الأحد، 26 أغسطس، 2012

الربيع العربي ... والشرق الاوسط الجديد


 
في خضم ما يمرّ به العالم العربي من احداث وتطوّرات متسارعة على اكثر من صعيد، ومع استمرار الربيع العربي الذي ساهم في اسقاط رؤساء وانظمة، تستمر التحليلات السياسية والاستراتيجية في اسباب هذا الربيع واسباب هذا الحراك.
 
المفكرون والكتّاب والمحللون العرب يقرأون ما يحدث اليوم من تطورات متسارعة من زوايا مختلفة. وسجعان القزّي، نائب رئيس حزب الكتائب اللبناني، له وجهة نظره الخاصة والمميزة عن غيره. ففي كتاباته وابحاثه والمحاضرات التي يُلقيها، يُسلط القزّي الضوء على امور وقضايا نجهلها، ويطرح اسئلة يلتقطها القارىء او المشاهد ويًحللها بصمت.
 
تحدثت الى القزّي في مقابلة خاصة عن الربيع العربي وتقاطعه مع المشروع الاميركي الجديد في المنطقة، ليدخل في عمق الاحداث في محاولة لاستشراف حقيقة ما يجري اليوم.

ان المنطقة تشهد ظهور شرق اوسط جديد بعد عقود من الصراعات ووجود الدكتاتوريات، بحسب القزّي، وان الدول الغربية تدفع في هذا الاتجاه. وان الانظمة العربية لم تقدّم اي شيء لشعوبها سوى الظلم والقمع والقتل، فما يجري اليوم يُعبّر عن نفاذ صبر الشعوب العربية.
 
"اننا نشهد اليوم على ظهورَ شرقِ أوسطٍ جديد. فالشعوبُ العربيةُ فقدَت صبرَها، ومجموعةُ صراعاتٍ عُضال أنهكَت المجتمعاتِ العربيةَ الحالية ونَخَرت عِظامَ البنيةِ القائمة. والكياناتُ تصدَّعت والقادةُ فَسَدوا.

 أمهل الشعبُ الأنظمةَ نحوَ مئةِ عامٍ لحل الصراعاتِ فتفاقمت. أنّى لهذه الأنظمةِ أن تَجِدَ الحلَّ فيما هي تَـقْـتات منها، لا بل هناك أنظمةٌ من هو أبُّ هذه الصراعات، وأخرى من هو ابـنُها". يقول القزّي.
 
ان الصراعات التي مرت بها المنطقة طويلة وعديدة. 60 سنةً عمرُ الصراعِ العربي ـ الإسرائيلي. 40 سنةً عمرُ الصراعِ بين الفِلسطينيين أنفسِهم. 36 سنةً عمرُ الصراعِ في لبنان وعليه. 32 سنةً عمرُ الصراعِ الخليجي الإيراني. 31 سنةً عمرُ الصراعِ بين إيران والعراق. 54 سنةً عمرُ الصراعِ في اليمن وبين اليمن والسعودية. 64 سنةً عمرُ الصراع بين لبنانَ وسوريا. 60 سنةً عمرُ الصراعِ في مصر. 31 سنةً عمرُ الصراع في إيران، 22 سنةً عمرُ الصراعِ في الجزائر، 61 سنةً عمرُ الصراعِ المغربي ـ الجزائري حولَ الصحراءِ الغربية، 70 سنةً عمرُ الصراعِ مع الأكراد. 62 سنةً عمرُ الصراعِ الأردني ـ الفلسطيني، و1400 سنة عمرُ أنظمةِ العنفِ العربي.
 
وبحسب القزّي فان "الكبتُ والهزائمُ والانقسامُ والفقرُ والخوفُ والسجونُ هي مجموعُ تقديماتِ الأنظمةِ العربيةِ لشعوبها طَوالَ المئةِ سنةٍ الماضية. الأنظمةُ القوميةُ قَمعت شعوبَها بذريعةِ الوِحدة، والأنظمةُ العسكريةُ قمَعتها بذريعةِ الأمن، والأنظمةُ الأصوليةُ قمعَتها بذريعةِ الشريعة".
 
ان كان ما يحصُل اليومَ يُـعبِّـرُ عن نَفاذِ صبرِ الشعوبِ العربية، فإنه يَـلتقي مع شعورِ الدولِ الكبيرةِ بأن الشرقَ الأوسطَ القديمَ (الحالي)، اسُتنزِفَ واسُتنفِدَ طَوال العقودِ الماضية؛ ولا بدَّ من ابتداعِ جغرافية سياسيةٍ جديدةٍ تضمَن مصالحَ الدولِ الكبيرة (الاستراتيجية والاقتصادية) وتسمحُ لشعوبِ المَنطقةِ بتحقيقِ بعضِ طموحاتِها الذاتية (حرية وبحبوحة).
 
مجموعةُ عواملَ متلاحقةٍ تُشجِّع العالمَ الغربيَّ على التحرّكِ في هذا الاتجاه، وهي: وجودُ ثرواتِ الطاقة، نشوء دولةِ إسرائيل، سقوطُ الاتحادِ السوفياتي، فشلُ الأنظمةِ العربيةِ ببناءِ دولٍ مؤسَّساتية، تصاعُدُ التياراتِ الإسلاميةِ المتطرفِّـة، الامتدادُ الإيراني فالتركي على حسابِ الإسلام العربي، انتشارُ دائرةِ الإرهاب، وتَـوْقُ الشعوبِ نحو الحريةِ وحقِّ تقريرِ المصير".

ان ثوراتُ الشعوبِ العربيةِ برأي القزّي تتزامن مع مشروعِ الشرقِ الأوسطِ الجديد الذي وضَـعَته الولاياتُ المتحدةُ الأميركية بعد تشاورٍ مع مجموعاتِ تفكيرٍ عربيةٍ وأوروبيةٍ وإسرائيلية. لكنَّ تعديلاتٍ عديدةً طرأت على هذا المشروعِ خِلافاً لمصالحِ أميركا والعربِ وإسرائيل في آن معاً. وبعدَ حربَي أفغانستان والعراق والثوراتِ العربية، بات المشروعُ بمثابةِ "مُشاعٍ" برَسمِ مَن يضعُ يدَه عليه أولاً. 

إنَّ نَموذجَ العَلاقات بين الولاياتِ المتحدةِ الأميركية والحزبِ الإسلامي في تركيا ("العدالة والتنمية") موجودٌ في خلفيةِ الحِراكِ العربيِّ الحالي. فالحركاتُ الإسلاميةُ الأصوليةُ العربية تأملُ بانفتاحِ واشنطن عليها، وهذه تَـأمَلُ باعتدالِ تلك الحركات.

من الواضحٌ اليومَ أن المشروعَ الأميركيَّ يَطوف على كل المَنطقةِ مُمتَـطِياً أحصنةً عدة: الحربُ، الديبلوماسيةُ، القراراتُ الدولية، الضغوطُ الاقتصادية، الانتخاباتُ والاستفتاء، وأخيراً ـ لا آخر ـ الثورات.
 
بين هذا المشروعِ الأميركيّ والثوراتِ العربية نقاطُ تقاطعٍ عامةً تُشكِّل قاعدةَ مصالحةٍ بين الإسلامِ والغرب. كان الغربُ استعماراً فصار إعماراً، وكان حليفَ الأنظمةِ فصار صديقَ الثورات. المشروعُ والثوراتُ يطمَحان إلى تغييرِ الأنظمةِ والمجتمعاتِ العربية والإسلامية، لكن قد يفترقان لدى البحثِ عن البدائل. وهنا تبدأ المنافسة بين لعبةِ الأمم وإرادةِ الشعوب.

والمنافسة لا تعني بالضرورة طلاقاً، بل مجالاً للتفاوض والاتفاق.فها إنَّ جزءًا من أسبابِ تأخُّرِ حسمِ مصيرِ بعضِ الثوراتِ يعود إلى إجراءِ مفاوضاتٍ بحثاً عن بدلاء، لئلا تنتقلَ الدولُ العربيةُ إلى ديكتاتورياتٍ وتيوقراطياتٍ جديدةٍ وفوضى غيرِ بناءة. يقول القزّي.

  "إنَّ مشكلةَ العالمِ العربي هي أن عربةَ التغييرِ فيه يقودها حصانان يسيرُ كلُّ واحدٍ منهما في اتجاهٍ مختلف: واحدٌ نحو المجتمعِ الديني والآخرُ نحو المجتمعِ المدني، والثاني هو الأضعف".
 
سلمان العنداري ... SA

 

هناك تعليق واحد: