الأحد، 19 يونيو، 2011

إنه الرفيق جورج حاوي بعد ستّ سنوات من اغتياله

جورج حاوي ... الشهيد ... المناضل


ستّ سنوات مرّت، وكأنها البارحة، جورج حاوي مرّ من هنا، فكان على موعد مع الموت الجبان الذي شاء ان ينهي حقبة مهمة من حياته السياسية والانسانية. لكن هذا الموت والاغتيال القاسي لم ولن يتمكن من سرقة فكر وانجازات وعقلية هذا الرجل في مقاربة الامور والقضايا، فالانتصار على الموت والقدر والاجرام لا يكون الا بالوفاء لمسيرة احد اهم وانظف رجال السياسة في لبنان... انه جورج حاوي.

"انه من اللبنانيين الشجعان الكبار الذين دفعوا الى تقديم حياتهم المفعمة حيوية ونضجاً ووطنية، في خضم انتفاضة شعبنا من اجل استعادة الحرية والاستقلال والسيادة، ولردّ العافية الى نظامنا الديمقراطي. انه واحد من الرموز البهية التي اسهمت بتعزيز قدرة مجتمعنا على مقاومة القبضة الحديدية التي كادت ان تزهق روحه".هكذا يقول ميشال اده في مقدمة كتاب "جورج حاوي، مواقف القائد وشهادات الرفاق".

ويقول كريم مروة، صديق حاوي انه لا يحتاج الى التعريف به، فهو كان على امتداد حياته السياسية التي لم تطل كثيراً بفعل الاغتيال الذي طاوله،عميق الحضور في حياة لبنان وفي احداثه وفي حياة المنطقة وفي احداثها. وقد تحوّل وفي وقت مبكر وبسرعة مذهلة الى شخصية لبنانية وعربية مرموقة. بل تجاوز وهو في سن الشباب حدود لبنانيته وعروبته الى المدى الاوسع عالمياً، ليس فقط كقائد لحزب لبناني عريق، مكمّلاً بسيرته، في ظروف جديدة مختلفة سيرة رفاقه الرواد الاوائل، واتخذ فيما بعد صفة الشخصية الديمقراطية واليسارية المستقلة... انه جورج حاوي.

تاريخ لا يمكن اختصاره

تاريخ جورج حاوي لا يمكن اختصاره بحقبة زمنية معينة ومحددة، على الرغم ان كثير من القوى والاطراف السياسية كانت تتصارع على "ابو انيس" وخياراته السياسية بعد اغتياله، فمنهم من صنّفه بأنه شهيد المقاومة والبعض الآخر شهيداً للاستقلال، وبعضهم صنّفه في خانة شهيد القضية الفلسطينية, الا انه وفي الحقيقة، فإن جورج حاوي هو شهيد لبنان، كل لبنان ، لأن نضالاته السياسية طوال عقود كانت تهدف كلها لحماية سيادة واستقلال وكرامة لبنان اضافةً الى وفائه للقضية الفلسطينية وشعبها .

لا تضيعوا في الطائفية

فيما يختص بانتفاضة الاستقلال، فقد كان حاوي حريص كل الحرص على الا تضيع هذه الانتفاضة وهذه الحركة الشعبية الضخمة في غياهب الطائفية المستشرية والمحاصصة، وقد تركزت احاديثه الاخيرة على ضرورة تأمين قدرة الرابع عشر من آذار على الوفاء بشعاراتها التي اطلقتها في انتفاضة الاستقلال والحيلولة دون احتمالات التراجع عنها او التقليل من شأنها او المساومة عليها لأهداف ومصالح خاصة، كما كانت له الكثير من الملاحظات على اداء المعارضة "قوى 14 آذار"، والخطاب الطائفي لبعض هذه القوى مطالباً اياها بضرورة القفز فوق الخطوط المذهبية والزواريب اللبنانية الضيقة من اجل الشروع بدولة لا طائفية مدنية تحترم الانسان قبل كل شيء ولا تحصره في طائفة او عقيدة.

عندما اعلن الرئيس السوري بشار الاسد عن نيته سحب الجيش السوري من لبنان بعد اكثر من 30 عاماً من الوصاية والاحتلال والقمع، وصف حاوي هذا القرار بأنه خطوة تاريخية في مستقبل العلاقات. وتوجه الى اللبناننين بالقول": "لا تضيعوا طعم الانتصار، كما ضيعتم طعم انتصار التحرير من الاحتلال الاسرائيلي، بافتعال عدم اكتماله.

لا تضيّعوا الانتصار

"لا تضيعوا محتوى الانتصار الذي كان لنا شرف الدور الاساسي فيه، منذ مقاومتنا الدخول السوري الخطأ الى لبنان عام 1976، ودفعنا الاثمان غالياً لذلك، وطوال المرحلة الماضية رفعنا لواء تصحيح العلاقات اللبنانية السورية، ودفعنا بسبب ذلك الثمن التهميش والعزل، بينما كان بعض المعارضين اليوم يقطفون ثمار التعمشق على تلك العلاقات، وبجانبها الاكثر سوءًا، لجني المكاسب السياسية والمادية، وصولاً الى كوننا اول من رفع شعار ضرورة التغيير الجذري في شكل هذه العلاقة ومحتواها فوراً بعد انجاز التحرير، بينما ذهب هذا البعض مزايداً بادعاء احتضان المقاومة دون ان يساهم بها، لا تاريخاً ولا حاضراً. وطوال مرحلة استمرارنا رافضين لصيغة الهيمنة كنا طليعيين في مواجهتها".

الطائف طبّق بشكل انتقائي

يعتبر جورج حاوي ان اتفاق الطائف طبق بشكل انتقائي، " فلم يلغ هيمنة ما ليقيم وطناً، بل الغى هيمنة سميت بالمارونية السياسية ليقيم هيمنة اسلامية عامة، وشيعية خاصة، تبدو الآن عارية بعد سقوط جانبي المشاركة في هذا الجانب، الا وهو الجانب السني المتمثل بالشهيد رفيق الحريري ومشاركة وليد جنبلاط الدرزية، لتبدو الصورة الحقيقية للحالة الشيعية التي تحمل على عاتقها كل وزر الوضع اللبناني. ثم طبق اتفاق الطائف انتقائياً فيما يتعلق بالوجود السوري, فألغيت فترة السنتين تحت ذريعة الاحتلال الاسرائيلي. وكنا نحن متواطئين في هذا الامر، وكان برأينا والبطريرك صفير نفسه قال، انه لم يكن مناسباً في مرحلة النضال لإخراج العدو الاسرائيلي ان نطالب بإخراج الحليف السوري. ولكن الخطأ الاكبر والتاريخي الذي ارتكبته القيادة السورية في لبنان انها لم تبادر، وفي الاسبوع الاول لخروج الاحتلال الاسرائيلي من الجنوب تحت ضربات المقاومة، الى طرح النظر بشكل وجود قواتها في لبنان، وبشكل تطبيق الطائف. بل فعلت العكس.

سوريا لم تدرك التحولات

يتابع الشهيد حاوي في الحديث عن سوريا بالقول: " سوريا لم تدرك ان هناك تحولاً ما في المزاج اللبناني الذي احتما التجاوزات من قبلنا، ومن قبل سوريا، ومن قبل المقاومة الفلسطينية، اذ لم يعد يحتمل ذلك الآن، ولم يعد ذلك مبرراً لهذا الوجود السوري سياسياً عسكرياً وامنياً والذي ادى الى صدور البيان الشهير لمجلس المطارنة، والذي لم يظهّر على حقيقته، بل العكس قوبل ببيانات من "خلية حمد" ".

" وصلنا لحالة انهم لم يعرفوا كيف يتراجعون اذ اصبجوا امام الانهيار والتراجع العسكري الذي لم يضع خطة للتراجع كما يضع خطة للهجوم هو عسكري فاشل وساقط في علم العسكر والسياسة. وكان يجب ان يدرج كيف تتراجع سوريا وكيف يتراجع الحكم القائم على محورها، ولكن مع الاسف كل دعوات العقل ذهبت، وصرنا امام واقع كارثي، الواقع الذي لا يعرف المعني به كيف يتراجع ويحمي نفسه، سينهار. وقد جرى اول انهيار".

"آمل ان تعرف سوريا والحكم الذي بني على قوتها في لبنان كيف تتراجع الآن حتى لا تنهار ليس فقط في لبنان، بل حتى لا تنهار سوريا نفسها، لأنني لست من انصار اسقاط هذا الحكم في سوريا، هذا الحكم العلماني، الذي يأتي على انقاضه كل طائفي ومذهبي واخوان مسلمين. وسيدفع اللبنانيون ثمن ذلك غالياً، ومسيحيو لبنان خاصةً وديمقراطيو لبنان وغيرهم. فمن موقع حرصي على وحدة لبنان، وعلى إغلاق لبنان على التدخلات الخارجية، وعلى التعاون اللبناني السوري، ادعو السوريين الى معرفةة كيفية التراجع حتى نبني علاقات تحالفية حقيقية لاحقاً.

إخرجوا...

ليس صحيحاً ان اللبنانيين لا يستطيعون ان يحكموا انفسهم، وانهم امام خيارات وحيدة هي ان تحكمهم سوريا او اسرائيل او اميركا, اللبنانيون حرروا ارضهم، وسوريا لم تحرر ارضها بعد. اللبنانيون طلائعيون في الغروبة، والغرب الآحرون قدموا تنازلات وصلت الى التنازل عن سيادتهم وقرارهم الوطني مقابل استعادة بعض ارضهم. واللبنانيون عريقون في الديمقراطية. وليس صحيحاً ان هناك خطراً في خروج سوريا من لبنان، وان ذلك سيحدث عدم اسنقرار, بالعكس استمرار الصيغة السابقة من الوجود السوري ومن استخدام الجنوب سيكون مدعاة لإعادة العامل الاسرائيلي والاميريكي والاوروبي الى الساحة اللبنانية. هل تريدون إقفال لبنان امام العوامل الاميريكية والاوروبية والاسرائيلية؟. اخرجوا.

نحن نريدعلاقات من نوع جديد على قاعدة وطنية لبنانية وليس حكن سوريا للبنان، ولا استبداله بحكم امريكي اسرائيلي.

كونوا اوفياء

اذن، جورج حاوي يحتفل بذكرى اغتياله، ويتذكر اليوم كل الشعب اللبناني هذا النهار التراجيدي الذي اودى بحياته. الا انه، علينا جميعاً ان نرتقي بجورج حاوي وان نكون على قدر كبير من المسؤولية في الحفاظ على ارثه وثقافته ومعرفته وانفتاحه وعروبته وقوميته وتعاطفه مع القضية الفلسطينية ورفضه لدولة الطوائف، ورفضه لأي هيمنة سورية اسرائيلية او اميريكية ومن اي مكان اتت، فلنكن اوفياء لهذا الخط وهذه الممارسة ولهذا الرجل الذي لم يسئم يوماً من التفتيش عن المبادرات والحلول، ولم يتوانى يوماً عن قول الحقيقة مهما كانت جارحة.

كونوا اوفياء ايها الشباب لجورج حاوي، تذكّروه كل يوم وكل لحظة وعند كل استحقاق.
سلمان العنداري ... SA

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق