الخميس، 30 ديسمبر، 2010

مركز سرطان الاطفال في بيروت ... وقصص الحياة والامل التي لاتنته

وسط زحمة السير الخانقة التي تملأ شوارع البلاد الضيقة، وفي ظلّ الازمات السياسية التي نتخبّط بها، وبالتوازي مع الارتفاع الحاد لاسعار المحروقات والمواد الغذائية، يطلّ عيد الميلاد على اللبنانيين هذا العام ليزرع في نفوسهم ما تبقى من فرح وامل وسعادة... فالفقير كما الغني، الكبير والصغير، السياسي والمواطن العادي، الكلّ يحتفل على طريقته بالعيد في زمن الازمات والاستحقاقات.

وبعيداً عن ضوضاء الحياة اللبنانية وضجيجها، اتّجهت هذا العام الى مركز سرطان الاطفال في بيروت "السانت جود"، في زيارة طال انتظارها للاضاءة عمّا يجري داخل اروقة هذا المستشفى التابع لمركز الجامعة الاميركية الطبي، وبالتعاون مع مركز "السانت جود" للابحاث في الولايات المتحدة الاميركية.

وقبيل ساعات قليلة من الموعد المحدد، تمنى عليّ صديق لي ان لا تكون زيارتي تقليدية وعادية تُكتب وتُنشر في زمن الاعياد فقط، على اعتبار ان اعلامنا اللبناني لا يلتفت الى القضايا الانسانية الا في فترة الاعياد. الا اني أكّدت له ان الامر ليس على هذا المنوال، وان الزيارة أبعد من "حاجة" لملء بعض السطور والصفحات. اذ ان "محطة السانت جود" هذا العام تكتسب ابعاداً انسانية عميقة تطبع في النفوس والقلوب والعقول.



السانت جود ... معركة حياة مكلفة

تُخبر المنسقة كارين خوري عن المركز الذي تأسس عام 2002، "وهو مركز فريد من نوعه في العالم العربي، يعمل على معالجة الاطفال المصابين بالسرطان في لبنان والمنطقة بدون اي تكلفة مادية مترتبة عليهم، وتقتضي مهمة المركز بتأمين تكاليف هذه العلاجات، وبتقديم كل الخدمات التي من شأنها ان تساعد الاولاد واهاليهم على محاربة المرض والتغلب عليه".

ميزانية المركز السنوية تفوق ال12 مليون دولار لتغطية النفقات المترتبة على العلاجات التي يّقدمها لمئات الاطفال دون اي مقابل. وتتأمن هذه المبالغ من خلال مساهمات المجتمع اللبناني والعربي والدولي. وترى خوري في التقديمات المالية وفي التبرعات التي تُقدم للمركز وسيلة اساسية لعلاج مزيد من الاطفال التي تزداد اعدادهم عاماً بعد عام، مع الاشارة ان معدّل تكلفة معالجة طفل مُصاب بالسرطان يبلغ 40 الف دولار سنوياً".


تشير الارقام بحسب خوري الى ان اكثر من 70 % من الاطفال الذين تلقوا علاجاتهم في المركز قد شفوا تماماً، وها هم اليوم يكملون حياتهم بشكل طبيعي. "فمنذ ثماني سنوات الى الان تمت معالجة اكثر من 730 طفل مصاب بالسرطان، منهم اكثر من 480 طفل انهوا علاجهم بشكل كامل، واليوم نحن نستقبل كل عام عشرات الحالات الجديدة".
.
الطريق الى الالم

يأتي الطفل المصاب بالسرطان الى المركز، ويعمل الفريق الطبي والنفسي على تقوية ارادته ومده بالامل والقوة من اجل التغلب على مرضه، من خلال الخدمات المميزة التي يُقدمها، اما العلاج بحسب خوري "فيتم وفق اسس وقواعد عديدة، وبحسب درجة تقدّم المرض والحالات التي تصلنا، فاما يكون العلاج على شكل زيارات دورية الى المركز، او عبر الاقامة لبضعة ايام داخل الغرف المخصصة للمرضى".

 وبالاستناد الى البروتوكول او البرنامج المتّبع، يمكن ان تُستخدم ثلاث وسائل او طرق في العلاج، "اما عبر القيام بعملية جراحية لاستئصال الاورام السرطانية، او عبر العلاج بالاشعة، وهي المرحلة الثانية، او عبر العلاج الكيميائي الذي يمثّل الدرجة الاكثر تطوراً. وهذه الاجراءات تتخذ بعد خضوع الطفل المصاب لمجموعة من الفحوصات والاجراءات لتحديد حجم المرض".

التطوّع ... ومصدر الفرح

يلعب المتطوعون دوراً اساسياً في تقديم الدعم المعنوي والنفسي للاطفال. فمجرد الحضور الى المركز وقضاء بعض الوقت معهم من شأنه ان يساهم في مساعدتهم وان يحثّهم على المضي قدماً في محاربة هذا المرض، وفي الاستمرار في العلاج، وفي خلق جو ايجابي يمنحهم القوة الكافية لتقبّل وضعهم، ويكون ذلك عبر النشاطات اليومية التي تُنظّم على مدار السنة داخل المركز".

ترحّب خوري بأي مبادرة وبكل زائر يسعى الى ادخال البهجة والفرحة الى قلوب الاطفال"، مشيرةً الى "اننا نتلقى يومياً عشرات الطلبات من الجمعيات الخيرية والاجتماعية والشبابية لزيارة المركز ولقضاء بعض الوقت التطوعي مع المرضى الصغار من خلال تنظيم بعض النشاطات الترفيهية والثقافية التي تساعدهم على نسيان اوجاعهم والتنويه عن بالهم والانخراط في مجتمعهم، ومن شأن ذلك ان يعزز منعتهم النفسية والمعنوية من خلال الشعور بالاحتضان والآمان والفرح".

كما تجدر الاشارة الى ان عدد كبير من المشاهير يزور المركز على الدوام في اطار الدعم المادي والمعنوي، وفي محاولة لاضفاء السعادة على قلوب الاطفال، وكان النجم الكندي العالمي بريان ادامس قد زار المركز الاسبوع الماضي بحضور عدد كبير من الاطفال والمتطوعين، "وهذا من شأنه ان يعطي الاطفال دفعة كبيرة من المعنويات والمحفزات التي تشجعهم على اكمال علاجهم من دون اي تبعات سلبية".



الفرح والامل ... والجدران الملوّنة

الجدران والواجهات وابواب الغرف ومداخل غرف العمليات والعيادات كلها ملّونة بالاصفر والازرق والبنفسجي والاخضر. اما مكاتب الاستعلام، وغرفة الانتظار فتحولت الى اقواس قزح، واشجار نخيل، والى اوراق مطرّزة بالفاكهة والعصافير والفراشات... ألوان وعوالم لا تعكس قساوة المكان وحجم الالم الحقيقي الذي يشعر به كل طفل يدخل تجربة السرطان هذه. الا ان المركز كان حريصاً على اضفاء لمسته السحرية الخاصة التي حوّلت تلك "الرهبة" الى راحة نفسية وفكرية ومعنوية للمريض، من خلال التصميم الذكي الذي يُحاكي عالم الاطفال وخيالهم وفرحهم واحلامهم، لتتحول الزيارة الدورية او "الاقامة الجبرية" اثناء فترة العلاج التي يقومون بها، الى محطّة لا يخافونها او يرفضونها، بل يتقبلونها بمزيد من التمسّك بضرورة الاستمرار نحو الانتصار".

وبجانب غرفة الانتظار، تحتل "منطقة اللعب" مكانة مهمة لدى كلّ طفل يزور المركز. ففي زواياها وارجائها تجد مختلف الالعاب والقصص والكتب والحكايات التي تضخّ جرعةً من الفرح الطفولي الى قلوبهم وعقولهم المتعبة من التفكير بمستقبل غامض لا يعرفون عنه شيئاً، وفي رحلة طويلة لم تنته بعد.

الاطفال وساعات الانتظار

وعلى بعد امتار قليلية من "غرفة اللعب"، يجلس طفل صغير برفقة والدته على المقاعد الملوّنة ينتظر. الامّ يبدو عليها الارهاق والتعب، وعلى وجهها ترتسم الحيرة والحزن، وفي عيونها ألف سؤال وسؤال عن مستقبل فلذة كبدها الذي يعاني من الاوجاع المبكّرة. اما الطفل الذي بدا انه في طور مرحلة متقدمة من العلاج، تراه جالساً بهدوء، يتنقل بعيونه في ارجاء الغرفة الواسعة، يعبث بلعبته الصغيرة، ثم يتوقف لبرهة، ويسترق بعض النظرات الخاطفة ملتفتاً الى والدته المرهقة، ثمّ يُكمل اللعب بصمت.

وعند الباحة الرئيسية قرب مدخل المركز، يحضر عيد الميلاد بقوة، بشجرته الضخمة المليئة بالاضواء والزينة والاجراس الملّونة، بالاضافة الى الطابات الحمراء المعلّقة في السقف، ومغارة السيد المسيح التي تضفي على الجو مزيداً من السحر والايمان والتضرّع والخشوع.

الاطفال في كلّ مكان، منهم من يلعب ويلهو، ومنهم من ينتظر ويفكّر، اما البعض الاخر، ففضّل الجلوس على مقربة من الشجرة الميلادية الضخمة، والتحدث بصوت خافت ومنخفض عن "سانتا" المنتظر الذي يأتي ليلة عيد الميلاد، ليحقق كل الاحلام والامنيات التي يتمناها كل طفل يعشق الحياة والفرح. وها هم اطفال "السانت جود" ينتظرون اللحظة التي ينتصرون فيها على السرطان، ليبداوا بعدها حياةً جديدة واعدة وعابقة بالتحديات والانجازات.

صراخ الطفل ... والارتباك الشديد

وفي احدى الغرف، واثناء جولتنا، سمعت صراخ طفل صغير يبكي من شدة الالم الذي يتعرض له. ابلغتني السيدة خوري ان "هذه الاصوات تتكرر يومياً في العيادات وعرف العلاجات، وفريقنا الطبي والاداري يعمل بكل ما بوسعه لتخفيف شدة هذا الالم على اطفالنا، من خلال تأمين كافة السبل والخدمات التي تُنسّيهم ولو جزءاً يسيراً من معاناتهم الطويلة على امل الشفاء التام واستعادة حياتهم الطبيعية".

بكاء هذا الطفل الصغير من خلف العازل البنفسجي اقلقني واشعرني بحرقة قلب كبيرة جعلتني اتساءل عن الذنب الذي اقترفه اولئك الصغار حتى يلقون كل هذا العذاب وكل تلك المعاناة، الا انني شعرت بشيء من الطمأنينة في الوقت نفسه، لاني على يقين ان المركز يقوم بواجبه كاملاً من اجل مساعدة هؤلاء الاطفال على الشفاء التام من مرضهم المؤلم هذا.

لا شكّ ان جولتي القصيرة على المركز برفقة السيدة خوري جعلتني اشعر بارتباك شديد من جرّاء المشاهدات التي شاهدتها. اذ رأيت في عيون كلّ طفل وطفلة منهم شعوراً يُصعب وصفه او الحديث عنه. وهو شعور يتراوح بين القوة والامل، وبين الاصرار على محاربة الضعف والمرض والصعاب، والقدرة على التحدي والمضي في النضال.

التفتيش عن مبادرة ... وميلاد مجيد

وفي لحظة خاطفة، سمعت صوتاً همس في اذنيّ (ربما كنت اهذي) حثّني على ضرورة حمل هذه القضية الانسانية النبيلة الى العالم اجمع، وعدم التغاضي عما يحصل اليوم في المجتمع اللبناني من ازمات ومشاكل وكوارث اجتماعية تصيب الكبير والصغير، من الفقر والعوز والتسوّل، وصولاً الى الامراض والمعاناة الصعوبات التي يتخبّط بها مئات الآلاف من المواطنين المنسيين في غياهب التقصير وغضّ النظر، في وقت تقضي فيه الطبقة السياسية جمعاء اجازتها "الفاحشة" في افخم عناوين الراحة ورفاهية بدل العمل الجدي على معالجة ومتابعة الوضع المذري الذي يعيشه الشعب.

انتهت الزيارة الميلادية "للسانت جود"، وبدأت طرّادات افكاري تفتّش عن مبادرة شبابية هادفة للمساهمة في دعم اطفال المركز على مختلف الصعد والمستويات، وقد قطعت وعداً على نفسي منذ تلك اللحظة ان اكرر زياراتي، وان يصبح "السانت جود" عنواناً رئيسياً لعملي الاجتماعي والشبابي، على امل ان تكون الرسالة قد وصلت الى كل شاب وشابة، والى كل ناشط وناشطة، والى كل فاعل خير قادر على المساهمة في انقاذ حياة طفل عبر رعاية تكاليف علاجه ومساعدته على تخطّي كل العقبات والآلام.

يمكن القول ان مجرد الكتابة عن هذه القضية لا تكفي لحث الرأي العام والمجتمع اللبناني على الانخراط في مساعدة كل طفل يحتاج الى مساعدة. فالواجب الاجتماعي والانساني يحتّم على كلّ منا التحرك بأسرع وقت ممكن وتقديم المساعدة والدعم لاولئك المناضلين الصغار الذي يحاربون "الطاغية" بكل اسلحتهم. ختاماً لا يبقى سوى ان نتمنى ميلاداً مجيداً للجميع... وكل عام واطفال السانت جود بخير وسلام، ودعوة من القلب الى كل الايادي البيضاء للمساهمة في استمرار هذا المركز النابض في قلب بيروت والعالم العربي.

هناك تعليق واحد:

  1. كيف يمكن لنا التطوع والذهاب لمساعدة اللأطفال؟

    ردحذف