الاثنين، 30 يوليو، 2012

مسـيحيّـو سوريا ... المستقبل المجهول


ينقسم الشارع المسيحي اللبناني فسطاطين في ما يتعلّق بالنظر الى الثورة السورية ومستقبل المنطقة في حال سقوط نظام بشار الاسد ومع استمرار الربيع العربي.
البعض يرى ان سقوط نظام بشار الاسد سيُعرّض الاقليات الدينية في سوريا لخطر شديد، ولتهجير وتنكيل، خاصة من قبل بعض الجماعات الدينية المتطرفة والمتشددة التي تريد "الاقتصاص" من المسيحيين الذين لم يعارضوا بشدة نظام الاسد طوال الفترة الماضية.

ويعتبر البعض الاخر ان اي نظام جديد في سوريا سيعيد ترتيب الخارطة السياسية، وسيعطي الاقليات حرية كبيرة وواسعة في السياسة والمجتمع وفي الحياة العامة، بدل الاستمرار في القمع والخوف المستمر منذ عقود وعقود.

وفي لبنان تعتبر القوى السياسية المعارضة للنظام السوري ان سقوط الاسد سيُنعش الوجود المسيحي في المنطقة وسيعيد الى الاقليات المسيحية في سوريا ولبنان وهجاً جديداً، خاصة وان هذا النظام المستمر منذ عقود يعتمد استراتيجية التخويف والتهديد، على اعتبار ان اي سقوط للنظام سينعكس على وجود المسيحيين وسيعرضهم للتهجير القسري.

لقد ولّد تصريح البطريرك الماروني بشارة الراعي المتعاطف ضمنيا مع النظام السوري في سبتمبر الماضي صدمة لكثير من المسيحيين اللبنانيين، واتى هذا التصريح من الصرح المسيحي الماروني الأعلى في لبنان، الذي عانى 29 سنة من الاحتلال السوري بقيادة حافظ الأسد وابنه بشار.

مواقف البطريك الماروني خفتت مع الوقت ومع استمرار العنف والقتل في سوريا يوماً بعد يوم على يد النظام. اذ يعيش المسيحيون كما المسلمين في لبنان ترقّباً شديدا لما يمكن ان يحصل في المستقبل القريب في سوريا.

قسماً كبيراً من المسيحيين في لبنان يرى ان سوريا ليست ناضجة بعد للديمقراطية ويرى ان نظام الاسد يحمي الاقلية المسيحية وان هذه الاقلية التي تشكل 5% من مجموع سكان سوريا، "ستضرر كثيرا اذا سقط نظام الاسد". وبرأيهم فان الكثير من السوريين يخافون التغيير خوفاً من الآتي، والأقليات أكثر خوفاً من التغيير ومنهم المسيحيين.
يرفض المحللون مقولة التطرف والتهجير وتشبيه المستقبل السوري بما يحصل في العراق اليوم من موجات تهجير جماعية للمسحيين. مما لا شك أن التطرف وعدم الاستقرار الذي حل بالعراق بعد الغزو الأميركي تسببا بمعاناة وآلام وقتل وهجرة الملايين من العراقيين. لكن تغيير النظام بغزو هو غيره عندما يكون التغيير نتيجة لإرادة شعبية تعبر عن نفسها بتظاهرات سلمية مثلما يجري في سوريا حاليا.

ويعتبر المحللون ان القول بأن ما يحدث في مصر ايضاً من اعتداءات على الاقباط في كل فترة سيحصل في سوريا ولبنان في حال سقوط النظام، ويتهمون النظام السوري بأنه ليس بريئا من إشاعةهذه الفكرة أو الصورة بأن المسيحيين سيتضررون من التغيير في سوريا.
المعارضون المسيحيون في سوريا يفضلون البقاء على الحياد رغم معرفتهم ان بقاء النظام بشار الاسد لن يكون لصالحهم، ولكنهم يخافون من التنكيل بهم ومن انتقام النظام منهم في اي لحظة من اللحظات، خاصة وان درجة الجنون وصلت الى تفجير كنائس من قبل رجال النظام للايحاء بان حرباً طائفية تقودها المعارضة هدفها الاول والاخير المسيحيين.

ومنذ 3 اشهر، نشرت صحيفة الصليب اليومية رأي الكنيسة الكاثوليكية السورية خلال اجتماع جمعيات الإغاثة الكاثوليكية في روما على لسان اسقف يمثلها يعيش وويعمل في سوريا حيث قال: إن الثورة السورية هي ثورة شعبية حقيقية موجهة ضد نظام ديكاتوري دموي يدعم شبكة من الفساد الفاضح ويضيق على الحريات بشكل مستمر، وإن ادعاءات النظام السوري بوجود عناصر أجنبية متطرفة تسللت إلى سوريا ليخيف المسيحية من جهة، وليقدم التبرير للجوئه إلى أقصى درجات العنف.

 من الواضح ان النظام السوري استغل خوف الأقليات من الأغلبية ومنهم المسيحيين وقدم نفسه كحام لهم، اذ لم يتوقف النظام وبعض رجال الدين ينشرون الأخبار الكاذبة عن استهدف المسيحيين من الثوار والمعارضة بل وتحدثوا عن مجازر كاذبة بحقهم في حمص وغيرها.

 في المحصّلة يمكن القول ان المسيحيين في سوريا امام ثلاثة خيارات:

-         معارضة النظام بشكل صريح وواضح، وتكذيب كل ما ينشره من اشاعات، واثبات عكس ما يقال عن الاقليات المحمية والنظريات التي تُبقيهم في دائرة الخوف والاستبداد.

-         البقاء على الحياد الى حين اتضاح الصورة الداخلية والاقليمية، واتّباع سياسة وسطية لا تساير النظام ولا تعارض التغيير.

-         مناصرة النظام والجري بعيداً عن الربيع العربي والحراك الشعبي، والبقاء تحت عباءة النظام.

بكل الحالات، ان مستقبل المسيحيين كما مستقبل سوريا، غامض وغير معروف. على امل ان توضّح الاشهر المقبلة  معالم الحياة السياسية في سوريا والمنطقة.


سلمان العنداري ... SA
مقالة نُشرت بالتوازي مع موقع www.beirutobserver.com

السبت، 28 يوليو، 2012

هل تتحوّل اقامة اللاجئين السوريين في لبنان الى اقامة دائمة؟...


اعداد اللاجئين السوريين تزداد يوماً بعد يوم في لبنان مع استمرار الاعمال الحربية في سوريا والتوترات واعمال القتل اليومية. فمنذ ايام وغقب تفجير المركز الامني في دمشق، ومع اندلاع اعمال العنف في العاصمة، لجأ الى لبنان في غضون ساعات قليلة اكثر من 30 الف لاجىء جديد، ليصل عدد اللاجئين في هذا البلد الى نسب قياسية.

بالتوازي، أكد المجلس الوطني السوري المعارض أن عدد اللاجئين السوريين في لبنان والأردن وتركيا تجاوز 400 الف شخص، مطالباً الأمم المتحدة بتوفير الرعاية الصحية والإنسانية لهم. وقال في بيان “إنه تلقى تقارير تؤكد هذا العدد من اللاجئين لكن لم يتم تسجيل سوى نصفهم في سجلات الأمم المتحدة”.

"الامور صعبة جداً" يصفها نائب من الشمال اللبناني مناشداً الامم المتحدة وهيئات الاغاثة الدولية للقيام بدور فاعل في تقديم المساعدة الطارئة للاجئين، خاصة وان حكومة لبنان لم تعد قادرة على تحمل المصاريف والتكاليف الباهظة لرعاية هؤلاء من النواحي الصحية والانسانية والاجتماعية.

المفوضية العامة للاجئين في الأمم المتحدة مُطالبة باتخاذ إجراءات فعالة لتأمين مستلزمات الإقامة لمئات آلاف اللاجئين وإنشاء صندوق دولي خاص لتقديم المساعدات المنتظمة لهم، وتوفير الرعاية الصحية والطبية للجرحى والمصابين الذين يحتاج الآلاف منهم إلى عمليات جراحية عاجلة. كما ان السلطات اللبنانية تتحمل مسؤولية توفير الحماية اللازمة للاجئين السوريين نتيجة التهديدات التي يتعرضون لها من قبل جماعات مؤيدة للنظام.

حتى ان العائلات المقتدرة والغنية في سوريا لجأت الى لبنان وعمدت الى استئجار بيوت ومنازل والى النزول في نفادق المناطق الجبلية وبيروت العاصمة، اضافةً الى المناطق القريبة من الحدود السورية هرباً من القمع والقتل الذي يمارس كل يوم ضدهم، ما يشير الى ان الامور في سوريا تتطور الى مستويات دراماتيكية خطيرة للغاية قد تنذر بعودة النزوح بقوة اكبر في الايام القليلة المقبلة.

ويحذّر السياسيون من بعض الممارسات بحق المعارضين السوريين في لبنان الهاربين ممّا يقوم به النظام السوري بحقّهم من ارتكابات وانتهاكات. فمنذ اشهر تمّ خطف القيادي السابق في حزب البعث شبلي العيسمي من منطقة جبلية في لبنان، وتم خطف عدد كبير من الناشطين السوريين في بيروت. كما تداولت وسائل الاعلام العربية واللبنانية والعالمية نبأ اختطاف عدداً من النشطاء او اعتقال البعض منهم من قبل القوى الامنية اللبنانية ومن ثمّ تسليمهم للسلطات السورية. واخر هذه العمليات والمظاهر اختطاف سوريين في الضاحية الجنوبية لبيروت، اذ يقال ان هذه العملية اتت للرد على اختطاف الحجاج اللبنانيين في سوريا.

وبانتظارعودة اللاجئين إلى منازلهم وبيوتهم بعد انتهاء الازمة، تتخوف مجموعات سياسية لبنانية من ان تتحول اقامتهم الى اقامة دائمة، وان تصبح المخيمات والمراكز التي تأويهم اماكن اقامة دائمة، على غرار ما حصل مع اللاجئين الفلسطينيين الذي اقاموا في لبنان مع نشوب الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، فتضاعفت اعدادهم مع مرور السنين لتصبح اكثر من 600 الف لاجىء موزعين على عدد من المخيمات والمناطق اللبنانية.

المؤشرات الاولية تدل بأن اقامة اللاجئين السوريين في لبنان قد تكون طويلة بعض الشيء، لان الامور لم تحسم بعد في سوريا، وان العملية السياسية بعد سقوط النظام ستكون صعبة بحسب التوقعات والتحليلات. ولهذا هناك خوف في لبنان من تحمّل اعباء جديدة باهظة لايواء اللاجئين لفترات طويلة.

وفي هذا الاطار تحدث السيناتور الاميركي جون ماكين في زيارة له الى لبنان قبل ايام عن هذا الموضوع واعتبر ان تخوف اللبنانيين من بقاء اللاجئين السوريين في لبنان على غرار ما حصل مع اللاجئين الفلسطينيين غير مبرر، معتبراً انه " لا يوجد اتفاق بين الاسرائيليين والفلسطينيين لإيجاد حلّ لقيام دولتين فلسطينية واسرائيلية وهو ما تدعمه الولايات المتحدة، فاذا ما استطعنا التغلب على بشار الأسد انا على ثقة ان الشعب السوري سيعود الى دياره، من هنا فإن الحالتين مختلفتين تماماً".

بكل الحالات سيبقى مستقبل اللاجئين السوريين في لبنان يبدو غامضاً بانتظار جلاء الصورة في سوريا، وخاصة الصورة الامنية.
سلمان العنداري ... SA

الجمعة، 27 يوليو، 2012

فهد مغامرة خاطفة في صالون الحلاقة الذي صار متحفاً...


 على بعد 30 كلم من العاصمة بيروت، وعلى ارتفاع اكثر من 1250 متراً فوق سطح البحر، وبين اشجار الصنوبر واشجار الارز، وبين الابنية القديمة الايطالية التصميم، تقع فالوغا، القرية المتنية الهادئة بمقاهيها وغاباتها وازقّتها، حيث يعيش الناس هناك سلاماً وعيشاً مشتركاً منذ عقود.

كل شيء في فالوغا يهمس بصمت وبفرح. الطرقات الواسعة والازقة الضيّقة، الادراج الطويلة التي تحتفظ بين طبقاتها بذكريات واخبار ولمسات قديمة، الى الجبل العالي المُكلل باول علم لبناني رُفع عام 1943، وتلة ارز وينابيع المياه العذبة.


للقرية معالمها الطبيعية والسياحية والعمرانية، الا انه لـ"صالون فهد للحلاقة" قصّة اخرى ومميزة... ففي الصالون الذي يديره ويملكه فهد العنداري، لا يقتصر الامر على "حلاقة ذقن" او "قصّ شعر"، فهذا المكان الواقع وسط القرية، ليس مكاناً عادياً على الاطلاق، اذ تحوّل مع مرور السنوات الى متحف بكل ما للكلمة من معنى.

بنادق قديمة، تحف، وقطع اثرية ونحاسية نادرة، احجار قديمة واشكال صدفية، مرايا وحبال، وخناجر... باختصار، تأخذك الجلسة في صالون فهد الى عالم اخر بعيد كلياً عن عالمنا التقليدي الغارق بالمشاكل والاخبار المقزّزة والمتعبة والمملة.

فالتحف وكثرة القطع القديمة تلك، تجعلك مغامراً يبحث في ثنايا الجبال وقممها، وفي اعماق البحار ودهاليز الاودية عن سرّ ما، عن اسطورة مخفية ومخبّأة بين هضبة وتلة...

المحاربون والاحصنة والتماثيل، الافاعي الغاضبة على الجدران والخناجر المعلقة بين الحجر التقليدي والقطع الاثرية، كل شي يتحدث في صالون فهد عن تاريح وعراقة، وعن هوية ضائعة تبحث عن نفسها.


في الصالون، حصان من حجر، وصقر من حديد، وسمكة قررت ان تستريح على حجرة صغيرة، ومسبحة من حجر كريم نادر وباهظ الثمن.

في الصالون، مرايا تعكس صورة الماضي والمستقبل في ان معاً، سحر غريب يأخذك الى مكان جميل ويُخرجك من القفص الذي تعيش فيه، فتضيع في زوايا وخبايا هذا المكان الرائع الذي تحول بالفعل الى ايقونية من الحكايات .

غزال هارب تلاحقه بندقية قديمة، وصيّاد حذر يمشي بين اشجار ووريقات خريف تُحدث صوتاً وحفيفاً، فيتنبّه الصقر المحلّق في الاعالي، لينقضّ على ارنب صغير يحاول الجري على تلة مزهرة باقحوانات الربيع.

قصص واخبار وصور تلاحقك في خلال جلسة "قصّ الشعر" السريعة... يرتاح "الزبون" نفسياً. يركن في صمته، يسأل "المعلم فهد" عن كل قطعة، ليبدأ الرجل قصّته الشخصية مع "صالونه" الذي يشبه الى حدّ كبير "لبنان الحقيقي" الذي نبحث عنه.


بدأ فهد بممارسة "مهنة الحلاقة" قبل اكثر من 25 عاما، عندما كان شاباً في مقتبل بالعمر، اذ تعلّم المهنة من قريب له، ليدير بعد سنوات "صالوناً"متواضعاً وسط القرية، كبر بين يديه كطفل صغير، ليخرّج بعد ذلك عدداً كبير من "الحلّاقين" من مختلف المناطق اللبنانية في وقت كان زعماء الحرب يخرّجون كل يوم ميليشيات مسلّحة تزرع الحقد والقتل والبغضاء في كل مكان.

بعد سفر صاحب العمل الى الكويت بفعل الحرب الاهلية اللبنانية وصعوبة الحياة في لبنان، قُدّر لفهد ان يديرالصالون، بعد ان تسلّم "دفّة السفينة" و"عدّة الحلاقة" من "المعلّم سامي". ومذاك الحين بدأت رحلة فهد باحتراف هذه المهنة.

الا ان فهد، المعروف بحسّه الفنّي وهدوئه، أضاف الى الصالون لمسة خاصة، حوّلته من مكان عادي الى متحف صغير مليء بالقصص والقطع والاحجار النادرة...

"اعشق تجميع التحف القدمية والقطع الاثرية منذ ايام الصبا، اذ تمكنت على مدى سنوات من البحث المتواصل ان اجمع مئات القطع الصغيرة والكبيرة"، يقول فهد "ولهذا اتخذت القرار ان اشارك الناس بعضاً منها في هذا الصالون الذي اقضي فيه معظم وقتي".

اضافة الى صور بيروت القديمة، يمتزج لون الحجر القديم في الصالون بالاضاءة الخفيفة التي تُشعرك بالغربة والدفء في آن... قناديل كاز وباقات من الزهر، "مكنات خياطة قديمة" ومذياع شهد على الزمن، وثريّا استعادت بريقها بحرّاس وملائكة يحملون شعلات النار والنور... كل تلك الادوات والقطع تجدها في صالون فهد على وقع اغاني فيروز القديمة، و"كاسيت" كان غير شكل الزيتون.

السقف القديم الذي استحدثه فهد قبل 3 سنوات، أضاف الى جدران الصالون الزرقاء الحياة والألق... وبين كرسي "الحلاقة"  وجلسة القهوة في الخارج، حديث يطول عن شغف لا ينتهي، وولع بفنّ يستحق التنويه والتحية.

صالون فهد، هو الصورة الناصعة التي نسعى اليها في لبنان... انتهت الزيارة، ومعها انتهت المغامرة الخاطفة بين دهاليز فرشاة، وتعرّجات مقصّ... فهل نصل يوماً الى لبنان الذي نحلم به؟.
سلمان العنداري ... SA
تحقيق نُشر بالتزامن مع جريدة النهار

الأربعاء، 25 يوليو، 2012

بشار الاسد .. والورقة الاخيرة


لا شكّ ان الامور في سوريا وصلت الى مرحلة اللاعودة بعد اكثر من سنة و4 اشهر على بدء الانتفاضة الشعبية ضد حكم البعث وبشار الاسد.

البلاد تحوّلت الى بركة دماء بعد ان كسر الشعب السوري الخوف، فقرر مواجهة النظام الاكثر اجراماً في التاريخ بمخابراته وعملائه وازلامه وادواته في كل مكان.

لقد وصلت وقاحة النظام السوري وبشار الاسد الى حدّ قتل الناس وابادة الابرياء وارتكاب المجازر وقصف المدن ودكّ القرى السورية، تحت شعار بائد ، الا وهو حماية الامن الداخلي وملاحقة الارهابيين. وكأن الاف الاطفال الذين قُتلوا، والنسوة التي ذًبحت على مفارق الاحياء، والشيوخ الذين اختنقوا تحت الركام يمارسون الارهاب اليومي على شعب سوريا البطل.

لم يجفّ الدم في سوريا، ولن يشبع بشار الاسد من ارتكاب الفظائع كل يوم. حتى ان وقاحته وصلت الى حدود التلميح بامكانية استخدام الاسلحة الكيميائية ضد شعبه. وكل هذا خدمة لثمن واحد ومعروف... بقاء النظام وبقاء بشار على كرسي البعث المتزعزع.

ومما لا شكّ فيه، ان نظام الاسد اختلّ توازنه بعد تفجير دمشق الشهير، والذي اطاح بقادة امنيين، وبرجال النظام الاساسيين. وها هو اليوم يُصارع في احياء دمشق وحلب وحمص، وفي كل مكان، ادراكا منه انه كلما ازدادت حدة القتل، كلما استعاد السيطرة على ما فقده من سلطة وامن استمرارية.

عقارب الساعة تجري بعكس ما يطمح بشار الاسد، ابن الاسد الاب الذي عرف كيف يلعب بالوقت ويعبث بالامم، وكيف يماطل ويسرق الاوراق ويتاجر بها، من لبنان وصولاً الى مداعبة الولايات المتحدة واسرائيل.

اما اليوم، فان الواقع الشعبي قبل الدولي والاقليمي تغيّر كلياً. فالشعب السوري ايقن ان الحرية مهما كان ثمنها لا بد من ان تتحقق، وان اسقاط بشار الاسد بات امراً محسوماً بعد كل التضحيات والاثمان الباهظة التي دفعت على مدى عقود. اذ لم يعد للقمع والقتل والفساد مكاناً مهما طالت الايام وازدادت ضبابية.

افلاس النظام السوري ظاهر للعيان، ومثير للشفقة. ادوات النظام يتقهقرون على الشاشات الناطقة باسم البعث، وعلى الصحف الصفراء، يحاولون شرح مواقفهم، والايحاء امام الرأي العام العربي والدولي بأن الامور تسير على ما يرام وبأن احياء دمشق وشوارعها هادئة والسماء صافية فيها. الا ان الواقع على الارض يشير الى ان النظام هذا يسقط كأوراق الشجر كل يوم، اضافة الى انه يفقد الثقة بنفسه، ويغرق في بركة الدم والقتل الذي خلّفها.

يٌقال بأن النظام السوري سيستخدم اوراقه المحترقة اصلا في المنطقة. وما يحصل في العراق في الايام القليلة الماضية من تفجيرات متتالية لا يمكن عزله عمّا يجري في دمشق، اضافةً الى التوتر الكبير الذي تشهده الساحة اللبنانية. ولكن كل هذه المحاولات ستبوء بالفشل، لان ما يحصل في سوريا اقوى بكثير من محاولات تحريك الجبهات والاوراق في المنطقة، مع الاشارة الى ان بشار نفسه كان قد بشّرنا قبل اشهر من ان اي محاولة للمسّ بالنظام سيؤدي الى احراق المنطقة باكملها. الا انه على ما يبدو، فان السحر انقلب على الساحر، وها هي اسوار النظام تحترق وتشتعل من كل النواحي وعلى كل الجبهات.

وفي هذا الاطار، قد يلجأ النظام السوري الى الحلّ الاخير قبل ساعة صفره، ويتمثّل ذلك في امكانية فتح جبهة حربية وعسكرية مع اسرائيل عبر البوابة اللبنانية، وعبر جبهة الجولان الهادئة منذ عقود، باعتبار ان ذلك قد يشكل فرصة للسلطة المتآكلة في سوريا لاعادة ترتيب اوراق المنطقة وحساباتها، وللفت الانظار نحو قضايا اخرى بعيدة من الداخل وما يجري فيه من انهيارات بالجملة. وبهذا تكون المنطقة قد دخلت في المجهول على وقع القتل والصراعات الدموية في كل مكان، مع الاشارة الى ان حزب الله في لبنان ليس مستعدا لخوض حرباً جديدة على الاطلاق، والامر نفسه يسري على تل ابيب.

النظام انتهى، ومات حتى سريرياً... وما هي الا اسابيع قليلة حتى يجد نفسه بشار الاسد وحيداً في قصر المهاجرين، ليهاجر بذاته هرباً نحو مزبلة التاريخ. لأن القوى الدولية كروسيا والصين لن يُبقيا انفسهما في الدوامة السورية. اضافة الى ذلك فان الانشقاقات في صفوف الجيش والمؤسسة العسكريةو الدبلوماسية ستزيد وتيرتها بشكل متصاعد وغير متوقّع، هذا اذا لم تصل جحافل الثوّار الى اسوار قصر البعث واسقاط النظام بأكمله.

سلمان العنداري ... SA
مقالة نُشرت بالتزامن مع بيروت اوبزرفر

الأربعاء، 18 يوليو، 2012

موسكو وانقرة .... والحـــرب البـــاردة


أكد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في مؤتمره الصحفي الاخير أن "بشار الأسد لن يرحل لأنه يتمتع بدعم جزء كبير من الشعب السوري" .

المؤتمر الصحفي لوزير الخارجية الروسي اكد مرة اخرى على الدعم الروسي للنظام السوري وما يقوم به، كما كرر موقف موسكو الذي لم يتغيّر من الازمة السورية.

وفي هذا الاطار يتساءل كثر عن ماهية الدور الروسي الداعم للنظام السوري المستمر في اعمال القمع والقتل منذ انطلاق الاحتجاجات والثورة الشعبية ضد الرئيس بشار الاسد ونظامه العام الماضي.

 ان مواقف موسكو الرافضة لاستصدار اي قرار دولي يضعّ حدّاً لجموح النظام الاسدي في اعمال القمع والقتل، يثير جملة استفهامات في الصالونات السياسية، وفي اروقة القرار محلياً، عربياً، ودولياً، وفي لبنان ايضاً.
ولا شك ان حركة حاملات الطائرات والبواخر الروسية المتواجدة  قرابة الشواطىء السورية، اضافة الى اخبار بيع الاسلحة الروسية الى النظام السوري، تبعث برسالة واضحة للعالم اجمع مفادها ان موسكو لن تسمح بسقوط النظام السوري مهما كلّف الامر، ولن تسير في اي اتفاق دولي يوقف اعمال العنف المتمادية في معظم المناطق السورية.

 الموقف الروسي قرأه ايلي الفرزلي، نائب رئيس الحكومة اللبنانية الاسبق، والذي قال "ان الموقف الروسي هو موقف استراتيجي يؤكد على مبدأ منع التدخل الخارجي في المعركة السورية ويؤكد على التنافس الاقليمي والدولي القائم والمستمر في المنطقة على سوريا".
وقال الفرزلي ان "مواقف روسيا استراتيجية لانها تريد ان تمنع وان توقف الامتداد التركي السياسي في المنطقة، لأن اي سيطرة تركيا على سوريا والمنطقة سيهدد التواجد الاستراتيجي لموسكو وسيخلّ بالتوازن الاقليمي .

 السيطرة التركية على المنطقة سيكون لها تداعيات استراتيجية خطيرة من الناحية الجيو سياسية على واقع جمهوريات روسيا الاتحادية والمنطقة برمتها. بحسب الفرزلي.
وقال الفرزلي، السياسي القريب من النظام السوري، ان "المشروع الاميركي يتجسّد بالمشروع التركي الجديد عبر فرض السيطرة على سوريا وعلى مصر عبر الجماعات التي يرتبط واياها ارتباطاً وثيقاً بعقيدة ايديولوجية".

 هذا ويقول البعض ان فرضية الفرزلي، هي نظرية يسوّقها حلفاء النظام السوري في الاوساط السياسية، في محاولة لاعطاء طابع استراتيجي لاوجه الصراع القائم حول موقف روسيا.
وقال الفرزلي " ان سقوط النظام في سوريا يعني قيام امبراطورية عثمانية جديدة. وهذه الإمبراطورية الجديدة ستشكل تهديدا استراتيجياً واضحا لروسيا الإتحادية، وتهديداً للعروبة بكل معانيها، ولذلك فإن هذه المعركة من غير المسموح ان يُنظر اليها على قاعدة الاستناد لمظاهرة من هنا ولموقف من هناك.

 روسيا ترفض قيام اي امبراطورية عثمانية جديدة من خلال اعادة انتاج واحياء الإسلام المرتبط بالجذور التركية بجمهوريات روسيا الاتحادية، وهذا يعني احياء الاسلام في البلقان والقوقاز والشيشان وهذا الامر ليس من الوارد ان تفتح روسيا على نفسها هذه الابواب وبالتالي لن تسمح موسكو بأي شكل من الاشكال بسقوط سوريا في قبضة ما يسمّى الربيع العربي، لأن ذلك يشكّل خطراً استراتيجياً عليها".
ان روسيا برأي الفرزلي لا تخطىء في طريقة تعاطيها مع الوضع السوري. ولن تخسر موسكو مواقعها الاقتصادية والتجارية والتسلحية في المنطقة، لان موقفها صحيح ومهم من سوريا".

 من جهة اخرى فان معارضي النظام السوري لا ينفون مقولة "المواجهة الاستراتيجية" التي تخوضها روسيا بوجه تركيا لمنع سيطرتها على دول المنطقة. فان الاستناد الى هذا التحليل يشير الى ان الموقف الروسي الحالي من النظام السوري لا يصبّ في دعم بشار الاسد بقدر ما يمثّل مواجهة التمدد التركي في المنطقة.
يمكن القول ان موسكو تلعب على طاولة شطرنج المنطقة، وتنتظر الصفقة المناسبة في الوقت المناسب، شرط ان لا يضرّ هذا بمصالحها في المنطقة، خاصة في قلب العالم العربي، وفي سوريا على وجه التحديد. فهل يتوضّح موقف الدبّ الروسي بعد اسابيع بعد الاستقبال الذي حظي به مبعوث الامم المتحدة كوفي انان في موسكو، بالتزامن مع المعارك الضارية التي تشهدها دمشق؟.

سلمان العنداري ...SA
مقال نُشر بالتزامن مع موقع بيروت اوبزيرفر

السبت، 14 يوليو، 2012

اعلامنا حاقد وموجّه ومتطرّف ...



صحافي شاب ينتمي الى كتيبة الصحافيين الجريئين، يكتب نبض الشارع كما هو، ويسأل اسئلة المواطنين اليومية، وينقل هواجسهم ومشاكلهم ومعاناتهم على امل ان يصل الصوت ويتحرك من يجب عليه التحرك.

سلمان العنداري الصحافي الذي امتلأ إفداماً وقوة بفعل كتابته عن الحق وللحق، يشرح عبر موقعنا نظرته للاعلام في لبنان، ويتحدث عن “طائفية” الجريدة والقناة التلفزيونية في بلد “المشاكل الطائفية”.

“Tripoliscope” ارادت تسليط الضوء على الصحافي الشاب سلمان العنداري، لما يتمتع به من مهارات تمكنه ان يكون فعلا صحافيا ناشطا وناجحا في آن معا.


  • كيف بدأت مسيرتك المهنية ومتى؟

بدأت مسيرتي المهنية رسمياً عام 2007، عنما خضعت لفترة تدريبية في جريدة المستقبل اللبنانية، اعددت فيها عدداً من التحقيقات الشبابية والبيئية. ومع نهاية العام، انتسبت الى جمعية “نهار الشباب” التي ضمّت عدداً كبيراً من الشباب اللبناني من مختلف التلاوين والمناطق.

 حينها كان ”حلم” جبران تويني يراود كلّ شاب طموح وجريء ومتطرّف لانتمائه الوطني. وكان فكر سمير قصير وربيع بيروت حاضراً بيننا، يدفعنا نحو مزيد من “الجموح” نحو المستقبل في وقت كانت البلاد تعيش احدى أتعس فتراتها على وقع بركان محموم من الاحتقانات الطائفية البشعة.

 “نهار الشباب” قدّمت لي فرصة مهمة واساسية في الكتابة والتعبير على صفحاتها صباح كل خميس، وبعد اشهر من انتسابي للجمعية طلب مني مدير تحرير “نهار الشباب” الاستاذ غسان حجار الانضمام لمجلس التحرير وحضور الاجتماعات الاسبوعية. الامر الذي اسهم في تطوير كتاباتي، وازدياد نسبة تأثيرها على القراء، وانهالت بعدها عروض العمل علي من عدد من المواقع الالكترونية والمؤسسات الصحفية.


 واشير هنا الى ان كتاباتي السياسية والحياتية اصبحت يومية على احدى المواقع الالكترونية اللبنانية، فتابعت بحرص شديد هموم الشباب، ويوميات الشارع، وابرز المواقف السياسية والتطورات الامنية.

 وعلى مدى السنوات الماضية تعرّضت لكثير من المواقف اثناء ممارستي لعملي او بعد كتابتي لتحقيقاتي ومقالاتي.

  • لماذا اخترت الاعلام مهنة لك؟
“شغفي بالصحافة والاعلام منذ الصغر دفعني الى ممارسة هذه المهنة المتعبة في بلد مليء بالمشاكل والتناقضات السياسية والطائفية والمذهبية. اخترت هذه المهنة لانها تعبّر عن شخصيتي التي تبحث دوماً عن الحقيقة والمغامرة، كما انها تضعني على تماس مع هموم الناس ومشاكلهم، اهتماماتهم واحتياجاتهم.

 بالاضافة الى ذلك لقد اخترت هذه المهنة من منطلق ايماني القوي بالتغيير والتأثير في مجتمعي ومحيطي على اكثر من مستوى وصعيد.

 وانا اؤمن بقوة بان الصحافة رسالة سامية يجب ممارستها بكل جرأة واندفاع ودون خوف او تردد، وانه لا بد من ترك بصمة قوية في الحياة والمجتمع من خلال هذه المهنة الشريفة التي تنقل صوت الذين لا صوت لهم، والتي ترفع الصرخة ضد كل اشكال الفساد والظلم والقهر.

 ولا اخفي سرا اني كنت اظنّ في بداية الطريق ان الصحافة مهنة سهلة وممتعة، الا اني وجدتها صعبة وتتطلب مسؤولية عالية ودقة وحذراً، خاصة في وضعنا اللبناني. في وقت تحول فيه بعض الاعلام الى صحافة سوداء وصفراء، وتحوّلت فيه بعض الاقلام الى اقلام مأجورة تزرع العنف وتحصد حفنة من الاموال و”الجاه”.”
  • كيف تقيّم الاعلام في لبنان؟ هل هو موضوعي؟ حيادي؟ ام موجه وسياسي؟
“الاعلام اليوم في لبنان يواجه ازمة كبيرة وغير مسبوقة. فالمشهد الاعلامي مؤسف الى حد كبير، وما نشاهده على شاشات التلفزة ونقرؤه على صفحات الجرائد والانترنت ليس الا انعكاساً بشعاً لبلد مذهبي غارق في الصراعات الضيقة والمشاحنات التي لا تنتهي.

 اعلامنا اليوم موّجه، حاقد، متطرّف، وتابع. لا ينقل الصورة الحقيقية، ولا يعكس الا وجهة نظر الطبقة السياسية وقادة وزعماء الطوائف الذين يتحكّمون بسياسات المحطات الممذهبة والملوّنة بالشعارات الحزبية والمناطقية والمصلحية ليس الا.


 بالتالي فهو غير موضوعي، يسهم في اشعال الشارع ويزيد من التقاتل الاهلي، ويزرع الاحتقانات، ويبالغ في قراءة الاحداث، ويشوّه الآخر ويرفضه ويحطّمه، ويستخدم عبارات سوقية لا تليق ولا ترتقي الى مستوى المهنة.

 هذا ما يجعلنا نأسف على تراجع مركز لبنان في حرية الاعلام والتعبير، خاصة وان مقصّات الرقابة تطل علينا كل يوم من كل حدب وصوب، بالاضافة الى خنق الحريات وتهديد الصحفيين والمؤسسات الاعلامية، ناهيك عن التخلّي عن الاف العاملين في عدد كبير من وسائل الاعلام في مشهد اشبه بالمجزرة.

  • كيف تنظر الى مستقبل الاعلام في ظل التطور التكنولوجي؟
لا شك اننا نعيش في عصر الاعلام الجديد، حيث الوسائط الجديدة طغت على العمل الصحفي وبات استخدام الانترنت والتويتر والفايسبوك اساسياً في العمل الميداني والمباشر، وباتت وكالات الانباء العالمية تعتمد بشكل اساسي على هذه الادوات في استقصاء المصادر وفي ايصال المعلومة، وبات المواطن العادي مشارك في صنع الحدث ونقله.
الا انه وبالرغم من هذه الفورة، اعتقد ان الاعلام التقليدي سيصمد بوجه الاعلام الجديد، الا انه سيتراجع بشكل او بآخر، لكنه لن يسقط، والخوف الأكبر يبقى على الراديو والصحف الورقية.

  • ما هي احب وابرز المواضيع التي عالجتها وكتبت عنها واحدثت حراكا قويا في البلد؟
أثار عدد كبير من المواضيع التي عالجتها ونشرتها، ضجة كبيرة في الوسط السياسي والاعلامي والثقافي اللبناني، من المواضيع الاجتماعية والثقافية الى المواضيع السياسية والامنية. وفي كثير من الاحيان كانت ترد اتصالات الى ادارة التحرير في الصحيفة التي اكتب اليها، او الى الموقع الالكتروني الذي اعمل فيه. ومنها اتصالات تستفسر، تستنكر، او تعترض.
بعض المواضيع التي كتبتها تابعتها فضائيات عربية ولبنانية، واغلبها مواضيع اجتماعية وحياتية.
ومؤخراً كتبت تدوينة على مدونتي الخاصة على الانترنت عن الثورة السورية، حازت على نسبة مشاهدة تخطّت الـ70 الف شخص.
اشعر بكثير من المسؤولية عندما اكتب اي حرف او جملة او مقال، لان عدد القراء يزيد يوماً بعد يوم.

مقابلة اجريت معي لموقع www.tripoliscope.com
حاوره: مصطفى العويك

الأربعاء، 11 يوليو، 2012

هـــجاء الســـلاح .. حزبّ الله والاستبداد


"على عكس ما تقوله المقاومات من انها توحّد بلدانها في وجه عدو اجنبي، تدل التجارب على كونها هي نفسها تعبيراً عن نزاع اهلي محتدم". هذا ما يقوله الكاتب السياسي حازم صاغية في كتابه القيّم "هجاء السلاح " الصادر عن دار الساقي عام 2010 .

الكتاب الذي اقرأه للمرة الثانية، يُذكّرنا بالسياسة الفوقية التي يمارسها "حزب الله" على كل الشعب اللبناني باعتباره مقاومة مقدّسة ساهمت بتحرير الارض، تبحث عن مكاسب سياسية داخلية للسيطرة على مقدرات البلد وقراره.

وحازم صاغية، الكاتب والمعلّق في جريدة "الحياة" الذي اصدر عدداً من الكتب الثقافية والسياسية، يرى ان المقاومات لا تزيد النزاعات احتداماً فحسب، بل ان انتصارها يقضي تماماً على امكان ان تنشأ حياة سياسية وان يُعمل بموجبها. ذاك ان الشرعية في ظلّ المقاومات تنبثق من المقاومات نفسها، وهذا ما يجعل البلدان التي تنتصر فيها المقاومات تُنكب بأنظمة استبدادية تضاف الى نكبتها بالاحتلالات.

وها هو اليوم لبنان غارق في صراع مرير بين الدولة والدويلة، وبين منطق القوة والسلاح ومنطق الشرعية والدستور والقانون. اذ بات القوي يحكم الضعيف، وبات القضاء ضحية النزاعات والاشتباكات والانتهاكات اليومية، وبات الاعلام عرضة للتهديد والوعيد والحرق، وباتت المؤسسات محكومة بكلمة ممنوع، او بقدسية لا يمكن ان تُنزع، اسمها قُدسية السلاح.

ويقول صاغية في كتابه ان "العنف قد يتحول الى عملاً ممجداً وغنائياً يعبر عن الحيوية التي يختزنها الشعب وطاقته السياسية. وكلما امتدت المواجهة العنفية زاد معه ضمور العنصر الفكري-السياسي، لتنقلب سياسة المقاومة الى افعال انتهازية تؤدي الى الاقتتال".

وبالفعل، فالثقافة العنفية والتهديدية التي انتهجها "حزب الله" زادت الامور تعقيداً، واوصلتنا الى اشتباك سياسي وامني غير مسبوق، من احداث الجامعة العربية، مروراً باحداث السابع من ايار، والاعتداء على امن المواطنين، وصولاً الى الانقلاب الاسود على حكومة الرئيس سعد الحريري، والسيطرة على مقدرات الدولة بكل مؤسساتها.

ويعتبر صاغية ان "مشكلة المقاومة الاساسية انها تدخل السياسة من بوابة العنف. وكلما كان الطرف المقاوم اقلّ بلوغاً لسوية الدولة-الامةكلما تعرضت الهوية الوطنية الى التشتت، ليتحول السلاح الى سبب للاحتراب".

وبالفعل، فالسلاح المقاوم الذي وُجّه الى اسرائيل توجّه لمرّات ومرات بوجه المواطن اللبناني، ان باشكال معنوية وقهرية ونفسية، او بالطريقة التي تمّت في السابع من ايار. وبالتالي يمكن القول ان السلاح المقاوم فقد دوره وباتت قيادة هذه المقاومة تستغله لاغراض داخلية مصلحية لا تخدم القضية الكبرى التي وجدت من اجلها.

ويشير صاغية الى انه "كلما كانت المقاومة اشرس واطول مدى،كان النهوض الوطني ناهيك عن الازدهار والرفاه ابعد واشد استعصاءً. فالمقاومات في معظمها سبب وذريعة لاعمال تدخلية من الخارج انتصاراً لهذا الطرف او ذاك. والمقاومات ما تلبث ان تتحوّل الى حروب اهلية مموّهة او مقنّعة".

ويُتابع: "تضعنا المقاومات امام احتمالين احلاهما مرّ: اما ان تحكم وينشأ الاستبداد، واما الا تحكم وتندلع الحرب الاهلية"، مشيراً الى ان "تركيبة"المقاومات"بأجمعها تكابد وتجهد كي تبقى على قيد الحياة، فتعمم تضحياتها وتحولها الى مادة للمقايضة مع المجتمع".

الحركات المقاومة اثبتت انها غير قادرة على معالجة عقدة السلطة والتسلّط ، اضافة الى عدم قدرتها على الخروج من دوامة منطق "هذا معنا وهذا ضدنا"، والمثال واضح في لبنان، حيث صنّف السيد حسن نصرالله اكثر من نصف اللبنانيين بالعملاء للعدو الاسرائيلي لانهم لا يوافقونه الرأي، ولا يصطفّون وراء البندقية المغمّسة بالدماء والارتكابات.

‏" المقاومة عندما تتحول الى السلطة تبحث عن توظيف ما قامت به،ليتحول نهجها الى حرب ثورية هدفها الاستيلاء على السلطة والمجتمع".

كتاب "هجاء السلاح" لحازم صاغية يستحق القراءة، لأن الافكار والاحداث التي يطرحها في فصوله تجعلنا نتامل ما يحدث اليوم في لبنان، وما يقوم به "حزب الله" وسلاحه، مع الاشارة الى انه لم يأت على ذكر "الحزب" في اي من فصوله.

يبقى السؤال: متى يدرك حزب الله انه يقتل نفسه ويقتل مستقبل هذا الوطن بسلاحه وقدسيته وتعنّته؟.
سلمان العنداري... SA
نُشر المقال بالتزامن مع beirutobserver.com

الخميس، 5 يوليو، 2012

إنقطع الانترنت .... الله يقطعكن


لم يكن ينقصنا سوى انقطاع خدمة الانترنت مرتين في ظرف 3 ايام عن اللبنانيين. وكأن مشكلة انقطاع التيار الكهربائي وشحّ المياه وزحمة السير لا تكفي في هذا البلد المجنون، وفي هذه الدولة الفاشلة بكل طبقتها السياسية.

الانترنت، الذي يعتبر وسيلة وحاجة اساسية لمئات الاف المستخدمين انقطع عن البلاد بأسرها، وبتنا نعيش في عتمة تكنلوجية اضافة الى العتمة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي نغرق في وحولها منذ سنوات وسنوات.

وكالعادة، أعلنت هيئة الاتصالات اللبنانية المحترمة والموقّرة، توقف خدمة الإنترنت فى لبنان عند السابعة والربع من مساء الأربعاء، بسبب عطل طرأ على الوصلة البرية لكابل الإنترنت في مدينة الإسكندرية، حيث يمر الكابل من الهند إلى باكستان فالإمارات والسعودية ومصر عبر البحر المتوسط نحو لبنان. وقبله بساعات انقطعت الخدمة عينها بسبب عطل طرأ على الكابل الاساسي في مدينة مرساي الفرنسية.

الحمدالله ، دائماً ما يكون الحقّ على الطليان في هذا البلد. ففي لبنان كل شيء مقطوع عن الخدمة او خارج الخدمة، وما هي اصوات عاملات الهاتف الاليات تملأ اثير الاتصالات الخلوية اللواتي تًبشرنا بسوء اوضاع الشبكة كل يوم، الا خير ليل على وضعنا المذري الذي وصلنا اليه، هذا فضلاً عن خسارتنا موسماً سياحياً كان ينتظر ان يكون واعداً.

هذا وانشغل الوزير نقولا صحناوي بالتغريد على موقع التويتر، ليشرح لنا حقيقة الامور، واسباب هذا الانقطاع المفاجىء، مشيراً الى "أن اتصالات تجري لتمرير كابل الانترنيت من قبرص من دون تكليف"، وطبعاً مُحملاً المسؤولية "للوزراء السابقين" مؤكداً " انه تم التوقيع على كابل imewe منذ عام 2007 ، وأن رئيس هيئة اوجيرو هو من وقع على العقد والكابل قطع عدة مرات خلال هذه السنوات ورغم ذلك لا تعويضات".

شكراً للوزير الحريص على مصالحنا، كيف لا وهو وزير ترفع له القبعات في تكتل التغيير والاصلاح، الذي قلب احوالنا رأساً على عقب، وحوّل لبنان الى جنة على الارض في الخدمات المتعلقة بالاتصالات وبالانترنت.

كيف لا والوزير صحناوي رجل الاصلاح الاول في لبنان، يتابع ما قام به زملاء له في التكتل أمثال الصهر جبران باسيل وفريقه السياسي المحترم.

انها دولة الانقطاع عن الخدمة... الله يقطعكن...

سلمان العنداري ... SA

الأربعاء، 4 يوليو، 2012

نصرالله والحريري... اسرى الشارع ؟


مما لا شك فيه ان المشهد اللبناني اليوم يبدو مفتوحاً على مزيد من الانفلات الامني والسياسي والاجتماعي والاقتصادي، مع استمرار الاحداث المتفجّرة في سوريا التي اقتربت من حرب اهلية، من شدة ما يقوم به النظام الذي يقوده بشار الاسد من جرائم وانتهاكات صارخة بحق الشعب السوري الساعي الى الحرية والكرامة بوجه آلة القتل والدم والغطرسة.

الاحداث السورية تنعكس على لبنان، فالمتغيرات الاقليمية والدولية باتت تربك كل الافرقاء والاطراف من كل حدب وصوب. "حزب الله" المشغول بقراءة المشهد السياسي، يحاول اليوم لملمة التوتر والانفلات الكبيرالحاصل في شارعه من قبل بعض المناصرين، الذين باتوا يخرجون الى الشوارع ساعة يشاؤون ويقطعون الطرقات ويشعلون الاطارات، ويهتفون ضد الحكومة وقائدها.

الحزب الحديدي القابض على جمهوره لم يعد كذلك. فالكلمة الفصل باتت لبعض الموتورين والزعران الذين خرجوا عن كل سيطرة او سقف سياسي. الامر الذي دفع قيادة الحزب الى الطلب من القوى الامنية والدولة الرد بحزم على كل المخالفات، ووضع حد لكل خارج عن القانون في كل المناطق بما فيها الضاحية الجنوبية المعروفة بانها تشكل مربّعاً امنياً خاصاً في "دويلة حزب الله".

الحزب يتعرّض كل يوم لإحراجات شديدة، لان ما يقوم به "الخارجون عن الطاعة" يعرّض الامن لخطر كبير، ويهدد السلم الاهلي والاستقرار. فممارسة الترهيب والاحتجاجات بهذه الدرجة من العنف والحقد  قد يشعل الفتنة ويقلب المعادلة ويغيّر موازين القوى، ليصبح الشارع هو الموجّه لا السيد حسن نصرالله او الرئيس سعد الحريري على سبيل المثال.

بدوره، فقد "تيار المستقبل" السيطرة على شارعه. وما حصل في عكار وطرابلس وشوارع بيروت قبل اسابيع يدل على حجم المتغيّرات التي لحقت في طريقة تصرّف وتعاطي هذا التيار مع الاحداث السياسية.

التيار بات "موتوراً" بشكل او باخر، واسباب هذا التوتر الشديد عديدة، تبدأ من سلاح حزب الله واستمرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، مروراً بالثورة السورية والتأثر بالربيع العربي، وصولاً الى استمرار غياب الرئيس سعد الحريري عن البلاد، بسبب الواقع الامني الحرج، بالاضافة الى المشاكل الادارية التي يتخبّط بها التيار منذ اكثر من عام.

وما هي ظاهرة الشيخ احمد الاسير الا دليلاً واضحاً على "ضياع" جمهور التيّار، بعد غرقه بالخطاب المذهبي الطائفي في طرابلس وعكار، وبعد تراشق سياسي من العيار الثقيل بين جماهير "الغالبية السنية" وجماهير "الغالبية الشيعية" لم ينتج عنه سوى مزيداً من التشدد والتطرف والحقد.

الا ان انفلات الشارع لهذا الحدّ دفع القيادات السياسية الى دقّ ناقوس الخطر والى لملمة ما سبّبته على مدى اعوام. وما هي بدعة "الشهر الامني" الا ترجمة لهذه الارادة (على امل ان تكون صادقة) المؤقتة في ضبط الامن وانتظار جلاء الضباب عن المشهد السوري وكرة ثلج الربيع العربي.

باختصار، ان ظاهرة الاسير سببها الاول "حزب الله" وتسلّطه وزهوه بسلاحه المقدّس، بالاضافة الى التهديد والوعيد وسياسة الاصبع المرفوع والمسدسات الموجهة نحو الرؤوس التي لم تغادر المنابر يوماً الامر الذي دفع الشارع "الُسُني" الى الانتفاض والبحث عن طرق جديدة في مواجهة السلاح. اضافة الى ذلك، فان ما يقوم به الشيخ الاسير يتحمّل مسؤوليته ايضاً تيار المستقبل الذي انزلق الى الخطاب المذهبي وتخلى مرحلياً عن خطاب الاعتدال.

ووسط كل هذا، يمكن القول ان ثقافة اللا دولة وحدها الحاضرة في لبنان، والاستهتار بالقانون والانظمة هو الذي اوصلنا الى هذا الواقع المؤسف. وباتت البلاد ساحة سهلة لاحراق الدواليب والاعتداء على وسائل الاعلام والتعدي على الكرامات والحريات. في ما المواطن وحده يدفع الثمن ويغرق كل يوم بوحول الفقر والعوز والحرمان.
سلمان العنداري... SA