السبت، 3 ديسمبر، 2011

الفتنة المشبوهة والإنكار الشديد ...متى يخرج اعلامنا من الكهف؟؟

الاعلام العربي يمتهن الانحياز ضد الاقليات ...

قبل اسابيع قليلة خرج متظاهرون اقباط في تحرك احتجاجي في شوارع القاهرة، وتحول المشهد الى اشتباكات دامية مع الجيش، ذهب على اثره عشرات الضحايا ومئات الجرحى، الامر الذي هزّ مصر بأكملها وطرح مجموعة من الاسئلة عن طبيعة النظام السياسي بعد سقوط حسني مبارك.

بعد ايام من الحادث الذي كاد ان يوقع مصر في هاوية الحرب الاهلية، اعتبر شيخ الازهر الدكتور أحمد الطيب، أن الحديث عن وجود فتنة طائفية في مصر "مجرد شائعات"، واصفاً ما يحدث بين المسلمين والأقباط بأنه "مستورد من الخارج"  وأن "السذج من الجانبين هم الذين ينساقون خلفه".

وقال الطيب فى بيان رسمي، إن الأزهر الشريف "يدين وبقوة كل محاولات الفتنة الطائفية التي تثيرها بعض الجهات المشبوهة بين الحين والآخر"، داعياً العقلاء إلى أن يحبطوا الخطط الجهنمية التي تتربص بوحدة المسلمين والأقباط خدمة لمخططات أعداء مصر والمصريين في الداخل والخارج".

وتعليقاً على الخبر المتعلّق بشيخ الازهر، يمكن القول ان الاكتفاء بتطمين الاقباط بأن احداث ماسبيرو لن تتكرر، ووصف ما يحدث بين المسلمين والاقباط بانها "افعال مستوردة من الخارج" وبانها جزءاً من "مؤامرة تحاك ضد مصر" هو كلام ملّ منه الناس ولم يعد ينطلي على احد. لان ما يحصل اليوم في الشارع المصري ليس بالشائعات على الاطلاق.


الفتنة "المشبوهة" التي تحدّث عنها شيخ الازهر، هي صنيعة الواقع الذي تعيشه مجموعة كبيرة من المصريين الاقباط، اضافةً الى المعالجات الموضعية للحوادث والاشتباكات التي تتكرر كل فترة، الامر الذي ساهم في مزيد من صبّ الزيت على النار".


اعتقد ان الامور في مصر تحتاج الى صياغة عقد اجتماعي جديد، خاصةً وان الفرصة سانحة بعد انهيار حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك للبدء من جديد، وللمضي قدماً في مرحلة تأسيسية تكفل تحقيق المساواة بين كل المواطنين المصريين من دون اي استثناء او تمييز، وتحفظ حقوق الاقباط بشكل خاص، فلا يكون للتفرقة من مكان.

ان ما يجري في مصر يعبّر عن حالة من "الانكار" الشديد لما يحصل من احداث وتجاوزات. وحالة الانكار تعني في علم النفس عدم الاعتراف بالمشكلة، ومحاولة الايحاء بأن الامور تسير على ما يُرام هروباً او خوفاً من التبعات والتداعيات. مع الاشارة الى ان ما قاله شيخ الازهر يعبّر عن نية صادقة في ايجاد حلّ بشكل او باخر رغم الكلام المعسول وغير الدقيق الذي صرّح به.


وبالنسبة لي، فالامور ابعد من تبادل القبلات والمجاملات وتبويس اللحى بعد كل حادث يذهب ضحيته العشرات، ويذهب ضحيته الوطن واستقراره، كما ان المسألة ابعد من توحيد قانون دور العبادة وما الى هنالك من امور. فالحل يكون عندما يتخلى القبطي عن "عقدة الاقليات" والخوف، وعندما يتخلى المسلم عن "فائض القوة" والشعور بالسيطرة على الاخر.


وبالتوازي، فان تعاطي الاعلام في تغطية التوترات بين المسلمين والاقباط في مصر، وتناوله للاحداث بصورة نمطية وبقالب جامد، ساهم بشكل كبير في التأثير السلبي على قوة العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وبالتالي فان الحديث عن مخططات خارجية ومؤامرات ليس صحيحاً وليس دقيقاً على الاطلاق. كما ان تصوير المسلمين بانهم مجرمين ومتطرفين ومتشددين، والاقباط بانهم يقفون ضد الجيش والدولة المصرية وانهم يسعون الى استجلاب الدعم الخارجي زاد من ضبابية المشهد وعزّز خطاب الكراهية، وابقى النار تحت الرماد التي تستعد للالتهاب والاشتعال في اي لحظة.

وفي محاولة لتوسيع قراءتي حول هذا الموضوع، بحثت في بعض المواقع الالكترونية "الدينية" في مصر، والتي تديرها بعض الجماعات المستقلة، او بعض الجمعيات. ولاحظت في جولتي ان الخطاب "الطائفي المتشدد" موجود لدى الطرفين بنسبة كبيرة، اذ ان عبارات رفض الاخر تملأ الصفحات الالكترونية مدعومة بكمّ كبير من المقالات والدراسات والتحقيقات والمشاركات التفاعلية.

وعلى سبيل المثال، وصل موقع الكتروني "اسلامي متشدد" الى حدّ التهديد بتهجير الاقباط وطردهم من مصر، ووصلت بعض المشاركات الى حدّ وصف الاقباط "بالغرباء عن مصر". وفي المقابل اتهمت بعض المواقع "القبطية المتشددة" المسلمين في مصر "بأنهم قندهاريين جدد" في اشارة الى الاخوان المسلمين والحركات الاسلامية.

خلاصة القول انه عندما يضيع الصحفي في التعابير والمفاهيم الخاصة لدى هذه المجموعة او تلك، تضيع معه التغطية، وتقع في فخّ التشدد من قصد او من دون قصد. اضافةً الى ذلك، يتعين على الاعلام المصري ان يخطو خطوة جريئة للمساهمة في تقريب وجهات النظر من خلال خلق مساحة حرة امام المواطن المصري لطرح هواجسه ومخاوفه. والعمل على محاربة النعرات الطائفية والمذهبية والفئوية باعتماد خطاب هادىء وموضوعي. والابتعاد عن الاعلام المتواطىء الذي يبحث عن وقيعة بين الاقباط والمسلمين. واعطاء الاقليات مساحة محترمة من التغطية الصحفية وادماجهم في المجتمع من خلال إسماع رأيهم في كل القضايا العامة. كل ذلك يؤدي الى اعلام غير متحيّز وغير متطرّف.

الى ذلك يبقى السؤال: متى يخرج اعلامنا من الكهف؟؟

سلمان العنداري ... SA

"مشاركة قدّمتها في دورة تغطية النزاعات الدينية العالمية التي تناقش الصراعات الدينية والطائفية حول العالم، واساليب التغطية الصحفية". يمكنكم متابعة كتاباتي في هذه القضية على الوسم التالي على المدونة "نزاعات دينية"...

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق