الخميس، 10 نوفمبر، 2011

ياسر عرفات ... بين غصن الزيتون والبندقية...حكاية ثائر



تمر ذكرى غياب "الثائر" الفلسطيني ياسر عرفات، وفلسطين تعيش الواقع الصعب وتتعايش معه: انقسام "تحت الرماد" بين حركة فتح وحماس. طلاق جغرافي بين غزة والضفة الغربية. تدخلات وتداخلات اقليمية شرذمت القضية الفلسطينية وسطّحت معناها. اعتداءات اسرائيلية متكررة. وتهويد مفضوح تتعرض له القدس. وحركة استيطانية تقضم الاراضي المتبقية وسط سكوت وسكون عربي ودولي.

انه الواقع "المبكي" بعد  سنوات على رحيل ابو عمار الذي حمل هموم الشعب الفلسطيني طوال عقود، والذي رفع الصوت عالياً الى كل اقاصي العالم مطالباً باستعادة ما سلب من حقوق مشروعة لشعبه بشتى الطرق والوسائل (رغم بعض الاخطاء)..


شخصية جمعت بين الحلم والواقعية


سياسة ابو عمار كانت دائماً "على حدّ السكين"، يقول اليساري اللبناني الياس عطالله الذي يرى ان "ياسر عرفات  يمثّل الوعي الجماعي الذي ساهم في بلورة الهوية الحقيقية للشعب الفلسطيني وقضيته، واستمر على هذه الحال طوال حياته، " فهذه الشخصية التاريخية الاستثنائية التي استقرت في قلب فلسطين من اجل بلورة مشروع الدولة، جمعت بين الحلم والواقعية والبراغماتية والمعرفة الدقيقة بامكانات المحيط العربي والدولي".


ويعتبر عطالله ان "عرفات اعاد القضية الفلسطينية الى خصوصيتها دون ان يفصلها عن عمقها العربي، فرفض الاستسلام للدول التي حاولت قمع القضية الفلسطينية، وللعصبية الصهيونية التي تحظى بدعم اغلبية الدول الغربية. وقد قام بكل الخيارات والوسائل من اجل انتصار قضيته في ظل واقع عربي لم يكن مساعداً لخلق توازن مع اسرائيل والدول التي تدعمها، فحاول مع الشعب الفلسطيني تعويض هذا النقص، الا ان الحلول والوعود بقيت غير واضحة المعالم ومليئة بالغموض".


نفتقد الاخ ابو عمار اكثر من اي وقت مضى


وفي هذا الاطار، يتحدث السفير خالد عارف، القيادي في حركة فتح بتأثّر شديد عن الرئيس الفلسطيني، ويقول ان " الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات يفتقدون ابو عمار اليوم اكثر من كل السنوات الماضية، لما كان يمثل ليس فقط من رمزية انما من مشروع وطني ووحدوي للشعب الفلسطيني، فكان محور استنهاض للمشروع الوطني العربي، ليشكّل حالة فريدة من نوعها ستبقى لسنوات طويلة، ولهذا لا يمكن الا استذكارها في هذه المرحلة الدقيقة".


ويضيف: "هو من الشخصيات العربية المهمة والاساسية، كالرئيس عبد الناصر والرئيس رفيق الحريري والامام المغيب موسى الصدر، وكمال جنبلاط، والشهيد جورج حاوي ومعروف سعد والشيخ احمد ياسين، وكثير من الشخصيات العربية الاخرى التي كان لها دور محوري على المستوى العربي بشكل عام".


يحاول استشراف المستقبل في قمة المأساة


يروي عطالله عن العلاقة التي ربطته بالثائر الفلسطيني في فترة حصار بيروت، "في الواقع كنا على لقاء يومي في فترة الحصار الاسرائيلي الذي استمر لعشرة اسابيع، وكان في الايام الاخيرة التي سبقت مغادرته بيروت مقيماً في غرفتي، حيث كان هناك شأناً واحداً يمكن مناقشته معه، وهو موضوع الشعب والقضية الفلسطينية. وبهذا اعتقد ان ابو عمار قدم وكرّس نفسه للقضية الفلسطينية حتى اصبح هناك نوع من التماهي بينه وبين الشعب الفلسطيني، فكانت الاحاديث تدور دائماً حول ما نحن فيه، وسبل مواجهة الوقائع".


ويضيف عطالله: "عندما ترافق وتصادق شخص كياسر عرفات تعرف معنى الصلابة المجسّدة بهذا الرجل وتفكيره الهادىء حتى في اقصى اللحظات، انه شخص اسطوري من جهة ومتواضع من جهة اخرى، وهذا التواضع ليس مفتعلاً، فسلوك ابو عمار اليومي هو سلوك مقاتل وانسان عادي".


ويستطرد: " عندما كان ابو عمار يعيش في قمة المأساة لحظة المغادرة القسرية من بيروت شعرت بأنه يحاول استشراف المستقبل، والتفكير بالمرحلة المقبلة، ليعود في ما الى تراب فلسطين، الى قلب الصراع، حيث صمد صموداً استثنائياً فيها. وكلنا نتذكر كيف بقي في غرفته ايام الحصارالاسرئيلي في رام الله، وكيف كانت تحوم حوله الدبابات والعنصرية القاتلة، ولكنه كان يضع مسدسه على الطاولة ويقول كلمته الشهيرة " لا تغادروا اننا هنا صامدون صامدون"، ولهذا انا اعتبر ان ياسر عرفات ليس ذكرى فقط وليس بطل تحرير وليس رواية شعب، بل انه نبراس ونهج حياة ستتناقله الاجيال".


تمسّكوا بارث ياسر عرفات


ويشير عطالله انه "لا يمكن لهذه المنطقة ان تشهد سلاماً ليوم من الايام دون ايجاد حل للمشكلة الفلسطينية ولا يمكن ان يجفف هذا الكمّ من التطرف والتكفير والارهاب دون ايقاف الارهاب الاسرائيلي بحق شعب باكمله، وهنا اقول ان هناك مصلحة دولية وعربية لتحقيق هذا السلام، ولكن لا يوجد حتى الان ارادة حقيقية تجسد هذا القرار الكبير، اذ ان العناد الصهيوني ما زال معطّلاً لهذا القرار، ان من خلال تشويه الصورة في العالم، او من خلال نقص القدرة العربية على فرض اجندة عربية وفلسطينية على العالم اجمع".


ويتوجه للشعب الفلسطيني بالقول: "الشعب الفلسطيني مطالب اليوم م بالتمسك بارث ياسر عرفات وان يبقى بعيداً عن الاستخدامات الخارجية التي تلعب بالوحدة الوطنية وتجعل من القضية الفلسطينية ورقة في خدمة طموحاتها، وانا اقصد هنا ايران والنظام السوري الى حد ما. ولكني احذّر ان هذا اللعب في النار سيحرق الجميع".


هل يتكرر التاريخ؟ 


هل يتكرر التاريخ؟، يجيب عطالله : انا اعتقد انه ليس من الضرورة ان يفرز التاريخ شخصية قائدة كياسر عرفات، بل من المفروض ان يبرز مشروع جديد يستفيد من تجربة ياسر عرفات، ويبني مداميك اضافية عليه، ويختم: "في تاريخنا مرّ الكثير من القادة الذين ارتكبوا اخطاءاً، ولكنهم على الاقل زرعوا احلاماً، وعلى هذه الاحلام يجب ان نؤسس مشاريع لشعوبنا، الى اننا وللاسف نعيش فترة تراجع في ايامنا هذه".



واقول ان مشاريعنا تتقزّم اكثر واكثر ويوماً بعد يوم، وتصبح اصغر من الاوطان في وقت تشتد فيه الهجمات من اكثر من جهة على مصائرنا الوطنية، وهذه المرحلة تتطلب رجالاً لديهم ارادات ومشاريع وبرامج كبرى وليس مشاريع على قياس الرغبات.

بين غزة ورام الله نحن بحاجة الى ياسر عرفات


يؤكّد عارف ان شخصية ابو عمار لا تتكرر، اذ انه "لا يوجد اي شخص يمكن ان يمثل الرمزية التي كان وما زال يمثلها الاخ ياسر عرفات، الا انني اعتقد ان الظروف الموضوعية العربية والدولية والمحلية في بعض الاحيان تمنع بروز شخصية محورية كتلك التي مثلها الرئيس عرفات في المرحلة السابقة، وفي الحقيقة حتى الرئيس ابو مازن يقول انه لا يمثل رمزية ياسر عرفات ولكنه يحاول لملمة البيت الفلسطيني ويحاول الحفاظ على الموقف الوحدوي للشعب وللحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني، ولكن حجم التداخلات للاسف الاقليمية والدولية والمحلية اصبحت تشكل عائقاً كبيراً امام اي شخصية محورية فلسطينية الا اذا كفّت الايدي عن هذه التدخلات داخل البيت الفلسطيني".


وفي الموضوع نفسه يجزم عطالله ان "العالم العربي لم يتمكن من حماية المدى الحيوي الخاص به، فتعرض لتمددات اقليمية لمشاريع مختلفة، لتصل هذه الاطماع الى قلب فلسطين، فاشتدت الانقسامات والخلافات والهجمات بعد موت ياسر عرفات، وضعفت بالتالي شبكة الامان التي تحمي وحدة الشعب الفلسطيني الذي وقع في دوامة الانقسام واصبح مرتبطاً بمشاريع عديدة".

بين غصن الزيتون والبندقية...حكاية ثائر


عندما ألقى الزعيم الفلسطيني خطاباً هاماً امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 13 نوفمبر من العام 1974، قال جملته الشهيرة في ختام كلمته: "انني "جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي".


اذن، بين غصن الزيتون والبندقية، كان الثائر ياسر عرفات الذي ترك فراغاً كبيرا وموحشاً على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية بعد التجارب والنضالات المشرّفة التي قام بها. فهل تنتصر القضية الفلسطينية يا ترى؟، وهل يستمر نضال الشعب الفلسطيني ام اننا على موعد مع مزيد من الشرذمة والانقسام والنسيان؟، وهل يدرك العرب والعالم مسؤولياتهم ودورهم الحقيقي تجاه القضية المركزية للسلام في المنطقة؟. انها اسئلة قد تبقى معلّقة لأجيال واجيال بعد رحيل الثائر...ياسر عرفات، فمتى يحين الربيع الفلسطيني الحقيقي؟...


تحية الى ياسر عرفات



سلمان العنداري ...SA

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق