الأحد، 13 نوفمبر، 2011

بغداد بين رقصة الموت والتمرّد ... مدينة تنبعث من جديد


بغداد ... تعود من جديد ...

انفجارات، دماء، قتل، طائفية، جثث، سيارات محترقة... انطباعات اولية تخطر على بال المرء فور سماعه بإسم العاصمة العراقية بغداد. الا ان الوافد اليها بعد ثماني سنوات من سقوط نظام صدام حسين، وقبيل اشهر من انسحاب القوات الاميركية، ستدفعه مشاهداته الى تبديل نظرته الخاطئة، ليأخذ انطباعات مغايرة تماماً لما تبثّه وسائل الاعلام العربية والعالمية من انباء ومشاهد مشوّهة عن عاصمة قّدّر لها ان تقاتل قدرها سعياً الى الحرية...

قبل سنوات كانت بغداد عاصمة الموت بإمتياز، يخنقها الدمار ويعتريها التعب واليأس والإستسلام، الا ان المدينة العتيقة هذه، استفاقت اليوم من سباتها، لتبدأ نضالاً جديداً مع كل اشراقة شمس، مُحاربةً الإرهاب وجبروت الهزيمة من اجل مستقبل افضل لأبنائها.

بغداد لا تُشبه الا نفسها... تراها حزينة، ولكن ابتسامة من نور تختبىء في ثناياها وفي تجاعيد طرقاتها، وفي اسواقها الشعبية، وفي كرم وضيافة شعبها... ينبثق الأمل من ثقافة شبابها، والرقي من جمال شاباتها، والرجولة من حرص جيشها. بغداد الحلم العربي الجديد الذي يُبصر النور مجدداً من مساجدها وكنائسها وحسينياتها.

بغداد الحقيقية لا تُشبه بغداد الصورة النمطية... تراها تحارب البغضاء، وتحيك برمش العين وحدتها الوطنية والعيش المشترك، وها هي تزرع في جذور اجيالها حبّ التنوع واحترام الآخر.

بغداد متمرّدة وجذّابة، صاخبة وصامتة في آن... فهي ولشدة سحرها تترُك فيك شعوراً غريباً مرفقاً بعشرات علامات التعجّب والإستفهام المبعثرة في الشوارع والساحات العامة.

بغداد عاصمة الثقافة والفن والحب والحضارة، تصارع الإنحطاط، وتسابق عجلة التاريخ الذي خذلها، تراها تصرخ ضد الظلم والإستبداد، تصارع في مركب متأرجح نحو ضفة الأمان. على مرآى من ملوك وامراء العرب واساطيل الغرب في زمن السقوط.
غامضة هي هذه المدينة ولكنها صفحة بيضاء تنساب بصدق وشفافية في اذهان زائريها... خالدة هي على الرغم من شحوب لونها... منهكة ولكنها حيوية، نابضة، ومتيقظة على الرغم من التعب البادي على وجنتيها، وبالرغم من التجاعيد التي تملأ اخاديد عيونها.. بغداد تنتصر على سلطة القتل بإرادة الحياة والتجدد.

في الماضي، كانت روائح الرصاص تملأ المدينة، وغبار البارود يلفح وجوه الناس الحزينة، وكان عبق عتمة القدر يتجول بين احياء خائفة، مهجوسة ، تفتّش عن نقطة ضوء، عن بقعة حياة بعيدة عن رهبة التدمير واساطير الموت...

في زمن صدّام حسين، غرقت ساحات بغداد بتماثيله وصوره، وتحول ضفاف دجلة الى مستنقع من وحول دُفنت فيه الذاكرة على حساب السلطان الحاكم بأمره، وسط لوحة مأساوية مُبكية، تختنق بأقدار الإخضاع والسيطرة واغتصاب الكرامة.

وفي زمن الإحتلال بعد السقوط، احتدم الإرهاب، واستيقظ شبح الموت... قُتل الأطفال بوحشية، وشُرّد الناس، واستشرت الطائفية مع دخول الغرباء على الخط، وتراقصت الجثث في احتفاليات موت يومية مكلّلة بالدم والعار...

البلاد اتجّهت نحو الكارثة لسنوات، وقُدّر لمواطنيها ان يعاقبوا بدرجة كبيرة من القسوة لعقود وعقود. عانت بغداد وعانى العراق الأمرّين ... مئات الآف القتلى، وجموع جائعة ودولة معزولة ومغدورة من محيطها...

تخرج بغداد من كبوتها اليوم، تلملم سقوطها، وتستعد لإنهاء الطغيان والفقر، ليتحول معها القبح الى جمال، والبؤس الى فرح، والقهر الى صبر، والكارثة الى مشروع، والأحلام الى حقيقة ساطعة بإرادة ابطالها .

اليوم، تنهض هذه الارض القاحلة من جديد، لتصنع اسطورة عظيمة تنفض الغبار عن نفسها... واذا كانت الارداة وحدها تكفي لتحقيق امجاد الامم، فبغداد بارادة شعبها، تخوض اليوم معركة استعادة الحياة مهما كلفت الاثمان.

افتخر ببغداد عاصمة عربية عريقة، تلحسُ المبرد، وتقاتل الموت بجرأة مُحارب. اخاف عليها وليس منها، ولكني مطمئن بانها ستخرج من محنتها قريباً جدا، وان ازهار ربيع جديد ستتفتح على ضفاف دجلة والفرات، وعلى ارصفتها، وفي باحات متاحفها ومعالمها الرائعة.

المدن العظيمة لا تُصنع، بل تولد... وولادة بغداد الجديدة ستعيد عظمتها الى سابق عهدها... فقريباً يا بغداد ستتحولين الى حدث بحد ذاته، ستعودين قلب العالم العربي وعاصمة الحب والأمل والثقافة والسعادة والإبداع، وسيعي كل قاتل وظالم ومتربص بك، انه لم يعد بمقدوره كسر ارادة العيش والحياة فيك مهما امعن بفعلته الشنيعة...

زمن البطش انتهى، وزمن الحديد والنار كذلك... عادت المدينة لتصوغ حالتها الذهنية، ولتعيد معالمها بعد ندوب اصابتها على مدى عقود، بغداد تلملم جراحها منذ سنوات.

لن يكون للجريمة مكان بعد اليوم، ولون الدم القاتم سيتحول الى لون للفرح، وانفجارات الحقد في احشائك ستتحول الى بهجة خالصة، فاطمئني يا بغداد لانك في طور الإنبعاث من جديد.

لا يختلف اثنان على ان الكتابة عن بغداد مادة حافلة بالإثارة والتشويق، الا ان زيارة هذه المدينة العريقة ستزيد الأمور اثارة وتشويقاً، لما فيها من قصص وانطباعات وتجارب لا يمكن ان تنسى، عن عاصمة تعبث بالأخطار، وعن شعب يسخر من واقعه، ويُصارع جاهداً لتحويل الجمود الى حركة لا هدنة فيها...

سلمان العنداري ... SA  بغداد

هناك تعليق واحد:

  1. مقاله جميله وفيها صور جميله من بغداد عروس الفرات ..نعتز بتواصلنا معك

    شوارع عراقيه

    ردحذف