السبت، 31 مارس، 2012

طال السهر وطال الانتظار وأهالي المفقودين والمخطوفين في السجون السورية لم ييأسوا بعد

الانتظار الصعب ... مفقودون ومخطوفون لم يعودوا بعد ... 
المطر يتساقط في بيروت. الهواء بارد، والحرارة تكاد تكون قارسة... الشوارع فارغة من المارّة وحتى من السيارات بسبب غلاء اسعار صفائح البنزين. الا ان امهات واهالي المعتقلين والمخطوفين والمفقودين في السجون السورية أبوا الا ان يأتوا الى الخيمة العتيقة المستمرة في نضالها منذ سبع سنوات.

وتحت شجرة الياسمين المُزهرة بخجل، تستظلّ مجموعة من الامهات من المطر الخفيف والمتقطّع. تجلس النسوة بصمت وهدوء، تحرق بنيران قلوبهنّ عبقة الانتظار، ومرارة الشوق والحزن ترتعش بحبّات البرد.

في حديقة الكبير جبران خليل جبران، تجلس الامهات والاخوات والاحبّة، يسألن ويتساءلن عن مصير اولادهنّ المخطوفين قسراً منذ عقود.

مشهد يُقطّع القلوب بالقرب من المجلس النيابي، والسرايا الحكومي، في وطن نسي ابناءه ورماهم في عتمة القدر، وفي غياهب النسيان...

ساميا العبدالله، أخت عماد العبدالله الذي خطف عام 1984 على طريق طرابلس زغرتا على يد ميليشيات فلسطينية حليفة للنظام السوري. آنذاك كان عماد يبلغ من العمر 20 عاماً. ذهب ولم يعد، وكأنه سراب او قصّة قديمة محكيّة.

"تأكدنا من وجوده في السجون السورية وانه ما زال على قيد الحياة"، تقول ساميا التي تنتظر عودة أخيها حيّاً وسالماً في اي لحظة.

لم نفقد الامل منذ سبع سنوات. دخلنا سنتنا الثامنة في الاعتصام المتواصل في وسط بيروت، وما زلنا ننتظر. توفيّت والدتي رحمها الله بعد ان انتظرت لعقود. دقّت كل الابواب السياسية ولم يساعدها احد. الا انها توفيت ولم يتحقق منالها، اذ قالت لي على فراش الموت: "قضية عماد امانة بين اياديكم، لا تفرّطوا بها، ولا تيأسوا، ولا تستسلموا".

"شمس وبرد وشتي ودموع وقهر وذلّ وتعب، سنوات مضت ولم نيأس بعد، نتمسك بحبال الامل، ولا احد يتطلع الينا وبقضيتنا. توفيت ام سليمان اواخر العام 2002، واوكّلت الينا القضية، تماماً كما فعل عدد كبير من الامهات الثكلى.

سنوات مضت، وطيف الامهات الراحلات حاضر في كل بقعة من الخيمة الوحيدة القابعة وسط بيروت. تسألهنّ عن التعب فيأتي الجواب واضحاً: "تعبنا... نعم تعبنا، الا اننا لم ولن نفقد الامل مهما طال الانتظار، لاننا لا نريد ان نموت وتُدفن معنا مطالبنا، ولا نريد ان نستسلم لليأس بسبب التقصير الرسمي، والنكران السوري. الامهات يمتن واحدة تلو الاخرى، والجرح ينزف، والحرمان من احتضان الاحبّة يقتلنا كلّ يوم".

تتّهم ساميا بنبرة غاضبة كل الطبقة السياسية بعدم التوصّل الى حلّ لهذا الملف، "فكل الطبقة السياسية متواطئة في اخفاء احبّائنا. كلّ واحد منهم يتحمّل مسؤولية التقصير. كل رؤساء الاحزاب ورجالات الدولة، ارتكبوا جرائم بحقنا، وسكوتهم وصمتهم عن قضيتنا اكبر جريمة".
"بعد سبع سنوات اقول لهم ان سكوتكم معيب ومريب، "استحوا على حالكن وجيبولنا ولادنا، طيبين او ميتين بدنا ياهن اليوم قبل بكرا"...

بدأ المطر بالتساقط بينما كنا نتحدث الى ماجدة بشاشة، أخت حسن بشاشة الذي خطف على يد القوات السورية عام 1976 في منطقة خلدة.

فماجدة بتجاعيد وجهها المتعب، وبزرقة عيونها، تلفت الى ان "حسن على قيد الحياة، وموجود في سجن المزّة، الا ان احداً لم يُحرك ساكناً. توفيت والدة حسن من قهرها على مصير ابنها، لا احد يتطلع الى قهرنا اليوم، الاحياء والاموات يتعذّبون، ينتظرون في وقت يغرق فيه رجال السياسة بفضائحهم ومحاصصاتهم ومغانمهم.

"الوضع لم يعد يحتمل"، تشير ماجدة مؤكدةً "اننا وصلنا الى مرحلة اللاعودة"، وتقول: "اعيدوهم الينا، نريد ان نعرف مصير احبّائنا".

الى ام غسّان، التي تنتظر مصير ولديها الذين خطفا في ثمانينيات القرن الماضي... تتّهم أم غسّان "حزب الله" بعملية الاختطاف، وتقول انها تملك معلومات واثباتات تؤكد هذا الامر.
تملك ام غسان روح النكتة... تراها تضحك وتقبّل كل من يدخل الخيمة ويزورها...

" آخ يا ساميا اخ"، تتنهّد ام غسّان قبل وبعد كل ابتسامة، "آخ يا امّي اخ، وينكن يا امّي؟". تسأل وتحبس دموعها، وتغيّر الحديث حتى لا يُفضح امرها..

يطول الحديث مع الامهات والاهالي ويستمر المطر بالهطول في الخارج. وبينما تؤكد أم غسان انها مستمرة في صمودها وتقول "انشالله ضلني قوية"، تُشغل ساميا على هاتفها القديم اغنية "ست الحبايب يا حبيبة". تهزّ برأسها، تغرق في دموعها. اما ماجدة فتلتفت وتشدّ على صورة حسن. لتعود أم غسّان وتكتفي بعبارة واحدة "آخ يا إمّي آخ"...

رئيس جمعية "سوليد" غازي عاد يتحدّث عن معاناة الاهالي، رغم انه لم ينكر ان الاوضاع والمشاكل التي تعيشها البلاد صعبة ودقيقة، ان على صعيد لبنان او المنطقة العربية، "الا ان هذا لا يمنع ان نحافظ على الوتيرة نفسها في التحرك من اجل الوصول الى تشكيل آلية جدية وعملية لمعالجة هذا الملف".

ويؤكد عاد ان "سقف تحرّكنا مستمر، واستمرارنا في الاعتصام لسنوات وسنوات هو اكبر دليل على عزمنا واصرارنا على معرفة مصير المعتقلين والمخطوفين والمخفيين".

عاد، المبادر الاول في اطلاق الاعتصام المفتوح، شاء ان يوجّه تحية اجلال واحترام للامهات الثكلى، "اذ لا يمكن الا ان ننحني تحية لهم ولصمودهم ولنضالهم ومن عزمهم وحماسهم، مع الاشارة الا ان لا شيء يمكن ان يمنعهن من حقهن في معرفة مصير ابنائهن مهما كلّف الامر وطال الزمن".

واذا كان "التلاعب السياسي هدفه دفع الاهالي الى التخلّي عن هذه القضية"، يؤكد عاد ان " حلّ هذه المسألة يتطلب ارادة سياسية لبنانية وسورية، مع العلم ان الطرف السوري يصرّ ان لا مفقودين ولا مخفيين في سجونه وهو لامر مؤسف وفضائحي".

طال السهر، وطالت السنوات، وطال الانتظار... واهالي المفقودين والمخطوفين في السجون السورية لم ييأسوا بعد. فمتى تتحرك مؤسساتنا ودولتنا وتسأل عنهم؟...



سلمان العنداري... SA

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق