الجمعة، 17 أغسطس، 2012

الاعلام اللبناني ... إعلام القوطبة والتغطية غير المشروعة

الاعلام اللبناني يقع في المحظور... "رأي شخصي"

في كل مرة تدخل فيها البلاد بأزمة، او بتوتر سياسي او امني، يقع الاعلام كعادته بمستنقع من المغالطات والاخطاء التي لا تغتفر.
سباق محموم بين المحطات التلفزيونية على الاخبار العاجلة والمقابلات الحصرية والمعلومات والانباء. تنافس شرعي واخر غير شرعي على كيفية استقصاء الاخبار وصياغته، بشكل لا يخلو من الحماسة والمبالغة والتشويق.
صناعة الخبر تتحول الى صناعة هوليودية في كثير من الاحيان، من خلال عرض الامور بطريقة مبالغ بها بعيدة عن الموضوعية وقريبة من التحريض. انه فخّ يقع فيه بعض الاعلام اللبناني عندما ينغمس في احداث مذهبية وفئوية وطائفية لا قعر لها.

في الايام القليلة الماضية، تناقلت وسائل الاعلام اللبنانية انباء ومعلومات متضاربة جدا حول مصير المخطوفين اللبنانيين الـ11 في سوريا، فبين القول ان 4 من المخطوفين قد قتلوا جراء القصف في مدينة اعزازا السورية الحدودية مع تركيا، وبين الاشارة الى ان كل المخطوفين بخير، وصلت الامور في بعض القنوات الى نعيهم جميعاً دفعة واحدة دون التأكد من المعلومة والخبر، مع الاشارة الى ان اي نشر لاي نبأ بهذا المستوى سيؤدي حتما الى توترات كبيرة في الشارع. وهذا ما حصل.

وبالتزامن، كانت تغطية "ثورة ال المقداد" فاضحة في اكثر من قناة تلفزيونية لبنانية، اذ تعاطفت بعض المحطات مع آل مقداد الذين خطفوا اكثر من 20 سورياً من مختلف المناطق اللبنانية، وظهروا بسلاحهم على الشاشات، وعقدوا مؤتمر صحفي او دردشة مع الصحفيين في غياب الدولة والقوى الامنية والجيش طبعاً... حتى وصلت الامور بزميلة لطرح سؤال على الملثّمين بالقول: "يا شباب؟... كم واحد خطفتوا اليوم؟"...

كم واحد سرتوا خاطفين يا شباب؟
وعلى ما يبدو فقد تحولت "مهنة الاختطاف" في لبنان الى وسيلة لكسب الشهرة والمال والظهور الاعلامي المتكرر وعلى مدار الساعة. والعتب الكبير على ما قالته الحاجة حياة من كلام خطير، وما قاله آفراد آل مقداد من تهديدات مباشرة للبنانيين والخليجيين والاتراك... والابشع هو تكرار بثّ التهديدات المباشرة للمواطنين الغاضبين بتكسير السفارات وقتل الناس وخطفهم...

صديق لي على التويتر نشر رابطاً من اليوتيوب تظهر فيه مراسلتا "الجديد" والـ "ال بي سي" تتنافسان على اجراء مقابلة مع احد المختطفين السوريين الذي تمّ اختطافه على ايدي آل المقداد على خلفية اختطاف حسن المقداد على ايدي الجيش السوري الحر في سوريا.
المسألة ليست في الخبر، الا ان مشهد التنافس والتسابق على طرح الاسئلة على المختطف يثير الضحك والهذيان في الوقت نفسه. اذ تخيلت لدرجة ان مراسلة المؤسسة اللبنانية للارسال ستضرب مراسلة الجديد، او ان تعمد مراسلة الجديد صاحبة الصوت "الخشن" بالتعرّض للزميلة هدى شديد التي "قوطبت" عليها في طرح الاسئلة.

الرابط الذي نشره صديقي هلال على التويتر، وما تبعه من محادثة ونقاش حول واقع الاعلام، يثير الكثير من التساؤلات حول كيفية تغطية النزاعات والازمات السياسية والمذهبية والامنية على الارض، وما هي التعابير والمفاهيم والالفاظ التي يجدر على الصحفي او المراسل ان يستخدمها في التغطية.
تنافس مضحك ولكنه مستفز بالوقت نفسه. مذيعة الجديد من جهة، ومذيعة ال بي سي من جهة اخرى. اسئلة امطرت المختطفين السوريين الموضوعين في حالة من الضغط النفسي الشديد من قبل خاطفيهم آل المقداد.

انت مخبر؟ من وين؟  عم تحكي تحت ضغط؟
وبالاضافة الى ان اجراء مقابلات مع اسرى او اظهارهم في الاعلام هو امر محظّر وفق القانون الدولي، الا ان الاعلام اللبناني في مكان اخر.
للصّحفيّ دور بارز في مجتمعه، فإمّا يساهم بتفاهمات وطنيّة و إقليميّة فتؤدّي إلى قرارات سلميّة، و إمّا ان يقوم بتغطيته بشكل خاطئ، فيكون ذلك مصدراً لمزيد من الصّراعات والاحقاد والتطورات الخطرة.

ان التعابير والالفاظ والتفاصيل تكاد تكون اساسية في اي تغطية، وان اي توصيف غير جدي وغير مسؤول وغير دقيق قد يوقع المشاهد او القارىء او الرأي العام بلغط لا يمكن الخروج منه سوى بمزيد من التوتر والكره والحقد. وفي هذا الاطار، وفي اثناء تغطية مباشرة من طريق المطار، كان احد الزملاء يتحدث بطلاقة وبلغة "شارعية" عن الشعارات المذهبية، وعن نبض الشارع الذي يغلي وقتذاك، وانا اكيد انه في ما لو استمر بتغطيته لنصف ساعة لكان اشعل البلاد مرة اخرى بسبب طريقته الخاطئة في التغطية.

ان امثل الطرق في تغطية النزاعات او المواضيع التي يطغى عليها طابع ديني تتمثل بالدرجة الاولى بالاعتدال والموضوعية والحيادية، خاصة في بلد كلبنان. اضافة الى ذلك يجب ان يتم فصل كل الامور الشخصية في اثناء التغطية، والا يكتب الصحفي بعاطفة، الا بعاطفة انسانية لا دينية او طائفية او فئوية او مناطقية.

انه زمن الاعلام والسبق الصحفي والتقاتل غير المشروع على نقل الحرب والصراع الى عيوننا واذاننا. ولكن الاعلا م اللبناني فشل في هذه المهمة، واشعل النار بدل اطفائها.
شـــــاهد الفيـــديو هنا :


سلمان العنداري ... SA

‏هناك تعليق واحد: