب والخوف والقتل والدماء في وطن قيل انه "سويسرا الشرق" ولؤلؤة العالم العربي...

حينها افترشت المتاريس الرملية والحديدية كل الشوارع والازقة والساحات. فارتسمت خطوط التماس بين "شرقية" و"غربية"، وضاعت التسميات والهويات والانتماءات، فاصبحت قاتلة، مدمرة، متلهّفة لإلغاء اعمى، مصحوب بالتراكمات وبكمّ هائل من التحريض والحقد.

اكثر من ثلاثة عقود مضت، وكأنها البارحة، وقصص خطوط التماس ما تزال تختلج افكار الشباب والكهول، واجيال المحاربين والميليشيات التي لا تتوقف عن الحديث عن بطولاتها الوهمية بين جبهات بلد ممزق، وعلى ارض قيل انها ساحة لصراعات الآخرين لا اكثر ولا اقل.

وبين الاشرفية والسوديكو ورأس النبع والبسطة، والمتحف والعدلية، وبين محمصة صنين والطيونة، وعين الرمانة والشياح... خطوط تماس قديمة تقف شاهدة امام ذاكرة مكان لذاكرة حرب قتلت الحياة وعززت ثقافة الموت والترقب والحذر.

وفي هذه الذكرى يتكلم مجموعة من الشباب اللبناني من مختلف الانتماءات والاتجهات. يتناقشون عن خطوط التماس القديمة – الجديدة ومعانيها في ذاكرتهم الحيّة. فيتبادلون التجارب والافكار. ويسألون: "هل انتهت الحرب، وهل تجاوزنا الماضي، واي دور تلعبه الطائفية والمذهبية والسلاح غير الشرعي في اعادة اجواء الاقتتال والتفرقة والدمار، وما السبيل الى البدء من جديد واخذ العبر قبل فوات الاوان؟".

خطوط التماس ... صور نمطية وصراعات جديدة


ميرنا نصر الدين، صحافية تعمل لدى موقع "نهارنت" الاخباري، تعتبر ان "خطوط التماس القديمة ترمز الى حدة التفرقة وهاجس الخوف من الآخر وعدم تقبله، وشعور الكراهية والحقد بكل ما في هذه العبارات من أبعاد مخيفة ومدمرة للإنسانية والمجتمعات". ولا تستطيع ميرنا الا ان تتوقف عند هذه العبارة "مذعورة وخائفة" ومتسائلة عن مصير وطن ممزق يتقاتل فيه الشركاء كل يوم تحت عدة عناوين وشعارات.

من جهته، اراد الطالب فراس دبّاغ ان يمحي الصورة النمطية "للبنان الحرب" من ذاكرته. فنشط في الجمعيات الاهلية، واختلط بكل شرائح المجتمع حرصاً منه على ان يكون "لبنان لكل اللبنانيين" وان لا تفرقة بين مسيحي ومسلم، او بين سني وشيعي ودرزي وماروني. الا ان الحديث عن خطوط التماس يعيده الى "بيروت الشرقية والغربية والى صورة تحمل ألماً كبيراً لا يُنسى"، والى زمن مضى "عندما كانت فيه المعارك تدور في الازقة والاحياء مستهدفةً الابرياء".

ادهم الحسنية، شاب يدرس الهندسة في جامعة الحريري الكندية، ملّ الصراع الطائفي والمذهبي في البلاد، ليخوض مع رفاق له معركة قاسية لالغاء النظام الطائفي ولاسقاط رموزه السياسية في بلد تم استغلاله بخيراته ومقدراته وطاقات شبابه لمصلحة هذا الزعيم او ذاك، اذ يعتبر ادهم ان "عبارة خطوط التماس تذكرني بزمرة اشرار جروا "ناس" ابرياء الى حرب ليست حربهم، و الى قضية ليست قضيتهم"، لدرجة انه كلما يمر في الشوارع والمناطق "المختلطة" التي شهدت ما شهدته من دمار وخراب على مدى 15 عاماً من الحرب الاهلية يسأل نفسه "هل يُعقل ان امراء الحروب والمجازر تحولوا اليوم الى زعماء وقادة يهتف لهم الشعب ويصفّق؟".

يسكن علي منصور في منطقة الضاحية الجنوبية، ويعيش كغيره من الشباب اللبناني يوميات الصراع الداخلي المتفجّر في البلاد، اضافةً الى الكباشات السياسية التي لا تنتهي بين هذا الحزب او ذاك، وبين هذه الجماعة او تلك. فالحرب بالنسبة لعلي لا تعني له شيئاً "إلا كونها ذكرى مأساوية ومعيبة اقترفها اللبنانيون". ويعتبر علي ان خطوط التماس كثيرة وعديدة في لبنان، ومن بينها خط الشياح - عين الرمانة الذي يُعتبر الخط الاخطر على هذا الصعيد". ويأسف علي لمقولة شرقية وغربية، مشيراً الى ان "الاصطفافات المذهبية الجديدة كرّست خطوط تماس جديدة، اذ تسمع بين الحين والاخر من يتكلم عن الضاحية الجنوبية بمواجهة طريق الجديدة، وهذا لأمر مريب".

ميليسا لوقية، شابة عابقة بالحياة والنشاط والامل، تحاول بناء مستقبلها على اسس صحيحة متحررة من تبعات زمن غابر، ومن تصرفات خاطئة كادت ان تودي بلبنانها الى الهاوية، تعتبر ان خطوط التماس كانت الخط الفاصل بين طائفتين من اللبنانين: المسيحية والإسلام. اما اليوم وبعد 21 عاماً من انتهاء الحرب وسكوت اصوات المدافع والرشاشات، فقد ارتسمت خطوط تماس جديدة تفصل بين فريقين متخاصمين، اي 14 آذار، و8 آذار".

الطائفية ... بوسطة عين الرمانة الجديدة

يتّفق الشباب على دور الطائفية والمذهبية السلبي في استمرار مفاعيل الحرب النفسية والمعنوية الى هذه اللحظة، اذ يصفها علي بانها "ورم سرطاني خبيث اوصلنا الى الخراب والدمار والجهل واعصب أعيننا مما ادى الى تدمير البلد على كافة المستويات ولهذا فلا بد من استئصاله باسرع وقت ممكن". اما ادهم فيعتبر ان "الطائفية عار وجهل و اسوأ من القبلية والعشائرية وهي عصبية بائدة يجب القضاء عليها، خاصةً وان اكثر من 4 مليون خط تماس بات يحيط كلّ واحد منا في هذا البلد".

والوضع مشابه بالنسبة لميرنا التي تتأكد يوماً بعد يوم ان "لا شيء يدمرنا ويدمر بلدنا اكثر من الطائفية بكل أبعادها، على اعتبارها تخلق خطوط التماس التي نخشاها، وتحصن وتحمي كل قاتل وسارق وناهب ومهدد، ومجرم، كما انها تجعل من القاتل قتيل ومن الصياد فريسة".

توافق ميليسا على التوصيف، فترى انه "على الرغم من أن تعدد الطوائف في لبنان يعتبر من إحدى سماته الايجابية، غير أنها تساهم اليوم في تدمير البلاد، خاصة وان هذه الطوائف (بزعمائها) تسعى إلى تأمين مصالحها بدلاً من السعي وراء مصلحة الوطن واهله". اما فراس فيختار تعبيراً "اكثر قساوة" من رفاقه، واصفاً الطائفية "بالدعارة"، على اعتبار "أنها تشتّت الجميع وتقسّم وتنهش ما تبقّى من أجسادنا وعقولنا، خاصةً وان النّظام اللّبناني قائم على تعدّديّة في الشّكل وتعصُّب طائفي في المضمون، وهو ما يسمح باستمرار هذه العقلية رغم انتهاء الحرب وعودة السلم الى البلاد".

وترى ميرنا "ان الطائفية هي التي تشرع لغة التخوين ورفع الأيادي بوجه الآخر، كل هذا بسبب احتمائنا بالطوائف التي نفشل في استخدامها فتصبح طائفية مدمرة... وباختصار، فالطائفية هي كارثة حقيقية على الوطن والإنسان".

السلاح غير الشرعي ... استمرار للخوف والرعب والقتل

مما لا شك فيه ان السلاح غير الشرعي يلعب دوراً اساسياً في استمرار لغة الحرب ومفاهيمها على الساحة اللبنانية. ففي العام 1990 وبعد توقيع اتفاق الطائف، تمّ تسليم كل سلاح ميليشياوي للجيش اللبناني، وبدأت الدولة "الناشئة" باعادة بناء ما تهدم بعد سنوات من التقاتل الرخيص. الا ان اسلحة اخرى لم يتم نزعها، فبقت عائمة في دويلات مستكبرة، ومتعالية على منطق الشرعية.

وفي هذا الاطار تشير ميرنا الى ان "انتشار السلاح يساهم بخلق خطوط تماس بين أبناء البلد الواحد. وإن كان هناك شيء مثير للخوف ومشرع للفلتان هو السلاح الخارج عن سلطة الدولة والجيش".

السلاح يعني أنا أملك الحق ان اقول ما اريد، وان اتصرف كما اشاء، وان اقتل من يقول لي كلا... وللسلاح هذا سجل طويل في التاريخ اللبناني. اذ ان تسلّح القوى اللبنانية في اواخر الستينات، وفي اواسط السبعينات سرّع من عجلة الدمار وخلّف ما خلّفه من قتلى وجرحى ومفقودين ومخطوفين ومآسي.

السلاح الذي بحوزة "فئة لبنانية" يزيد الامور تعقيداً، ويعيق بناء الدولة الحقيقية الجامعة، ويطيح بالمساواة بين كل المواطنين دون اي تفرقة. لانه يكرس امراً واقعاً وخوفاً مستمراً، وقلقاً متزايداً من الاخر. وهذا من شأنه ان يعيدنا الى الحرب التي نرفضها اليوم، والتي نحتفل بذكراها ال36 المشؤومة.

يشير علي الى "السلاح الفردي المنتشر في البيوت"، مشدداً في الوقت نفسه "على ان عدم ضبط السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وسلاح حزب الله من شأنه ان يؤدي الى خراب الدولة وجعلها دولة منتهكة بلا قانون". اما فراس فيقول: "لن تقوم دولة إذا بقي الجميع يهلّل لسلاحه ويعتبرهُ مُنزَلاً ومقدّساً"، بينما تطالب ميليسا ان "يكون السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، المسؤول الوحيد عن حماية الأرض والوطن وتأمين الأمن والسلام لكل المواطنين".

الحرب الاهلية ليست قدراً ...

بعد 36 عاماً من اندلاعها، يمكن القول ان الشباب اللبناني بمختلف انتماءاته بات واعياً لما يمكن ان تتسبب به الحرب – اي حرب - من مآس دموية قذرة قد تعيدنا مجدداً الى الوراء، وتُدمي ذاكرتنا الحبلى بالاحداث.

الا ان جيل اليوم (على ما يبدو) حريص على عدم العودة الى الماضي الاسود، والى رأب كل التصدعات، من اجل بناء وطن قادر على العيش بدل الاحتضار، وعلى التطور بدل الانكسار، وعلى التعلّم من العبر والتجارب بدل الاستمرار في الغرق بوحول طغيان المذهبية والطائفية والحقد والكره والافكار المسبقة.

الخلاصة تقول بأن الحرب الاهلية ليست قدراً، انها حدث نصنعه بأيادينا ونستدرجه نتيجة جهلنا وضياعنا وتعاستنا، وعدم تقديرنا لمستقبلنا ولحاضرنا. ولهذا فقد حان الوقت لنتعلم من تجاربنا كي لا نقع مرة اخرى في فخ الحرب ودهاليزها المدمرة... تنذكر وما تنعاد.

سلمان العنداري ...SA

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق