الخميس، 23 فبراير، 2012

رسالة وجدانية ... الى عمّان

عمّان وانا ... قصّة طويلة ...

ألف حكاية وحكاية تختبىء في احياء عمّان وازقّتها وتلالها الدافئة... تراها تبحث عن امل، وتغرّد في صباح بارد على وقع ازمة السير في دوائرها وتعرّجاتها.

 سرّ ما يكتنف هذه المدينة، وشعور بالتعلّق الشديد بكل ذكرى وعبرة وقصّة يكاد لا يتركك. دفء يعبق في خفايا وزوايا شوارعها، وهمسات ونسمات برد ودفء تمتزج بأفكار لا تنام...

قد يصعب الكلام عن عمّان العريقة، الانيقة بأحيائها وشعبها وناسها، والمتألّقة بتراثها ورونقها وطابعها الخاص. فهذه المدينة المميزة، تحتفظ بتألّق مختلف كلّ الاختلاف عن اي مدينة عربية. فالتلال التي تحصّنها، والدفء الذي يحيط بها، يبعث على الامل والامان، ويُشعرك بأنك محتضن وسط عائلة صغيرة تشاركك كل اللحظات، الحميمة منها والقاسية، السعيدة منها والحزينة.

واذا كانت السيدة فيروز قد قالت عن بيروت بأنها اشبه بوجه بحّار حزين، فعمّان قبل المساء، وعند ساعات الغروب، تًشبه فتاةً هاربة من غربة الى اخرى، تتنقل من ذكرى الى اخرى، تحاصرها الاماكن في كلّ مكان، وتلاحقها غربة مُسرعة، وعيون لامعة ودامعة.

عمّان دخلت قلبي بسرعة البرق دون استئذان. صادقتها وفهمت مكنوناتها وهواجسها ومخاوفها، وحفظت تفاصيلها وتكاوين وجهها ووجهة نظرها، وتعلّقت بيومياتها السعيدة، الحزينة، والشاحبة. وذُهلت بغموضها بين الفينة والاخرى.

 عندما زرت هذه المدنية للمرة الاولى، كان الانطباع الاول مغاير للحقيقة بالرغم من قربه الى الواقع، اذ قلت لصديق لي ان عاصمتكم حزينة وهادئة وخافتة، الا ان التعمّق بوجه عمّان الرائعة دفعني لاكتشافها عن قرب...

باختصار، لقد أحببت عمّان ووقعت في حبّها من خلال اصدقائي الاعزّاء، ووجوههم الطيبة الجميلة، الراقية والمضيافة. فأهل هذا البلد عكسوا الصورة الحقيقية للاردن. اصدقاء لا بل رفاق درب واكثر، تشاركت واياهم المشاكل والصراعات التي نعانيها كشباب عربي، وهي المشاكل عينها التي يتخبّط بها لبنان، من فساد وإفساد، وصولاً الى صوت الواسطة التي لا يعلو فوقه شعار.

وبينما تندثر طموحاتنا وتتكسر على وقع وحشية الحياة بين بيروت وعمّان، الا ان ارادتنا ايضاً وحّدتنا، وها هي تدفعنا للمضي قدماً في احلامنا مهما كلّف الامر، ومهما كان الثمن باهظاً...

 وكما تبحث عمّان وبيروت عن هويات ضائعة، هكذا نحن. بين الازقّة والشوارع والتلال، وبين سيارات الاجرة وزحمة السير، والهموم الاقتصادية والاجتماعية، والضغوط السياسية، نبحث عن انفسنا في امكنة وكومة اوراق وذكريات.

هكذا تبادلنا الامكنة... كلّ منّا في مكان، غارق في ذكرى موحشة وفي ابتسامة حزينة... هكذا تعانقنا وبكينا وتبادلنا نظرات قاتلة تحت المطر، وتحت الشمس، وفي الزمهرير البارد... هكذا تحوّلت عمّان الى قطعة منّي، الى جزء لا يتجزّأ من هوية ابحث عنها منذ زمن، تلك المدينة التي اكتشفت انها الاقرب الى بيروت ...

عمّان واسعة الصدر، وطيبة القلب، ودافئة المشاعر، وصاحبة الاحساس الراقي، تماماً كأهلها وشبابها وشاباتها، تماماً كوجوه ناسها فيها التي تضحك للأمل.

تبادلنا الامكنة. انا وعمّان، فأصبحت ذكراها في كلّ مكان، واضحت بيروت صديقة شوارعها، بين الحمرا والراينبو زرعنا الذكريات، ورسمنا دمعة وابتسامة في كل شارع وكل زاوية وجبل، وعلى كل تلّة وحيّ... أحبّك عمّان... وأقولها لك اليوم، كما وانه لم يتسنّى لي الوقت الكافي لأقول لك شكراً على ضيافتك واستقبالك وحبّك ودفئك وقربك الى قلبي... شكراً عمّان، شكراً لكم...

سلمان العنداري ... SA

هناك تعليق واحد:

  1. وجدانية راقية بأسلوبها، ومذهلة بصدقها ونقائها..!

    تذكرت أثناء قراءتي مقولة جميلة، وهي "إذا كان أصلي من ترابٍ، فكلّها بلادي، وكلّ العالمين أقاربي- أميّة بن أبي الصّلْت". أعتقد أنّ هذا ما فُطرنا عليه.

    بورك قلمك سلمان :)

    ردحذف