الأحد، 17 أبريل 2011

عندما يتواطىء الفنان مع النظام ... نجوى كرم "تبايع" بشار القائد ... في مواجهة الشعب السوري !!



في وقت تشتعل فيه المنطقة العربية بصرخات الاحرار الذين انتفضوا رفضاً لاستمرار القتل والقمع والاستزلام، ورفضاً لانظمة تآكلت مع الزمن وعاثت بالارض خراباً وفساداً... وفي وقت يسقط فيه الشهداء والابرياء على الطرقات برصاص قوى المخابرات التابعة لزعماء لن يحترموا يوماً كرامة الشعب وعزّته... لم يكن ينقصنا سوى مزيد من الفن الهابط والاصوات الفاجرة التي تزايد شمالاً ويميناً والتي تهلل عالياً بدون اي خجل دعماً لهذا النظام وذاك.
المفاجاة الكبرى هذه المرة اتت من الفنانة اللبنانية "المحترمة" نجوى كرم... اذ امتلىء اثير موقع اليوتيوب بأغنية  تهتف فيها "لبشار القائد" وللنظام البعثي الذي يقمع شعبه والذي حكم لبنان ومنطقتها زحلة البقاعية لاكثر من 30 عاماً، حيث مارس فيها رستم غزالي وازلامه اشد انواع القهر والطغيان.
صدمة كبيرة أصبت بها عندما سمعت كلام الاغنية الذي استفزني واغضبني واحبطني الى اقصى الحدود.
"رايات بيض وسود بالشام مرفوعة... ودقات قلب البطل لبعيد مسموعة ... وسيوف تلمع حزن ورماح مش عم تنشف دموعها... وفرسان عم بتقول مفجوعة ... بالشام قام الاسد بقلوبنا بلبنان عم يوعى..."
كلمات لا تليق بفنانة تملك صوتاً جبلياً قوياً جعلها تتربع في قلوب مئات الالاف من الشعب اللبناني. مع الاشارة الى انها الفنانة عينها التي غنت "وبتسألني ليس مغرب" عام 2004، عندما اتهمت فيها الطبقة السياسية بالفساد والسرقة، الامر الذي دفع "القوى الظلامية" في لبنان الى منع بثّها وحجبها عن اثير الاذاعات وشاشات التلفزة.
نست "السيدة نجوى كرم" ان الشام مفجوعة بمسلسل القتل المنظم وبالاعتداءات والانتهاكات التي ترتكبها قوى النظام السوري بحق المتظاهرين في شوارع سوريا من الشمال الى الجنوب مروراً بدمشق. فعن اي بطل تتحدث وعن اي حزن تتكلم وعن اي اسد قائد تهلل وتزغرد يا ترى؟.
تقول "نجوى" في اغنيتها : "بدنا نحافظ بدنا نحافظ عالشام الي عمرها حافظ... بدنا الاستقرار... ونبايع بشار، وحدو كل الحافظ حافظ".
نست الفنانة "المحترمة" ان الاستقرار لا يتحقق بمزيد من الاستبداد والقهر لاهل الشام وبنياس ودرعا وحلب والسويداء والقامشلي، والاستقرار لا يمكن ان يتحقق في بلد يستمر فيه القتل والظلم والتعنت والاستزلام.
واذا ارادت السيدة نجوى كرم ان تبايع بشار الاسد فلتذهب الى سوريا ولتنضم الى فرقة مجلس الشعب ولتؤدي هذه الاغنية في بهو البرلمان المُصادر مع رفاقها في الحزب الحاكم من كل المحافظات والمناطق.
كلامك يا "ست نجوى" مرفوض جملةً وتفصيلاً، فكيف لك ان تغني لقائد ارتكب المجازر وارعب الصغار والنسوة، وصبّ جماح حقده في كأس التلاعب بمصير بوابة العالم العربي وقلب العروبة والنضال والاحرار؟.
كيف لك ان تتجاوزي كل الاصول لتتجاهلي في اغنيتك الصفراء ارادة مئات الالاف من السوريين الذين يسعون بكل سلام الى التغيير الايجابي في بلاهم، وكيف تحول حافظ وابنه بشار في ليلة وضحاها الى قائد بطل لا يقهر، والى اله مقدس لا يمسّ؟...من المعيب ان نسمع من فنانة لبنانية محترمة مثل هذا الكلام الهابط، في وقت تتساقط فيه احجار الدومينو في المنطقة.
وتضيف الاغنية الاسطورة: "بدنا نحافظ بدنا نجاهد بالروح الباسل ونسلم بشار القائد رايتنا السورية ... ويحملنا من نصر لنصر وينقلنا من عصر لعصر.. ويا حلم الحافظ بيحافظ..." فعن اي عصر تتكلم تلك الفنانة الثورية؟، عن عصر الانقسام الفلسطيني، ام عن عصر التبعية لايران، ام عن عصر دعم احزاب لبنانية فئوية بالقمصان السود، ام عن القتلى الذي يسقطون كل يوم في ساحات سوريا؟...
عن اي عصر تحدثنا نجوى كرم؟... عن عصر الانقسام العربي، ام عن عصر اضطهاد المعارضين والمثقفين والشباب؟...
والمضحك في الغنية مقطع يقول: "بدنا السلم وما منساوم عحدود بحزيران وحدك يا بشار نقاوم ليعود الجولان... وتبقى سوريا ولبنان ملتزمي بسلم الشجعان... وع احلام السلم نحافظ"...
مثيرة للسخرية هذه الجمل المركبة الشبيهة لما يقوله الاعلام الرسمي الذي لا يصدّق.
بالتأكيد فان كلام "الست نجوى" مقتبس من المقالات اليومية "المضللة" التي تنشرها صحف النظام كل يوم، اذ لبرهة تخيلنا ان سوريا تقود جبهة المقاومة في العالم العربي، وان جبهة الجولان مفتوحة لالاف المقاومين الابطال بوجه العدو الاسرائيلي...
واذا كانت نجوى تريد المقاومة مع بشار واستعادة الجولان والانخراط في سلام الشجعان كان عليها ان تدرك ان بشار يستعمل لبنان وشعبه كرهينة لسياساته المعروفة بكسب الوقت، وانه مستعد في اي لحظة من اللحظات على المساومة على كل "الثوابت" من اجل كسب رضا "هذه الدولة" او "تلك"، وكنا نتمنى على "الست المحترمة" ان تتذكر كيف تحول لبنان الى ساحة مفتوحة وورقة مساومة لصالح النظام القابع في قصر المهاجرين.
نتمنى على نجوى كرم ان تتراجع عن هذه الاغنية الوقحة، وان تغني للاحرار في العالم العربي الذين تمكنوا من اسقاط انظمة بلادهم بدل الاستمرار في كلامها "السخيف" الذي اسقطها من لائحة الكبار في لبنان.
على كل حال اقترح مقاطعة اغنيات نجوى كرم، ووضع اسمها على رأس لائحة سوداء قد تطول بحق "الاصوات التابعة" للانظمة المستبدة، و"الاصوات المناهضة للحرية والتغيير والامل" في هذا العالم العربي.
ومن غير المستبعد ان نستفيق صباحاً على اغنية جديدة لنجوى كرم ومثيلاتها تمجّد فيها القائد الاخ الجبار الذي لا يقهر معمر القذافي وامثاله... بئس الفن الهابط... وبئس الاستبداد المستمر...
على كل حال ... عندما يسقط النظام وينتصر الاحرار... ستتداعى كل هذه الاصوات كاوراق الخريف، ولم يبق هناك سلاطين طرب او شمس للاغنية... لان الاغنية الحرة والصادقة وحدها ستبقى ...ونقطة على السطر .
سلمان العنداري ...SA

لمشاهدة الفيديو وسماع مقطع من الاغنية:

السبت، 16 أبريل 2011

بين تميّز "غوغل" ولغز شارلي شابلن ... ابداع ونضال ورسالة

الدكتاتور احد اهم افلام شابلن ....
احتفل موقع "غوغل" عملاق محركات البحث على الشبكة الالكترونية اليوم "السبت" بالذكرى ال122 لولادة الممثل الاسطورة، الانكليزي تشارلي شابلن الاسطورة الذي طبعت صورته في التاريخ على مدى اجيال، ليتحول الى ايقونة في السينما والتلفزيون والاعمال الدرامية الصامتة.
وللمناسبة عرضت "غوغل" في الصفحة الرئيسية لموقعها فيديو قصير تكريماً لشابلن. وتمكّن مئات الالاف من المستخدمين من الولوج عبر "غوغل" الى عدد كبير من المواقع الالكترونية التي تحدثت عن شابلن وعرّفت عن حياته ومسيرته الفنية والمهنية الطويلة.
يذكر انها ليست المرة الاولى التي تكرّم فيها "غوغل" كبار الكتّاب والممثلين والمفكرين في العالم، فمنذ نحو شهرين، احتفل الموقع بذكرى ولادة الاديب اللبناني العالمي جبران خليل جبران. اذ تعتبر ادارة هذا "المحرّك العملاق" ان مثل هذه الخطوة تساهم بشكل كبير في استذكار من دفع الانسانية قدماً الى الامام.
الطريقة مميزة في الاسلوب والتقديم والشكل. ولا شك ان غوغل باتت تملك تأثيراً كبيراً على "الرأي العام العالمي" لما تبرزه من اخبار لعشرات الملايين حول العالم.
وعوّدتنا غوغل ان تفاجئنا بخدمات جديدة وبأفكار لامعة وبرّاقة في عالم الانترنت والمعرفة، لدرجة انه بات من الصعب ان ينافسها اي محرك بحث اخر على الشبكة العنكبوتية الهائلة.
وقبل التطرق باختصار لابرز محطات حياة الممثل الشهير شارلي شابلن، تجدر الاشارة الى انه بامكان غوغل ان تحتفل بعيد ميلاد كل شخص منا، وهي خطوة تجعلنا نشعر بالتميز والفرادة، اذ تكفي "بحسب مدونة غوغل الرسمية" ان تقوم باضافة تاريخ الميلاد الى ملفاتك، لتكتشف يوم ميلادك ان شعار "غوغل تعدّل قليلاً ويشير الى اسمك، وعندما تدخل الى الرابط تظهر الملفات والمعلومات المتعلقة بك شخصياً... انها طريقة رائعة للاحتفال ... لا؟.
صفحة غوغل الرئيسية كما بدت اليوم

وبالعودة الى شابلن، يُعرف عنه انه اشتهر بمناصرته لقضايا البؤساء والطبقة الكادحة "البروليتاريا". فانتقد البرجوازية والطبقية الاجتماعية التي طبعت جل أعماله السينمائية الصامتة والناطقة التي وصفت بفن "الكوميديا السوداء"، الامر الذي دفع اشهر واعرق الصحف البريطانية بمنحه لقب "رجل أوروبا البائس".

كما اشتهر ببدلته وقبعته السوداء وبعكازه الشهير، واستطاع بعبقرية فنية خارقة أن ينقل للجمهور بالحركة والصورة ما عجزت الأفلام الناطقة عن إيصاله، فظل متشبثاً حتى بعد ظهور الصوت بالسينما الصامتة لإيمانه أن هذا الاختراع يقتل السينما.
 انتقل شابلن من حياة البؤس والفقر التي عانى منها في سنوات طفولته إلى عالم الأضواء والشهرة والثراء، لكنه ظل دائماً وفياً للقضايا الإنسانية من خلال 100 عمل سينمائي قدمها للإنسانية.


قام بتأليف كتاب يتناول قصة حياته واستعراض مواقفه في مسائل شتى وغيرها من الأمور، وصدر هذا الكتاب تحت عنوان "قصة حياتي".
من أشهر أعماله التي ظلت عالقة في تاريخ السينما "حياة كلب", و"الطفل " 1921 و"الدكتاتور"1940، فضح خلالها رجال الدين والسياسة والبوليس وأرباب العمل.
ساهم شابلن عام 1923 في تأسيس شركة الفنانين المتحدين، وكان فيلم "الرأي العام" باكورة إنتاجها السينمائي، ولكن أفلام شارلي الرئيسية أنتجها هو بنفسه، ومن أبرزها "الأزمنة الحديثة"، و"الديكتاتور"، حيث كان فيلم "الأزمنة الحديثة" هو آخر فيلم صامت لشابلن، لدخول الصوت إلى السينما.
كان فيلم "الديكتاتور" هو أول فيلم يُسمع فيه صوت شابلن، حيث كان يدعو من خلال الفيلم إلى المقاومة والنضال ضد النازية، معتبراً ذلك واجباً أخلاقيا وإنسانيا وكفاحيا، متجاوزاً بذلك حدود المأساة الفردية من جهة، ومظهراً من جهة ثانية صورة أخرى من صور الالتزام السياسي لديه.

المعروف أن تشارلي هو يهودي بريطاني، ولكنه رفض الجنسية الإسرائيلية، كما رفض قبله يهودي آخر هو العالم العظيم آينشتاين الجنسية الإسرائيلية ورئاسة الكيان الصهيوني، وعندما استقرّ شارلي شابلن في الولايات المتحدة، لم يهاجر إلى إسرائيل أو يلتحق بها، وظل قابضا على جمر مبادئه الإنسانية في الوقوف مع المضطهدين والمطحونين، والتصدي للديكتاتورية واستغلال الرأسمالية.
 تعرض شابلن للمضايقة من بعض أجهزة الأمن الأمريكية لعلاقة مشكوك فيها مع الشيوعية، التي تقف خلف بعض أفلامه حسب تصوراتهم وتقاريرهم، وانتهى المطاف بشارلي شابلن في سويسرا، حيث استقر بها إلى أن انتهت حياته.
توفي شابلن سنة 1977 عن سن يناهز 88 عاماً، وظلت كلمته الشهيرة التي وثقها في مذكراته "لست نادماً لأنني مارست حياتي بحب وحاربت اليأس بالعطاء, لأن الله منحنا هبة الحياة وأمرنا أن نعمل ونتيح للآخرين سبيلاً ليعملوا، هذه رسالة أي مبدع وإنسان يرفض أن تكون القوة سبباً في الأذى وفي احتلال الشعوب الفقيرة والضعيفة".
وبعد وفاته عن عمر يناهز الـ88 عاماً بفيلمه الأخير "كونتيسة هونج كونج"، تم تكريمه من خلال حفل الأوسكار عام 1972.
لا شك ان "صاحب القبعة السوداء" أثرى السينما بالعديد من الأفلام التي تجاوز عددها الثمانين فيلما، وبعد أن أثبت أن الكوميديا يجب ألا تبتعد عن مناقشة المشاكل والهموم التي تواجه المجتمع.... 

يمكن القول ان "غوغل ادهشتني اليوم وامتعتني بشكل كبير، لانها سمحت لي بالتعرف اكثر على شارلي شابلن وبالاطلاع على ابرز اعماله وعلى حياته الضخمة... تستحق غوغل تصفيقاً عالياً، على امل ان تركز اكثر واكثر على القضايا الانسانية وعلى اوضاع ومعاناة الملايين من البشر في هذا العالم المتوحّش...

سلمان العنداري ... SA

الأربعاء، 13 أبريل 2011

بعد 36 عاماً على اندلاعها: ملامح بوسطة وخطوط تماس جديدة.. فهل انتهت الحرب؟

بيبروت الحرب ... خطوط تماس ... شرقية وغربية ...بيروت اليوم ... خطوط تماس وهمية مذهبية
قبل 36 عاماً من اليوم، افتتحت بوسطة عين الرمانة مأساة لبنانية طويلة استمرت لاكثر من 15 عشر عاماً متتالية، انتشر فيها الرعب والخوف والقتل والدماء في وطن قيل انه "سويسرا الشرق" ولؤلؤة العالم العربي...

حينها افترشت المتاريس الرملية والحديدية كل الشوارع والازقة والساحات. فارتسمت خطوط التماس بين "شرقية" و"غربية"، وضاعت التسميات والهويات والانتماءات، فاصبحت قاتلة، مدمرة، متلهّفة لإلغاء اعمى، مصحوب بالتراكمات وبكمّ هائل من التحريض والحقد.

اكثر من ثلاثة عقود مضت، وكأنها البارحة، وقصص خطوط التماس ما تزال تختلج افكار الشباب والكهول، واجيال المحاربين والميليشيات التي لا تتوقف عن الحديث عن بطولاتها الوهمية بين جبهات بلد ممزق، وعلى ارض قيل انها ساحة لصراعات الآخرين لا اكثر ولا اقل.

وبين الاشرفية والسوديكو ورأس النبع والبسطة، والمتحف والعدلية، وبين محمصة صنين والطيونة، وعين الرمانة والشياح... خطوط تماس قديمة تقف شاهدة امام ذاكرة مكان لذاكرة حرب قتلت الحياة وعززت ثقافة الموت والترقب والحذر.

وفي هذه الذكرى يتكلم مجموعة من الشباب اللبناني من مختلف الانتماءات والاتجهات. يتناقشون عن خطوط التماس القديمة – الجديدة ومعانيها في ذاكرتهم الحيّة. فيتبادلون التجارب والافكار. ويسألون: "هل انتهت الحرب، وهل تجاوزنا الماضي، واي دور تلعبه الطائفية والمذهبية والسلاح غير الشرعي في اعادة اجواء الاقتتال والتفرقة والدمار، وما السبيل الى البدء من جديد واخذ العبر قبل فوات الاوان؟".

خطوط التماس ... صور نمطية وصراعات جديدة


ميرنا نصر الدين، صحافية تعمل لدى موقع "نهارنت" الاخباري، تعتبر ان "خطوط التماس القديمة ترمز الى حدة التفرقة وهاجس الخوف من الآخر وعدم تقبله، وشعور الكراهية والحقد بكل ما في هذه العبارات من أبعاد مخيفة ومدمرة للإنسانية والمجتمعات". ولا تستطيع ميرنا الا ان تتوقف عند هذه العبارة "مذعورة وخائفة" ومتسائلة عن مصير وطن ممزق يتقاتل فيه الشركاء كل يوم تحت عدة عناوين وشعارات.

من جهته، اراد الطالب فراس دبّاغ ان يمحي الصورة النمطية "للبنان الحرب" من ذاكرته. فنشط في الجمعيات الاهلية، واختلط بكل شرائح المجتمع حرصاً منه على ان يكون "لبنان لكل اللبنانيين" وان لا تفرقة بين مسيحي ومسلم، او بين سني وشيعي ودرزي وماروني. الا ان الحديث عن خطوط التماس يعيده الى "بيروت الشرقية والغربية والى صورة تحمل ألماً كبيراً لا يُنسى"، والى زمن مضى "عندما كانت فيه المعارك تدور في الازقة والاحياء مستهدفةً الابرياء".

ادهم الحسنية، شاب يدرس الهندسة في جامعة الحريري الكندية، ملّ الصراع الطائفي والمذهبي في البلاد، ليخوض مع رفاق له معركة قاسية لالغاء النظام الطائفي ولاسقاط رموزه السياسية في بلد تم استغلاله بخيراته ومقدراته وطاقات شبابه لمصلحة هذا الزعيم او ذاك، اذ يعتبر ادهم ان "عبارة خطوط التماس تذكرني بزمرة اشرار جروا "ناس" ابرياء الى حرب ليست حربهم، و الى قضية ليست قضيتهم"، لدرجة انه كلما يمر في الشوارع والمناطق "المختلطة" التي شهدت ما شهدته من دمار وخراب على مدى 15 عاماً من الحرب الاهلية يسأل نفسه "هل يُعقل ان امراء الحروب والمجازر تحولوا اليوم الى زعماء وقادة يهتف لهم الشعب ويصفّق؟".

يسكن علي منصور في منطقة الضاحية الجنوبية، ويعيش كغيره من الشباب اللبناني يوميات الصراع الداخلي المتفجّر في البلاد، اضافةً الى الكباشات السياسية التي لا تنتهي بين هذا الحزب او ذاك، وبين هذه الجماعة او تلك. فالحرب بالنسبة لعلي لا تعني له شيئاً "إلا كونها ذكرى مأساوية ومعيبة اقترفها اللبنانيون". ويعتبر علي ان خطوط التماس كثيرة وعديدة في لبنان، ومن بينها خط الشياح - عين الرمانة الذي يُعتبر الخط الاخطر على هذا الصعيد". ويأسف علي لمقولة شرقية وغربية، مشيراً الى ان "الاصطفافات المذهبية الجديدة كرّست خطوط تماس جديدة، اذ تسمع بين الحين والاخر من يتكلم عن الضاحية الجنوبية بمواجهة طريق الجديدة، وهذا لأمر مريب".

ميليسا لوقية، شابة عابقة بالحياة والنشاط والامل، تحاول بناء مستقبلها على اسس صحيحة متحررة من تبعات زمن غابر، ومن تصرفات خاطئة كادت ان تودي بلبنانها الى الهاوية، تعتبر ان خطوط التماس كانت الخط الفاصل بين طائفتين من اللبنانين: المسيحية والإسلام. اما اليوم وبعد 21 عاماً من انتهاء الحرب وسكوت اصوات المدافع والرشاشات، فقد ارتسمت خطوط تماس جديدة تفصل بين فريقين متخاصمين، اي 14 آذار، و8 آذار".

الطائفية ... بوسطة عين الرمانة الجديدة

يتّفق الشباب على دور الطائفية والمذهبية السلبي في استمرار مفاعيل الحرب النفسية والمعنوية الى هذه اللحظة، اذ يصفها علي بانها "ورم سرطاني خبيث اوصلنا الى الخراب والدمار والجهل واعصب أعيننا مما ادى الى تدمير البلد على كافة المستويات ولهذا فلا بد من استئصاله باسرع وقت ممكن". اما ادهم فيعتبر ان "الطائفية عار وجهل و اسوأ من القبلية والعشائرية وهي عصبية بائدة يجب القضاء عليها، خاصةً وان اكثر من 4 مليون خط تماس بات يحيط كلّ واحد منا في هذا البلد".

والوضع مشابه بالنسبة لميرنا التي تتأكد يوماً بعد يوم ان "لا شيء يدمرنا ويدمر بلدنا اكثر من الطائفية بكل أبعادها، على اعتبارها تخلق خطوط التماس التي نخشاها، وتحصن وتحمي كل قاتل وسارق وناهب ومهدد، ومجرم، كما انها تجعل من القاتل قتيل ومن الصياد فريسة".

توافق ميليسا على التوصيف، فترى انه "على الرغم من أن تعدد الطوائف في لبنان يعتبر من إحدى سماته الايجابية، غير أنها تساهم اليوم في تدمير البلاد، خاصة وان هذه الطوائف (بزعمائها) تسعى إلى تأمين مصالحها بدلاً من السعي وراء مصلحة الوطن واهله". اما فراس فيختار تعبيراً "اكثر قساوة" من رفاقه، واصفاً الطائفية "بالدعارة"، على اعتبار "أنها تشتّت الجميع وتقسّم وتنهش ما تبقّى من أجسادنا وعقولنا، خاصةً وان النّظام اللّبناني قائم على تعدّديّة في الشّكل وتعصُّب طائفي في المضمون، وهو ما يسمح باستمرار هذه العقلية رغم انتهاء الحرب وعودة السلم الى البلاد".

وترى ميرنا "ان الطائفية هي التي تشرع لغة التخوين ورفع الأيادي بوجه الآخر، كل هذا بسبب احتمائنا بالطوائف التي نفشل في استخدامها فتصبح طائفية مدمرة... وباختصار، فالطائفية هي كارثة حقيقية على الوطن والإنسان".

السلاح غير الشرعي ... استمرار للخوف والرعب والقتل

مما لا شك فيه ان السلاح غير الشرعي يلعب دوراً اساسياً في استمرار لغة الحرب ومفاهيمها على الساحة اللبنانية. ففي العام 1990 وبعد توقيع اتفاق الطائف، تمّ تسليم كل سلاح ميليشياوي للجيش اللبناني، وبدأت الدولة "الناشئة" باعادة بناء ما تهدم بعد سنوات من التقاتل الرخيص. الا ان اسلحة اخرى لم يتم نزعها، فبقت عائمة في دويلات مستكبرة، ومتعالية على منطق الشرعية.

وفي هذا الاطار تشير ميرنا الى ان "انتشار السلاح يساهم بخلق خطوط تماس بين أبناء البلد الواحد. وإن كان هناك شيء مثير للخوف ومشرع للفلتان هو السلاح الخارج عن سلطة الدولة والجيش".

السلاح يعني أنا أملك الحق ان اقول ما اريد، وان اتصرف كما اشاء، وان اقتل من يقول لي كلا... وللسلاح هذا سجل طويل في التاريخ اللبناني. اذ ان تسلّح القوى اللبنانية في اواخر الستينات، وفي اواسط السبعينات سرّع من عجلة الدمار وخلّف ما خلّفه من قتلى وجرحى ومفقودين ومخطوفين ومآسي.

السلاح الذي بحوزة "فئة لبنانية" يزيد الامور تعقيداً، ويعيق بناء الدولة الحقيقية الجامعة، ويطيح بالمساواة بين كل المواطنين دون اي تفرقة. لانه يكرس امراً واقعاً وخوفاً مستمراً، وقلقاً متزايداً من الاخر. وهذا من شأنه ان يعيدنا الى الحرب التي نرفضها اليوم، والتي نحتفل بذكراها ال36 المشؤومة.

يشير علي الى "السلاح الفردي المنتشر في البيوت"، مشدداً في الوقت نفسه "على ان عدم ضبط السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وسلاح حزب الله من شأنه ان يؤدي الى خراب الدولة وجعلها دولة منتهكة بلا قانون". اما فراس فيقول: "لن تقوم دولة إذا بقي الجميع يهلّل لسلاحه ويعتبرهُ مُنزَلاً ومقدّساً"، بينما تطالب ميليسا ان "يكون السلاح بيد الدولة والجيش اللبناني، المسؤول الوحيد عن حماية الأرض والوطن وتأمين الأمن والسلام لكل المواطنين".

الحرب الاهلية ليست قدراً ...

بعد 36 عاماً من اندلاعها، يمكن القول ان الشباب اللبناني بمختلف انتماءاته بات واعياً لما يمكن ان تتسبب به الحرب – اي حرب - من مآس دموية قذرة قد تعيدنا مجدداً الى الوراء، وتُدمي ذاكرتنا الحبلى بالاحداث.

الا ان جيل اليوم (على ما يبدو) حريص على عدم العودة الى الماضي الاسود، والى رأب كل التصدعات، من اجل بناء وطن قادر على العيش بدل الاحتضار، وعلى التطور بدل الانكسار، وعلى التعلّم من العبر والتجارب بدل الاستمرار في الغرق بوحول طغيان المذهبية والطائفية والحقد والكره والافكار المسبقة.

الخلاصة تقول بأن الحرب الاهلية ليست قدراً، انها حدث نصنعه بأيادينا ونستدرجه نتيجة جهلنا وضياعنا وتعاستنا، وعدم تقديرنا لمستقبلنا ولحاضرنا. ولهذا فقد حان الوقت لنتعلم من تجاربنا كي لا نقع مرة اخرى في فخ الحرب ودهاليزها المدمرة... تنذكر وما تنعاد.

سلمان العنداري ...SA

الثلاثاء، 12 أبريل 2011

الحرب الاهلية اللبنانية ... مستمرة حتى إشعار آخر

مشاهد الحرب الاهلية تكاد لا تغادر الذاكرة ولا تتركنا ...
ستة و ثلاثون عاماً مضت, و الصراعات و الحروب و التقاتل الداخلي لم ينته بعد, فمن قال ان الحرب اللبنانية التي بدأت في 13 نيسان عام 1975 مع بوسطة عين الرمانة, انتهت بعد توقّف أصوات المدافع والرشاشات والقنابل وتوقيع إتفاق الطائف الذي انهى معاناة الداخل ؟. ومن قال أن المتاريس ومظاهر التسلّح وخطوط التماس الحمراء اختفت واضمحلت الى غير رجعة بعد الإنتقال من حالة الحرب الى حالة السلم ؟ .

للأسف , فمنذ العام 1990 ما زلنا نعيش و نتعايش مع امتدادات هذه الحرب وتداعياتها على النفوس والعقول, ليصبح معها الخطاب السياسي وتقاذف التهم والشتائم أقوى وأفعل من نيران الموت على الجبهات المتواجهة, ولتزداد معها الهواجس والفواصل بين من يفترض بهم أن يكونوا قد تعلّموا من تجربة اللعب بمصير البلد والرقص على تناقضاته, لإقتناص فرصة ذرّ الحقد في العيون للتفريق أكثر وأكثر بين الأزقة والأحياء والساحات, ولينسى من يفترض به ان يتذكّر , أن العزف على أوتار الطائفية و المذهبية الضيقة يزيد من تدمير مقدّرات وامكانيات الخلاص المعهود والمطلوب, لتمحى بذلك الذاكرة الجماعية الحافظة والجامعة لكلّ افراحهم واطراحهم وآلامهم وشهدائهم ومصائبهم .

أوليست الحرب الكلاميّة والإنقسامات الدائرة اليوم أعنف وأقوى واشد قساوة من الحرب العسكرية الميليشياوية التي شهدتها البلاد لفترة 15 سنة ماضية ؟, و لهذا يمكن القول ان الحرب لن تنتهي بعد .

ستة وثلاثون عاماً مضت, ولم نتعلّم بعد حبّ الوطن والأرض وتقبّل العيش بكرامة, بمحبّة وتعاون دون خوف او حذر مغلّف بكره او مصلحة التعايش من اجل الضرورة , و لم نتعلّم بعد معنى المواطنة الحقيقية, فضاعت الهوية في دهاليز التقوقع, و توزّع الإنتماء بين الدول المجاورة التي زادت من نفوذها وسطوتها على الارض المحروقة, لتوزّع الأوامر والإملاءات على الاطراف السياسية كافةً بعد ان وزّعت السلاح على اطراف النزاع سابقاً وتفرّجت عليها تتذابح و تلعب بعنف في بركة الدم الغارقة في السواد والاسى .

ألا يستحق لبنان أن يعود سويسرا الشرق, ولؤلؤة هذا العالم العربي , والوطن – الرسالة الجامع للاديان والحضارات, ومركز الحوار العالمي بين كلّ الثقافات في كل المجالات؟, فلماذا الإصرار على الإستمرار في التعطيل ونشر سياسة التفرقة, وتعميم فكرة أن هذا الوطن لا يصلح للعيش لأن قوة الموت واليأس والخسارة فيه اقوى من أي شيء آخر ؟.

 لماذا الإصرار على إعادة سيناريوهات الحرب بدل العمل على إنهائها والشروع الفوري بجهود الجميع ببناء مفهوم جديد للمواطن وإلغاء الطائفية السياسية, وصولاً الى استحداث نظام سياسي عصري يطوي صفحات الماضي الأليم وينظر بجرأة الى المستقبل ؟ .

إذن فالحرب لن تنته بعد, على الرغم من حصول الكثير من التحوّلات والتغيّرات في تركيبة المجتمع اللبناني , الا أننا ما زلنا في مرحلة مبكرة كي نقول انّ مفاعيل هذا الكابوس قد انتهت, وأن البوسطة الحمراء اخمدت فيها النيران وتوقّفت عن بثّ الضغائن.

على الرغم من تلاقي بعض اعداء الأمس في الساحات ,( إن في 14 أو 8 آذار ), فإن الإنقسامات الحاصلة اليوم تبدو أعمق وأكثر خطورةً من ذي قبل, فمتى تتلاقى الساحتان و يعتذر القادة والأطراف من وطنهم الممزّق ؟, ويطلبون من شعبهم السماح و المغفرة، لتبدأ بذلك حقبة جديدة من التاريخ ؟ .

فهلّ سيأتي اليوم الّذي نقول فيه على الملأ " تنذكر و ما تنعاد " ؟, ام أننا اعتدنا تكرار التجارب و الوقوع في أفخاخها كل 15 سنة أو حتى اقلّ ؟؟.

سلمان العنداري ... SA  

الاثنين، 11 أبريل 2011

كرمال شو ولمين؟ ... هل تعلّمنا من تجربة الحرب الاهلية؟

لبنان ... المأساة مستمرة بأقنعة جديدة ...
تمر ذكرى الحرب الاهلية كل عام، فنتذكّر معها مسلسلات الاغتيالات والخطف والدخان والنار والقتل على الهوية، نتذكر ولا ننسى تلك الصور السوداء التي طبعت الذاكرة الجماعية والتي خدشت تاريخ وطن، خطيئته الوحيدة كانت بالنسبة للبعض انه جمع مختلف الطوائف والمذاهب والاديان. فماذا قالوا الشباب في ذكرى الحرب وما رأيهم بها؟.

يصف الناشط في المجتمع المدني حسين عمار من منطقة بعلبك الحرب الاهلية اللبنانية بانها من ابشع الحروب لأنه "من الصعب جداً ان تكون في بلد غني بطوائفه وتنوعه وتنفجر فيه الحروب والنزاعات".


حسين الذي لا يتذكر الحرب يتمنى على كل اللبنانيين ان ينسوا مآسيها "لأنها لا تؤدي الى الصواب بل تأتي دائماً بمزيد من الخراب، فبلد كلبنان من الخطأ ان نمزقه ونضرب فيه مبدأ السلم الاهلي والعيش المشترك بعرض الحائط بدل الاستفادة من هذا التنوع الى اقصى الحدود".

من جهة اخرى، تعتقد سحر الامين من النبطية انه "آن الآوان كلبنانيين ان نقول كلمة فاصلة اليوم قبل اي يوم آخر، وهي ان نطالب بالسلام والعيش المشترك بكرامة وعدم الدخول في المتاهات المعقدة التي تكشف لبنان وتجعله مجدداً ساحة للصراعات والاحقاد ومسرحاً للدماء، ولهذا لا بد من ممارسة هذا السلام ليصبح ثقافة راسخة وشاملة تجعلنا ننظر بكل فخر وقوة وعزم الى المستقبل من جهة، وتعلمنا من تجارب الماضي الاليم من جهة اخرى علّنا نتغيّر في مقاربتنا للامور ونظرتنا الى الوطن".

" الحرب اللبنانية التي بدأت بالبوسطة تستمر الى يومنا هذا بأشكال اخرى جديدة "، هذا الكلام لسلام كبول من الشوف الذي أسف لممارسات البعض الميليشياوية ولتصرفاته ضد الشريك الآخر بعد اكثر من 18 سنة من انتهاء الاقتتال الداخلي.


 كبّول نسي الحرب التي لم يعشها ولكنه سمع بها مراراً وتكراراً، الا انه تصالح مع نفسه عندما ادرك " ان الشباب اللبناني غير منقسم على ذاته والدليل اننا نتواجد معاً في كل المراحل ومن كل الفئات والطوائف، وان ما يشاع عن انقسام خطير على المستوى الطائفي غير صحيح بتاتاً، واطالب انطلاقاً من ذكرى الحرب الى محو جراح الماضي الى الابد".

وبالحديث عن "النسيان"، تقول الصحافية تامي قزحيا من شرق صيدا "اكيد لن انسى الحرب، لأن الاحباط ينتابني كلما افكّر بالسبب الذي دفع اللبنانيين للتقاتل والتذابح ولأي قضية؟، ينتابني الاحباط والضعف عندما ارى الخراب الذي اصاب وطننا الحبيب، واعداد الشهداء الهائلة وضحايا الحرب المميتة".


 وتضيف قزحيا "اتضايق كثيراً عندما ارى المصابين بالعاهات والاعاقات من جراء هذه الحرب المؤذية وهذا ما يجعلني اتساءل واسأل : شو إجانا من الحرب؟، من اجل من ولماذا؟."

الاسئلة لا يجد لها جواب وائل ابو دياب الذي يسكن في الشويفات، ولكنه تخوّف من تكرار الاخطاء والتجارب مرة اخرى "لأن المنطق العسكري والميليشيوي يتحكم بكثير من العقول الفارغة من الناس، ولهذا اعمل بكل جهد كشاب لبناني على رفض العنف والتباعد وارساء ثقافة الحوار بين الشباب اللبناني على اختلافهم كي لا يتحول هذا الاختلاف الى خلاف يقلب الطاولة مجدداً ويخلّ بالموازين".

اما عبد خطّاب من بيروت، المدينة التي دمرت وتهدمت مرات ومرات من جراء التقاتل والتراشق بالنار بين هذه الفئة وتلك رأى "انه حان الوقت كي نقول كفى لكل اشكال الترهيب والتخويف والتباعد، لأن مصيرنا ان نعيش معاً وان نبقى معاً وان نموت معاً، انه لبنان وعلينا الحفاظ عليه ولهذا لن نسمح لاحد ان يكرر السيناريو لتعود بيروت رمزاً للارهاب والبؤس والدمار، انه زمن الحياة والتعلّم من الاخطاء، ولهذا فليرحل شبح الحرب الى الابد".


هذا ما قاله مجموعة من الشباب "كرمال شو ولمين؟"، سؤال يجب ترداده وتكراره عند كل استحقاق. فهل نتعلم من تجربة الحرب؟

سلمان العنداري ...SA
مقالة كتبتها في وقت سابق في ذكرى الحرب الاهلية، سألت فيها اصدقائي عن معاني هذه الحرب ومآسيها... تنذكر وما تنعاد.

الأحد، 10 أبريل 2011

رسالة الى السيّد موسى الصدر في زمن السلاح والمذهبية

اين انت يا سيد موسى الصدر؟؟ ...

في وقت يتناتش فيه زعماء لبنان على الحصص والمغانم والمكاسب والمصالح، وسط فساد مستشري غير معهود من شأنه أن يدمّر البلاد ومقدّراتها، وفي وقت تجنح فيه بعض الجماعات والفئات الى الهاوية بفعل سياساتها الانشطارية – الانفصالية، لا يسعني الا ان اذكر واحداً من كبار رجالات هذا البلد واكثرهم انفتاحاً... انه الامام المغيب السيد موسى الصدر.

ومن منا لا يعرف الامام الصدر؟. الرجل المنفتح والمحبّ الى لبنان وأهله. الرجل الهادىء والعابق بالفكر والامل والوحدة. نستذكره اليوم في وقت يعاني فيه الشعب اللبناني من الإحباط الشديد في وطن يحترق بفعل التناتش المذهبي والطائفي الذي ينهش مستقبلهم نهشاً قاسياً دامياً من دون أي رحمة، ودون أي أمل بالخلاص.

يقول السيد الصدر: "لا يمكن أن يسكت المؤمن بلبنان، المؤمن بكرامة الإنسان، يخوفوننا من الانفجارات الطائفية، نرد الاتهام الى صدورهم. فلماذا يُطلب من الشعب اللبناني أن يحيا أبداً تحت ظل الإقطاع السياسي متخبطاً بالانتماءات. لقد جمدونا بإسم الطائفية، وأنا أرفض ذلك".

اليوم... الوضع تغيّر كلياً، فالطائفية تأكل العقول وتنخر بالجسم اللبناني المريض وما تبقى من قيم المواطنية التي لم تكن موجودة أصلاً. فالصراعات التي تعيشها البلاد حالياً أصبحت أخطر وأدق من ذي قبل. المذهبية باتت اللغة الحاكمة في الشوارع والأزقة والأحياء. الفتن تتنقّل تباعاً من منطقة الى أخرى، ونار تغلي تحت رماد جائع ينتظر اللحظة الحاسمة.

إنه لبنان اليوم، حيث يسعى الجميع (في الداخل والخارج) الى اقتناص الفرص واستغلال الواقع المريض. أما الخطاب السياسي، فقد تحوّل الى خطاب طائفي ضيّق، سطحي وتهييجي، يسعى لنصرة الطائفة والمذهب والملّة على حساب الوطن، حتى ذهب به البعض حتى النهاية في هذا المنطق، فخاضوا الحروب، وهددوا مراراً وتكراراً في سبيل بقاء هذه الطائفة أو تلك فوق الجميع، حتى فوق منطق الدولة بذاتها التي كان الإمام الصدر قد ناضل من أجل قيامها سنوات وسنوات. ولهذا نجد تلك الاحتقانات والتوترات المذهبية تزداد، وإن بشكل مستتر بفعل التراكمات والأخطاء التي ترتكبها القوى اللبنانية بحق يعضها البعض، فيستمر خطاب التخوين والتهديد والوعيد، وتستمر معها الحملات المنظمة من هنا وهناك لإسقاط الدولة ومؤسساتها، ولإضعاف سلطتها ووجودها عى حساب معادلات أخرى مركّبة لا تخدم إلا تلك المشاريع الاقليمية التي تقضم لبنان وتهدد كيانه.

أين أنت أيها السيّد المغيّب لتقل لنا ما العمل؟، وكيف السبيل لنبذ هذا التباعد بين الأفرقاء في لبنان؟... فمنذ أكثر من 36 عاماً، عندما اندلعت الحرب الأهلية، دعوتنا الى حفط الوطن حين قلت: "إحفظوا وطنكم لبنان وفي قلبه مكان للثورة الفلسطينية"، والى الفلسطينيين: "إحفظوا قضيتكم التي جعلت من قلب لبنان عرشها"... والى المسلمين والمسيحيين: "استيقظوا جميعاً وانبذوا الدخلاء... فليسجل المسيحي اللبناني من جديد موقف الفادي، وليجدد المسلم اللبناني سلوك الرسول الكريم".

الإمام الصدر، الذي دخل الأديرة والكنائس، والذي كان متسامحاً ومنفتحاً على كل الطوائف والمذاهب في لبنان، والذي كان يُطالب على الدوام بضرورة تحقيق العيش المشترك بين الناس، كان يدرك أين يكمن الخطر، إذ قال: "يخوفوننا من الانفجارات الطائفية. الخطر ليس هنا. أنا أول من ينادي بإلغاء الطائفية وضرب المحتكرين الذين يتشبثون بالطائفية. ويخلقون الفتن. لي الحق في أن أصرخ وأغضب. إن المسيح نفسه غضب عندما دخل الهيكل ووجده ملعباً للمحتكرين والمنافقين. حمل السوط وطردهم قائلاً: بيتي جعلتموه مغارة للصوص". والسؤال يبقى، هل يخرج المنافقون والمحتكرون من الهيكل؟، وهل يتغيروا ويعودوا الى لغة العقل والضمير، وبالتالي الى رحاب الوطن بدل التلطّي بسياسة المحاور والأحلاف الاقليمية البعيدة كل البعد عن دور لبنان وموقعه ومصلحته؟".

دعا الإمام الصدر مراراً وتكراراً حتى في وقت الحرب اللبنانية البغيضة الى نبذ العنف والى الحوار السلمي الديموقراطي سبيلاً لتحقيق الإصلاحات السياسية والاجتماعية وتأمين السيادة والشرعية، قائلاً: "نعم السلاح زينة الرجال حين يُرفع فقط ضد الاحتلال"...

أما اليوم، وفي زمن السلاح والعنف والطائفية والمذهبية البغيضة، نقول إننا بحاجة الى الإمام الصدر بيننا، في وقت وجّه فيه السلاح "المقاوم" الى صدور المواطنين بعد "ضياع البوصلة"، وفي وقت بات فيه الحزب "المقاوم" يشعل النار على الجبهات، ويحتل المدن، ويطوّق الناس ويعنّفهم ويهددهم، ويزهق بيروت بالإطارات النارية والدراجات المسلّحة، ويُقحم البلاد بالمشاريع الايرانية التي تسعى للقبض على العالم العربي من خلال التدخل في شؤونه الخاصة، واللعب على الوتر المذهبي الطائفي الضيق.

وبعد هذا الكلام يُطرح السؤال: هل يمكن اعتبار هذا السلاح الذي جنح الى الداخل، والذي استعمل في الأزقة والأحياء زينة الرجال والشرفاء بعد اليوم؟...

تحية لك يا سيّدي المغيّب اينما كنت

سلمان العنداري ... SA 

الخميس، 7 أبريل 2011

صنوبر المتن الأعلى في لبنان "ذهب أبيض".. لولا الحرائق والباطون المسلح

صنوبر لبنان ... مساحة الامل المتبقية وسط الحالة السياسية والطائفية المذرية

إذا كان الأرز يُشكل رمزاً وطنياً وسياديا ووجدانيا لكل اللبنانيين، فإن شجر الصنوبر يُعتبر الرمز الذي لا يقل أهمية عن الأول بالنسبة لغالبية أبناء منطقة المتن الأعلى في جبل لبنان، تلك المنطقة الخضراء التي تنبض بالحياة والمحبة والعيش المشترك، والتي تتمتع بطابع خاص ومميّز، ألا وهو كثرة أشجار الصنوبر التي تُغطيها بشكل كثيف، وتبلغ مساحتها نحو 4139 هكتارا من قضاء بعبدا، وتشكل ثروة تمتد من وادي لامارتين الشهير الى السفوح والتلال الأخرى لتلك المنطقة، لكن التمدد العمراني والباطون المسلّح يهدد هذه الثروة.

وسكان المتن الأعلى شديدو التعلّق بهذه الثروة الحرجية، ففي فترة السبعينات من القرن الماضي، كانت مهرجانات الصنوبر السنوية تعمّ مختلف القرى والبلدات، واليوم فإن بلدة رأس المتن ما زالت محافظة على هذا التقليد من خلال استمرارها في تنظيم مهرجان الصنوبر الذي تستضيفه هذه "القرية الصنوبرية" في صيف كل عام، وهذا ما تؤكده مسؤولة جمعية سيدات رأس المتن، منى غزال، التي اعتبرت "إن إقامة تلك الفعاليات ليس إلا تكريم وتأكيد على أهمية هذه الأشجار ونظرة المجتمع إليها"، وحتى الرسامون والموسيقيون والشعراء يستلهمون إبداعاتهم وأفكارهم من تلك الأحراج والغابات. فالشاعر هنري زغيب كتب عنها، والفنانة زينة العنداري الأعور تجد في شجر الصنوبر الوحي الكافي لإطلاق أحاسيسها وأحلامها في لوحاتها، وتقولا لولا "منطقة الصنوبر" لما كان للطبيعة موقعاً خاصاً في لوحاتها، وكذلك الفنان جمال أبو الحسن الرائد في الموسيقى المشهدية في الشرق، والذي أدى في أعماله رسالة حضارية عريقة حملت تُراث هذه المنطقة الى العالم أجمع، رسالة كانت وما زالت مجبولة بعبق أحراج الصنوبر المطلّة من على شرفة منزله في بلدة بتخنيه.

وفي أصل تلك الشجرة في المنطقة، وحسب ماجد زيدان "فإن الأمير فخر الدين هو أول من زرعها وجاء بها من تركيا منذ أكثر من 600 عام، وقد شجّع على زراعتها من أجل الاستفادة منها والاستثمار فيها".

ولشجرة الصنوبر أهمية كبرى من الناحية البيئية، فبالإضافة الى كونها ملجأ للحياة البرية، فهي تعمل على الحد من انجراف التربة، والانزلاقات الأرضية، والانهيارات الصخرية، كما تُساعد على زيادة المياه الجوفية وعلى تلطيف المناخ، والحد من التلوث، فضلاً عن توفير الأوكسجين.

ومن الناحية الصحية، ينصح الدكتور ماهر الرامي ذوي أمراض الربو والذين يُعانون مشاكل في التنفّس، بالعيش بين أشجار وأحراج الصنوبر باعتبارها تُنقّي الهواء وتوفّر الجو الصحي الملائم لهم.

وبالإضافة الى ذلك، فلغابات الصنوبر أهمية كبرى من الناحية الاقتصادية والاجتماعية، فهي تُعتبر المصدر الوحيد لآلاف العائلات في تلك المنطقة في معيشتهم، حيث تلعب دوراً بارزاً في جذب السياح، الذين يقصدون المنطقة سنوياً، وبالتالي فإنهم يؤمنون مدخولا إضافياً للسكان، كما تُعتبر مصدر رزق للعديد من السكان المحليين لما تنتجه من مواد يتم بيعها، ومن خلال فرص العمل التي توفّرها. فالصنوبر الأبيض يبلغ سعر الكيلو الواحد منه نحو 33 دولاراً أميركيا، ويذكر وليد أبو الحسن أن الناس تطلق على ثمر الصنوبر اسم "الذهب الأبيض"، وذلك لارتفاع ثمنه ولمردوده الكبير عليهم، ولندرته في السوق. وبالإضافة الى ذلك يتم الاستفادة من الحطب التي تنتجه من خلال التشحيل، والأكواز الفارغة، والقراعة، والحب الأسود المستخرج منه الحب الأبيض.

أما نقيب عمّال ومُزارعي أشجار الصنوبر في لبنان فخري المصري، فيعتبر "ان الصنوبر سلعة أساسية واقتصادية مهمة، فهي ركيزة للاقتصاد المحلي من جهة، والاقتصاد الوطني من جهة أخرى"، ويطالب الدولة والمعنيين "بضرورة الحفاظ عليها وحمايتها من المضاربة الأجنبية الضارية"، وبالتالي "تأمين سوق خارجي لتصريف الانتاج المتزايد"، آملاً بازدهار هذه الزراعة في المستقبل القريب.

وانطلاقاً من كل ذلك، تظهر أهمية هذه الشجرة وخصوصيتها في منطقة المتن الأعلى، ومن هنا تعمل البلديات والجمعيات الأهلية والبيئية على زيادة مساحات الصنوبر وحمايتها، وهذا ما يقوله السيد عماد الحلبي من بلدة فالوغا، الذي يرى "ان أرز فالوغا وصنوبرها هما بذات الأهمية"، ويتحدث عن خطة شاملة ستُعلن قريباً بالتعاون مع البلديات الأخرى لتشجير الصنوبر في مختلف القرى والبلدات.

وبالتوازي، تعمل جمعية الثروة الحرجية والتنمية AFDC بالشراكة مع المجتمع المحلي من أجل الحفاظ على تلك الغابات، عبر وحدات تطوّع تابعة للجمعية في عدد من قرى المتن الأعلى، كما تعمل منذ فترة طويلة على تدريب عناصر على تقنيات مكافحة حرائق الغابات والوقاية منها. وبالإضافة الى ذلك تقوم الجمعية بحملات توعية للمجتمع المحلي لتبيان أهمية الغابات من النواحي كافة، والعمل مع المدارس العامة والخاصة من خلال برنامج التربية والتوعية البيئية الذي يستهدف 30 مدرسة في المتن الأعلى، كما تعمل الجمعية على إعادة استصلاح مساحات كبيرة من غابات الصنوبر المثمر التي تدهورت، عبر زرع كميات كبيرة منها بلغت 22882 شجرة.

وبهدف الحفاظ على الثروة الحرجية وتأمين مدخول إضافي للسكان، تعمل الجمعية مع البلديات والمجتمع المحلي على تفعيل السياحة البيئية والريفية، وتنفّذ حالياً مشروع "خطة مستدامة لتأهيل غابات جبل لبنان: استعادة النظام البيئي عبر دعم التنمية الريفية المستدامة" المموّل من الصندوق العالمي للطبيعة (WWF)، والتي تستهدف بعض نشاطاته تلك المنطقة، ويتم من خلال المشروع بناء مركز حرجي ريفي في بلدة قرنايل يهدف الى المحافظة على الثروة الحرجية في المنطقة، ومساعدة المجتمع المحلي، خصوصاً المزارعين، على تطوير إنتاجهم من العسل والصنوبر.

ولمعرفة الأهمية الاقتصادية لشجرة الصنوبر، أبرزت دراسة قامت بها جمعية الثروة الحرجية والتنمية )AFDC(، أن الخسارة التي قد تظهر من خلال خسارة هكتار من أشجار الصنوبر تقدّر بنحو 216000 دولار أميركي في 25 سنة، كون شجرة الصنوبر تحتاج الى 25 سنة كي تبدأ بإنتاج الصنوبر الأبيض من جديد، لذلك تقدّر الأموال التي يتم إنتاجها من غابات الصنوبر المثمر سنوياً في قضاء بعبدا بنحو 35 مليوناً و700 ألف دولار أميركي.

وبحسب الجمعية، "فإن غابات الصنوبر في المتن الأعلى كغيرها من غابات لبنان، تعاني مشاكل جمّة، أبرزها الحرائق التي تقضي سنوياً على مساحات ضخمة من تلك الغابات، كما تبرز في المنطقة مشكلة الامتداد العمراني من خلال المشاريع السكنية الضخمة التي يتم بناؤها على حساب غابات الصنوبر".

ويشكل قطع الأشجار بشكل غير منظّم مشكلة تتفاقم في تلك المنطقة، اذ يطالب الناشطون البيئيون المعنيين بملاحقة ومعاقبة من سمّاهم "عصابات الحطب" لأنها تقضي على مساحات واسعة من تلك الأشجار والأحراج.

أما المشكلة النائمة، فتتجسّد بالأمراض التي قد تتعرّض لها شجرة الصنوبر. وبحسب النقيب المصري، فإن ما يُعرف بحشرة الصندل، وهي حشرة ضارة جداً، تأتي على الصنوبر البرّي أو ما يُعرف بـ"الصنوبر الذكر" وتؤدي الى يباسه بعد اختراقها لبّ الأشجار، وهناك إمكانية لانتقال هذه الحشرة الى الأشجار المثمرة ما يؤدي الى النتائج الكارثية نفسها. وبعد الكشف عنها في مختبرات وزارة الزراعة تبيّن أنها شديدة الضرر على أحراج الصنوبر وأنها تتزايد يوماً بعد يوم.

وترى مسؤولة مهرجان الصنوبر منى غزال "ان هناك إمكانية للسيطرة عليها"، وفي هذا الإطار، يطالب المصري وزارة الزراعة بمكافحة هذه الحشرة، خصوصاً في أحراج صليما ورأس المتن، وبالفعل فقد قامت الدولة برشّ المبيدات من الجو، ولكن تلك الأدوية أثّرت سلباً في النحل وموسم العسل، ولهذا يناشد الوزارة ضرورة استعمال أدوية متوازنة لا تؤذي النحل والمكوّنات الطبيعية الأخرى، معتبراً أن هذا "ليس بكاف"، لأن الخطر أصبح كبيراً، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه فالكارثة آتية لا محال.

وفي مجال آخر يطالب المصري بإعادة إحياء "النواطير" في القرى، حيث تتقاسم البلدية وملاّكو الأراضي أجرة هؤلاء النواطير الذين يراقبون الغابات ويحرسونها ويحافظون على سلامة الأشجار.

قصص وقضايا الصنوبر في المتن الأعلى لا تنتهي، لأنها تبقى "الشغل الشاغل" لعدد كبير من الأهالي والمواطنين هناك، فهذه الشجرة العريقة يعتاش منها الآلاف، وتزيّن بألوانها نهارات المتن ولياليه، ليختلط بذلك اسمها باسم تلك المنطقة، ليصبح صنوبر المتن مواز لمتن الصنوبر، الذي يجهد للحفاظ على هذه الثروة الحرجية الغنية بكل الوسائل، لأن إمكانية تعرّضها للمخاطر المتزايدة سوف تؤدي الى انتكاسات بيئية واقتصادية واجتماعية للجميع، ومن هنا يرى الكثيرون ضرورة أن تدخل سياسة الحفاظ على الصنوبر في صلب ثقافة وتربية كل طفل وشيخ وشاب وامرأة من قرى وبلدات المتن الأعلى، لتُشكل بذلك مدخلاً للحفاظ على البيئة واحترامها وما في ذلك من ضمانة لمستقبل الأجيال القادمة.


سلمان العنداري ...SA

الأربعاء، 6 أبريل 2011

جوليانو مير خميس ... ورصاصات الغدر الدامية


اغتيال جوليانو مير خميس يشكل سابقة خطيرة في التعاطي مع المثقف والمفكر والمبدع في فلسطين

في خبر اشبه بالصدمة، شهدت الاراضي الفلسطينية جريمة مروّعة "من نوع آخر". اذ اقدم خمسة ملثمون على اغتيال الفنان الممثل والمخرج جوليانو مير خميس ابن القيادي الفلسطيني المعروف الراحل صليبا خميس من قادة الحزب الشيوعي الاسرائيلي، والذي يقيم هو وزوجته وابنه في مخيم جنين منذ عام 2000 ويدير فيه مسرح الحرية الذي اسسته والدته ايرينا خميس ابان الانتفاضة الاولى.
تسع رصاصات افرغت في رأس المخرج المسرحي اليهودي المناصر للقضية الفلسطينية كانت كافية لانهاء مسيرة طويلة من النضالات والاعمال المسرحية الداعمة للوطن الضائع، الغارق في قبضة الارهاب والاحتلال الاسرائيلي المتطرف.
وعلى اثر ذلك، خرج المئات من المثقفين الفلسطينيين في تظاهرة حاشدة جابت شوارع رام الله وانتهت امام وزارة الثقافة تعبيراً عن صدمتهم، واحتجاجاً على جريمة هي الاولى من نوعها في الاراضي الفلسطينية.
المؤسف في الامر هو استهداف رمز ثقافي ونضالي كبير، فجاء الاغتيال كنتيجة انتقامية ظلامية مرفوضة لما قام به جوليانو خميس من ابداعات وكتابات واعمال لامست الواقع الفلسطيني، لا بل وضعت الاصبع على الجرح في كثير من المشاهد والقصص التي استخلصها من عمق الالم والمعاناة التي يعيشها المجتمع هناك.
 وكما قال رئيس الوزارء الفلسطيني سلام فيّاض، فان الجريمة الفاضحة بغاية البشاعة ولا يمكن السكوت عنها إطلاقاً، "باعتبارها تشكّل انتهاكاً خطيراً يتجاوز كل المبادئ والقيم الإنسانية، وتتناقض مع عادات شعبنا وأخلاقه في التعايش".
وفي مسرح الحريّة، اضواء خافتة، واجواء حداد وحزن واسى لفقدان المدير العام للمسرح الذي تحوّل الى مساحة حرة للشباب الفلسطيني للتعبير عن مكنوناته وابداعاته.
فقدت جنين ومخيمها كما الثقافة الفلسطينية واطفال الحرية شهيدهم و شهيد الانسانية الذي قضى برصاصات غادرة سوداء اطلقت من قاتل مجهول. وبحسب ادارة الموقع الالكتروني للمسرح، فقد مثل جوليانو للمخيم ولاطفاله نموذج الداعي للحرية و الحريص على الثقافة و الحامل للقيم الانسانية و رمز من رموز ثقافة المقاومة.
مسرح الحرية أسف "ان تكون نهاية حياته حيث بدأها"، ولكنه اكد العزم على ضرورة الاستمرار واستكمال النضال، معتبراً ان "ارادة الحياة تبقي جوليانو باعماله و ابداعاته و بمحبيه من الناس الطيبين حيا دائما في وجداننا، و سيبقى مسرح الحرية رمزا للحرية التي قدم روحه على مذبحها ( اظنها رصاصات الغدر حين هوت تكاد لو ادركت عينيك تعتذر).
"انك يا جوليانو تستحق منا الوفاء لك ولامك ولابنائك و زوجتك و لرسالتك الفنية الخالدة. كل محبيك و تلاميذك سيذكرون فنك و قيمك الى الابد، وليكن اسمك احد اسماء الثقافة الفلسطينية".

الملفت ما قاله صديق جوليانو، القائد السابق للجناح العسكري لحركة فتح  في جنين زكريا الزبيدي عن اعتقاده بأن "مير خميس وقع ضحية صراع القوى على الساحة الفلسطينية، وان قاتله هو فلسطيني تلقى الدعم من منظمة فلسطينية قوية، او من دولة".
كلام الزبيدي يفتح كثير من الابواب، ويطرح الكثير من التساؤلات عن هوية قاتل مير خميس. ففي حال ثبت ان "جهة فلسطينية متشددة" ارتكبت الجريمة، فهذا يعني تحوّلاً فاضحاً للنضال الفلسطيني لبعض "الحركات" التي تدّعي محاربة الكيان الصهيوني لنصرة الشعب الفلسطيني، لأن اللجوء الى تصفية قيادات ثقافية على الطريقة الظلامية، من شانه ان يضيّع القضية، وان يقتلها ويرهقها في مهدها. فأين العدو في شخصية معروفة تُقاوم بالفكر والقلم والصورة؟.
يُذكر ان حركة "حماس" قبيل انقلابها على السلطة الفلسطينية في قطاع غزة قد مارست مثل هذا النوع من عمليات الاغتيال، عبر استهدافها لعدد كبير من نشطاء حركة "فتح" وقيادات وضباط الاجهزة الامنية، الى اغتيال مثقفين. كما رأى محللون ان جريمة مسرح الحرية شبيهة بتلك التي نفذتها حركة "طالبان" الافغانية والحركات التكفيرية التي اغتالت المفكر المصري فرج فودة، وحاولت اغتيال الروائي المصري العالمي نجيب محفوظ.
ان عملية الاغتيال تعود بنا الى زمن مضى، عندما كان يُقتل كل مثقف وثائر من قبل بعض القوى المتضررة من اعماله ورسالته ونتاجه الفني والادبي. لأن ما حدث في مخيم جنين يهدف الى قتل الحركة الثقافية الفلسطينية بالدرجة الاولى، والى اسكات صوت حرّ فضح الاحتلال الاسرائيلي وممارساته، والى تصفية حسابات داخلية بعيدة عن قضية الوطن ومعاناة اهله بالدرجة الثانية.
ان قتل مير خميس مشابه لمقتل المفكر اللبناني – العربي سمير قصير الذي قضى بعبوة ناسفة استهدفته في بيروت عام 2005. وهو اسلوب مخابراتي اجرامي يهدف الى وضع حدّ للصوت الصارخ وللحقيقة التي تفضح الانظمة وممارساتها، فكيف ببعض الحركات المتشددة التي ترى في العمل المسرحي الادبي والفني بدايةً لاضعاف مشروعها السياسي الانفصالي التي دأبت لسنوات على تحقيقه على حساب الشعب والارض والقضية التي تذوب ذوباناً بفعل الخلافات المستشرية بين ابناء البيت الواحد في مواجهة عدو متغطرس، قذر، مجرم، يمارس طقوسه الدامية كل يوم في كلّ من القطاع والضفة على السواء.
الاجدى بحركة حماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية ان تُقلع عن هذه الممارسات الشاذة واللامسؤولة، وان تهتم بكيفية ايجاد حلّ للخلاف الفلسطيني المستشري، وان تعيد ترتيب البيت الداخلي، وان تعيد قطاع غزة الى الحاضنة الفلسطنية، وان تُنهي الانفصال الحاصل بين ابناء الوطن الواحد، او الوطن الضائع.
والاجدى بمنظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ان تعيد تقييم سياستها، وان تعيد تنظيم صفوفها، وان تضع خطة طريق عاجلة لكيفية مواجهة اسرائيل التي تاكل كل يوم الاراضي المغتصبة عبر بناء مزيد من المستوطنات تحت حجج واهية.
والابشع في الصورة، هو استغلال اسرائيل الحادث، حيث تم اقتحام مدينة جنين وتم دهم مسرح الحرية وتفتيشه.
 مسرح الحرية الذي تعرّض للحرق قبل سنتين، والذي تعرّض شهيده لتهديدات بالقتل لاكثر من مرة، سيستمر ولن يتوقف عن العمل، لأن شعلة الامل التي أضيئت منذ سنوات بفعل جهود ونضالات كبيرة لن يُطفئها حاقد، ولن توقفها ايادي مجرمة ملثّمة وجبانة بأي شكل من الاشكال.
رحل جوليانو مير خميس، وكانت نهاية حياته حيث بدأها، لتبقى فلسطين تتخبّط، وتنتظر من يضع حداً للتقاتل الداخلي من جهة، ومن يوقف المجزرة الاسرائيلية بحقها من جهة اخرى...

سلمان العنداري ... SA

الاثنين، 4 أبريل 2011

العراق: قصّة معاناة ... ونهر الفرات الاسود

يستمر الارهاب والقتل في العراق... اذ تنتقل البلاد من مأساة الى مأساة ... نحو الخلاص

مسكينة تلك المظلومة التي لم تزرها الضحكة يوماً، وكم تحمل من اتعاب زمن لم ينصفها يوماً.

"معاناة"، اسم طفلة سمراء اللون ذاقت من هذه الحياة طعم الحروب الدامية، ولم تسمع سوى اصوات المدافع والبواريد والقذائف الجارحة طوال سنوات وسنوات.

ولم تر تلك الطفلة سوى شعباً يتقاتل وبتذابح ويتصادم، ويُقتل كل يوم من دون هدف او جدوى. ولم تمش  على الورد والعشب الاخضر. لا بل مشت بين جثث مزقتها حرقة الاسى واكلتها نار الهشيم...

ومن على ضفاف نهر الفرات، كبرت "معاناة" وشهدت على مأساة وطن اشبه بالكابوس. ليتحول لون النهر الازرق مع مرور الايام الى اسود مرير. الى بقايا هويّات وانتماءات تآكلت بفعل تربّص الدكتاتور وتعنت المستبد، وبفعل حمامات الدم والارهاب التي سببتها الحروب والمغامرات العبثية التي دُفع ثمنها غالياً جداً.

كما ولم تلعب تلك الطفلة بألعاب المحبة والازهار. فاهلها اشتروا لها حبلاً تكبّل فيه افكارها لتضع حداً لاحلامها، لان تقاليد مجتمعها المقفل لا تسمح لا بالاحلام ولا بالامال، ولان كل حالم بغد ووطن افضل مصيره الموت او الاعدام.

 معاناة ولدت لتدفع فاتورة الماضي المخيف البعيد، حيث كان القتل على الهوية احد اهم عناوينه. حينها، كان الموت يدق الابواب وينتهك الاعراض دون حسيب او رقيب.

هناك، كان يُقتل كل من يتفوّه بكلمة. وكانت تعلّق المشانق بحق كل "مُعارض". فمن ليس نسخة طبق الاصل عن النظام هو خائن وعميل وحقير ومجنون وجب قتله حياً فقط لانه مختلف.

هذه هي التربية التي خضعت لها "معاناة" وامثالها. ففي مدرستها الخاصة حيث تدرس التاريخ الخاص،  ينتقي استاذها ما يحلو له من هذا التاريخ.

 وفي الجغرافيا الخاصة، تشرح لها استاذتها مطولاً عن المربع الامني الذي ممنوع عليها اجتيازه، هذا فضلاً عن مواد ومواد اخرى تعلمها كيف تحكم على الاخر قبل ان تراه.

مضت الايام والسنون وكبرت معاناة ونضجت، فتحولت الى شابة جميلة وانيقة يختبىء الخوف في عيونها التي لم تعرف الفرح والحياة او السعادة.

كبرت تلك المحاربة ولم تعرف بعد سبب وجودها في هذا المربع الامني الذي قالوا انها تنتمي اليه.

 ومع مرور الوقت، تكاثرت الاسئلة والاسرار والتساؤلات التي لا تعرف الاجوبة. اذ اكتشفت تلك الشابة انها اصبحت تحلم بوطن حرّ، وطن اخضر تتراقص حوله الكلمات المغلفة بالجمال والوحدة والتنوع.

حلمت معاناة بمئات ومئات الاطفال يلعبون ويلهون في كل دار، حيث المساحات الواسعة والسماء الزرقاء والحريات.

وطن السلام والامان والاخوة والامل والحريات. وطن لا يحكمه ديكتاتور، ولا يسكنه ظالم، ولا يرهبه مستبد.

استفاقت معاناة من حلمها مغتبطة الشعور، لانها رأت لاول مرة صور عن عالم كانت نتمنى ان تعيشه يوماً، فادركت منذ تلك اللحظة ان فكرة الوطن الواحد ممكنة، لا كما يشاع خلف الازقة التي تعيش فيها.

 الا انه يتحتم عليها ان لا تخبر احداً عن هذا الحلم. فالاحلام في مملكة الاستبداد ممنوعة، والا فالنار والعذاب سيكونان بانتظارها.

عندما اكتشفت معاناة ان المحيط الضيق الذي تعيش فيه ليس العالم الحقيقي، اتخذت قراراها بالفرار من المربع الامني وتجاوز كل تلك المتاريس والاحقاد والاوهام، فهرعت هاربة بحريتها الى مكان بعيد.

كان كل شيء مختلف هناك، تماماً كما رأت في الحلم: لا حرب بل سلام، ولا موت وجثث بل حياة وشعب، ولا قمع وظلم واتعاب ومتاعب وخوف وارتهان، فشرعت في المنفى ببناء الوطن الحقيقي بانتظار جلاء الصورة وسقوط البؤس ومفرداته هناك...

مرت الايام ومعاناة منهمكة ببناء دولة الجميع حيث تسود العدالة والحرية والاستقرار والرخاء. الا ان دورية الظلام التابعة للمربع الامني كانت تفتش عنها وتلاحقها، لانها تجرأت على الهرب والتغيير وتجاوزت بالتالي كل الخطوط الحمر.

وفي ليل اسود، ألقي القبض على معاناة، وكبّلت بالحديد. فعادت بها دوريات الظلام الى المربع الامني، حيث اليأس والبؤس والانهزام.

رميت معاناة في ساحة الدمار حيث اجتمع كل اهالي الازقة والاحياء ورجموها بالنار وحجر التخوين... هناك علا صوت الدكتاتور الذي حكم عليها بالموت لانها تعدت على الموروث، وتجرأت على احداث التغيير، وتحدي العقلية الامنية السائدة.

هكذا كُبلت معاناة بسلاسل المعاناة وقتلت لانها ارادت ان تكون مواطنة صالحة في دولة واحدة لا تعرف سوى السلام. قتلت بسلاسل المعاناة لانها عانقت حرية ورايات النصر.

بعد سنوات، سقط النظام، تداعى الخوف، واختفى الدكتاتور. الا ان شبح الارهاب لم يرحم الشعب ، ولم يتركه بسلام.

 بقي العراق حزين، وبقي نهر الفرات اسود اللون، وانتقلت البلاد من مملكة خوف الى اخرى، ومن اكذوبة الى اخرى.

استُبدل الحاكم المستبد بجيش طامع، واستبدل الخوف بارهاب متنقل يقتل الابرياء، وشكلت الفتن الطائفية والمذهبية وقوداً جديداً لاستمرار التعاسة والعذابات.

المعاناة استمرت بعد مقتل معاناة... ويستمر العراق ينتظر الخلاص حتى اشعار آخر.

سلمان العنداري ... SA

عام 2008 وفي اثناء مشاركتي بمؤتمر دولي في دبي تطرّق الى اهتمامات الشباب العربي، التقيت شابة عراقية تداولت معها الاحوال الامنية المتردية في بلادها. ومذاك الحين بقت هذه الصورة في ذاكرتي. وهذه المقالة انشرها اليوم للمرة الاولى بعد 3 سنوات من كتابتها لتبيان حجم المعاناة في العراق الذي ينتظر الخلاص بعد سنوات من الظلم والارهاب والغدر والبطش. على امل الوصول الى دولة حقيقية تسودها الحرية ويسكنها الامل والسلام. كل التحية الى الوطن العزيز ...العراق.

السبت، 2 أبريل 2011

بلاد العرب ... للعرب : حزب النجادة" ينفض الغبار عن نفسه بعد سنوات من "الإنكفاء"

حزب النجادة يعتبر من الاحزاب الاساسية التي صنعت الاستقلال اللبناني عام 1943

بمجرد ان تسمع "بحزب النجادة" يتراءى الى ذهنك على الفور صور لمظاهرات واعتصامات ملأت الشوارع اللبنانية ابّان الانتداب الفرنسي عام 1943 في الفترة التي سبقت الاستقلال اللبناني. ويتراءى الى ذهنك صور غامضة سبق وقرأتها في كتب التاريخ على مقاعد الدراسة، كتوزيع مناشير مجهولة تحت وطأة الظلام في شوارع بيروت تنادي بالحرية وتعبّىء الجماهير...

 فهذا الحزب القديم والعريق الذي انبثق عام 1936 عن جمعية الكشاف المسلم التي كانت منتشرة في سوريا و لبنان منذ عام 1912 تحت اسم منظمة النجادة شبه العسكرية والتي عملت في سبيل تحرير لبنان و استقلاله حتى قام الرئيس عدنان الحكيم بتحويلها الى حزب سياسي عام 1954، يحمل معه "عبق" التاريخ وأصالة النضال الوطني من اجل وطن مستقر وعيش كريم.

 يعود هذا الحزب الى الضوء من جديد بعد غياب او استبعاد او ترقّب لفترة طويلة. يعود "النجادة" كحزب سياسي لبناني ديمقراطي قومي عربي في محاولة لتجديد شبابه واستكمال النضال السياسي الذي خاضه الرئيس عدنان الحكيم حتى وفاته...

وتاريخياً عمل "النجادة" على إرساء دعائم الوطن على ثوابت العدالة والمساواة و تكافؤ الفرص بين ابنائه كافة, و لما يجب ان يكون عليه لبنان الحر السيد المستقل والمنتمي الى تاريخه و حضارته ووحدة مصيره مع امته العربية. وناصر الحزب شعب الجزائر و المغرب و الثورة المصرية في محاربة الاستعمار، ووقف مع الشعب الفلسطيني وحمل قضيته في نضاله البطولي المشرف لاستعادة وطنه كاملاَ منطلقا من شعار النجادة " بلاد العرب للعرب" بلا احتلال و لا استعمار و لا انتداب , حتى انه جعل من مقر حزبه بالبسطا مكتبا لرعاية شؤون اللاجئين الفلسطينيين قبل افتتاح مكتب الانروا في بيروت.

شارك "النجادة" في صنع الاستقلال اللبناني عام 1943 و ساهم في رفع اول علم لبناني في بشامون وعلى المؤسسات الحكومية و البرلمان، و كان له دور مميز في اطلاق سراح ابطال الاستقلال من راشيا و اعادتهم الى مراكزهم في الحكم, كما كان له ايضاَ دور رئيسي في تحريك الشارع اللبناني باتجاه تعبئة المواطنية على مختلف طوائفهم و انتماءاتهم لطرد الانتداب الفرنسي و الوصول الى الاستقلال الناجز. و قامت حكومة الاستقلال الاولى بمنح " منظمة النجادة" وسام الاستقلال المذهب تقديراَ منها لدوره في هذه المعركة و تحقيق الانتصار .

كما شارك الحزب في ثورة 1958 ضد التبعية والانحراف وسياسة الاحلاف الاستعمارية وعمل على ارساء اصلاح داخلي جذري وشمولي على الصعيدين السياسي والاجتماعي والانماء المتوازن .وانشأ اذاعة صوت العروبة عام 1958 ثم جريدة صوت العروبة يومية سياسية لتكون ناطقة باسم المناهضين للاحلاف والانحياز الى غير ابناء هذه الامة المجيدة. وقد اضطرتها ظروف الحرب الاهلية الى التوقف عن الصدور عام 1986 .

يعود اليوم الحزب الى الجذور للبحث عن القدرات الشابة والقادرة على احداث نقلة نوعية تنقل النجادة من مكان الى آخر... من الرتابة والخمول الى الحداثة والحيوية بروحية فائقة قادرة على اعادة ضخّ الدم الجديد في هذا التنظيم. وفي هذا الاطار، يلعب عدنان الحكيم (حفيد الرئيس عدنان الحكيم) دوراً بارزاً في هذه "الورشة". فالشاب الذي يشغل حالياً منصب مسؤول قطاع الشباب، يجهد بكل طاقاته الى "اعادة عقارب الساعة الى الوراء، في محاولة لاعادة الامجاد لحزب الاستقلال".

يعتبر الحكيم ان "الحرب اللبنانية والانغماس في الدماء والعنف والتقاتل الداخلي كانت سبباً اساسياُ لإنكفاء حزب النجادة الذي لم يتوقف عن الدعوة الى الحوار والتلاقي وضرورة وقف النزيف الحاصل في الوطن الممزق بطوائفه ومذاهبه ومشاريعه، الا ان هذه الدوامة المظلمة التي دخلت فيها البلاد منذ العام 1975، ادت بشكل او بآخر الى هذا الانكفاء الشعبي والسياسي للحزب، لتؤثر على حيثيتنا وقدرتنا على التأثير على الساحة الداخلية، فتراجعنا الى الخلف وانتظرنا الحرب الطويلة حتى تنتهي ويتوقف المدفع عن القصف، الا اننا استُبعدنا من العملية السياسية بعد عودة الامور الى سابق عهده الا أننا الحزب الوحيد الذي فضّل عدم سفك الدماء والابتعاد عن العنف".

يتكلم "الحكيم" الذي حمل المشعل عن جدّه "الحكيم "، فيلفت الى انه "كان مسلما حواريا، لان الاسلام يؤمن بكافة الاديان السماوية وتعدد المذاهب, وكان عروبيا حواريا لان العروبة الحضارية تتسع لكافة الافكار, فكان بعضاً من احداث لبنان وبعضاً من آلية حركته، اذ عمل بصدق وشجاعة من اجل ترسيخ صيغة العيش المشترك و السلم الاهلي وتدعيم الوحدة الوطنية متعاليا عن المواقع والمناصب مترفعا عن الحساسيات والصغائر، ورفض الدخول في لعبة الحرب الاهلية القذرة عام 1975 , وتجارة اهل السياسة والنفاق والمال والسلاح والدم وكل انواع البضاعة المحرمة شرعا وقانونا رغم كل الاغراءات والمغريات من هنا وهناك مفضلا التواري والعزلة".

ويضيف: "استحق الرئيس عدنان الحكيم احترام الشعب وتقدير الوطن بان كرمت الدولة بادراج اسم عدنان الحكيم ضمن كوكبة رجالات الاستقلال عندما يحتفل لبنان كل عام بعيد الاستقلال بوضع اكاليل من الزهر على اضرحتهم من الرؤساء الثلاثة, كما كرمته بلديتي بيروت والغبيري باطلاق اسم عدنان الحكيم على جادتين كبيرتين واحدة تحد بيروت جنوبا واخرى تحدها شمالا , عرفانا بجهاده ونضاله و لروح التضحية والخدمة والعطاء والايثار , وكرمز لمبادئ النجادة الوطنية والقومية والوحدوية التي طبعت بيروت بطابعها وهي سيدة العواصم ورمز وحدة لبنان وعنفوانه".

ويرى ان الحزب "حاول اختراق اسمنت الاعراف اللبنانية بتقديم عدنان الحكيم مرشحاً لرئاسة الجمهورية عام 1970 فنال صوته كرمز لكسر الاطواق الطائفية والمذهبية التي تكبل الوطن وتقيد نموه، الا انه اتهم بالطائفية والمذهبية لانه كان ينادي بازالتهما من النصوص والنفوس بالمساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات. الا انه برز كطرف مُصلح ووفاقي ومحبَ للوحدة الوطنية والسلم الاهلي. ويعتبر الحكيم ان حزب النجادة حقق خرقا عندما تم التوصل الى اتفاق الطائف الذي جسد العديد مما كان يقول و ناضل من اجله وينادي به وما ذهب اليه , ولكن بعد الكثير من الخلاف والتقاتل وإراقة الدماء".

يؤكد الحكيم الموقع الوسطي للنجادة، "لا 8 ولا 14"، "اذ نؤمن بأننا مع خط 22 تشرين الثاني، اي الاستقلال والحرية والعيش المشترك، وسنعمل على الدفع باصلاحات ادارية وبنيوية لهذا النظام الطائفي المريض في بلد لم يتحقق فيه الاستقلال بشكل صحيح وواضح". ويختم حديثه بالقول "الوطن للكل...ولازم نبقى سوا كرمال يبقى الوطن".

سلمان العنداري ...SA
مقالة نشرت في موقع 14 آذار الاكتروني

الجمعة، 1 أبريل 2011

الاسد يستقيل والقذافي يسقط و"حزب الله" يسلّم سلاحه واسرائيل الى زوال ؟؟؟

لا بد ان يستجيب القدر ... التغيير هل يتحقق في العالم العربي؟؟؟ ام اننا سنبقى نعيش الكذبة كل يوم؟



الرئيس السوري بشار الاسد في كلمة مباشرة وعاجلة على الهواء يعتذر من شعبه على كل الممارسات التي قام بها نظامه بحق كلّ من تظاهر في الشوراع مطالباً بالحرية، ومن كل من سجنهم او اعتدى على كرامتهم واهانهم في فترات سابقة.
وفي اخبار تناقلتها وكالات الانباء، يعلن الاسد بصراحة عن رزمة اصلاحات شاملة وصادقة، وعن مجموعة قوانين واجراءات كفيلة بنقل سوريا من مرحلة الى اخرى، واولها يكمن بالغاء فوري لحالة الطوارىء المفروضة منذ اعوام، وبالدعوة لانتخابات نيابية وتشريعية شاملة، وبالسماح للاحزاب للعمل بحرية وديمقراطية بعيداً من منطق الحزب الحاكم.
 ويفجّر الاسد موقفاً من العيار الثقيل كاشفاً انه لم يعد يرغب في الاستمرار في ولاية رئاسية جديدة، معلناً عن  انتخابات رئاسية حرّة ستنظم العام المقبل تُنهي عقود من حكم الحزب الواحد.
حالة من الفرح العارم تجتاح المدن والقرى السورية من الشمال الى جنوب البلاد. الشعب ينجح في فرض التغيير السلمي في سوريا. يعود المعارضون ويتحرر معتقلو الرأي، ويتفتّح الياسمين في حدائق الشام الواسعة.
وفي لبنان، يعترف "حزب الله" بان سلاحه بات يشكّل خطراً كبيراً على الكيان اللبناني. فيدعو كل القوى السياسية الى جلسة حوارية عاجلة يسلّم على اساسها سلاحه الى الشرعية والجيش اللبناني في كافة المناطق اللبنانية، مؤكداً ان سلاحه تحت القانون وفي خدمة الدولة في الصراع مع اسرائيل على الجبهة الجنوبية وفق خطة استراتيجية، ويتعهد بأنه لن يستعمل اي سلاح الداخل مهما كانت الظروف، معترفاً بأن جنوحه نحو مشروع خارجي اقليمي سيدمره وسيدمّر لبنان ويضعفه بوجه العدو الاسرائيلي".
وبالمقابل، يسقط النظام الطائفي في البلد. وتنجح القوى الشبابية بفرض حالة جديدة، وفي تكوين صورة جديدة للقيادة في لبنان. وهي قيادة مبنية على الدولة المدنية القوية والقادرة البعيدة عن منطق الطوائف والمذاهب، مع احترام كل الخصوصيات وحقوق الانسان والحريات. فتزدهر الحركة السياسية والشبابية والثقافية والسياحية ويعود لبنان بلداً محورياً فاعلاً في المنطقة العربية، ومركزاً اساسياً للحوار بين الحضارات في العالم".
وفي الاراضي الفلسطينية، لقاء مفاجىء بين اسماعيل هنية وابو مازن، تتبعه مصافحة تاريخية تنهي الخلافات القديمة بين منظمة التحرير وحركة حماس، لتتفق كل الاطراف الفلسطينية في غزة وفي الضفة الغربية على مشروع واضح لاعادة الوحدة الى الشارع الفلسطيني ولرصّ الصفوف والهمم لخوض معركة دبلوماسية شرسة بوجه العدو الاسرائيلي، لدفع الادارة الصهيونية لتقديم تنازلات تعيد الحق الفلسطيني الى اصحابه بعد عقود من اغتصاب الارض والكرامة.
بالتوازي، تعاني "الدولة الاسرائيلية" من ازمات وجودية تمنعها من استكمال مشروعها، لتضطر هذه الادارة تحت ضغط دولي واوروبي وعربي واميركي الى تقديم تنازلات كبيرة، والى الالتزام مرغمةً باتفاق سلام يحفظ حقوق الفلسطينيين والعرب، الامر الذي يساهم في تسريع الانهيار الكامل لهذه الدولة الغاصبة بفعل الضعف والوهن والانكشاف الذي تعانيه.
تعود مصر على رأس النظام العربي بقوة بعد أفول بقايا رموز الحكم السابق. وتعود دمشق قلب العروبة ومهدها، وتتحول الرياض وقطر والبحرين والامارات والكويت الى "هايد بارك" ديمقراطي مبني على احترام الاخر وحقوقه ووجوده ورأيه السياسي. وتخطو هذه البلاد خطوات واثقة نحو التغيير الحقيقي في طريقة الحكم والاداء، فاتحةً قلبها للشباب العربي للعمل والابداع على اراضيها بدون قيود.
وفي ليبيا يسقط حكم العقيد معمر القذافي وتنفجر اهازيج الفرح والتأثر في الشوارع الليبية احتفالاً بسقوط الدكتاتور الاشد بطشاً ومرضاً. 
وفي اليمن يُفضّل علي عبدالله صالح التنحي فيعود اليمن سعيداً بعرسه الديمقراطي الجديد بعد الاتفاق على الية مفصّلة تمنع الفتنة والتقاتل القبلي من شأنها ان تعيد الوحدة الى كل مكونات الشعب في صنعاء وارجاء البلاد.
العالم العربي يعود الى قلب العالم، مركزاً اقتصادياً وسياسياً فعالاً. العراق ينجح في وقف نزيف القتل والتقاتل والارهاب، فيجفف اسبابه ويعتقل كل الجهات الضالعة وراء اثارة الفتن والقلاقل، لتعود بغداد بدورها الى لعب دورها الفاعل في قضايا المنطقة وهمومها.
 وفي دهاليز الامم المتحدة محاكمات بالجملة لمن ازهق الدماء وقتل الابرياء. وعشرات الشخصيات العالمية البارزة تدخل السجن بعد اتهامها بارتكاب مجازر وجرائم ضد الانسانية في عدد كبير من البلدان ومن بينها العراق وافغانستان ولبنان والسودان.
وفي ايران، الثورة الخضراء تملأ الشوارع. وحكم محمود احمدي نجاد يترنّح على وقع احتشاد الملايين في الساحات والمدن... 
مهلاً.... كفى احلاماً اشبه بتوقعات مستحيلة، لان ما قلته ليس الا سرد لاحداث ليست مبنية على وقائع ملموسة، لا بل تخيلات وهلوسات وهذيان.
انه الاول من نيسان، يوم الكذب العالمي  قررت فيه الكذب والتكاذب على نفسي، وتخيّل هذا السيناريو لعالم جديد يُنهي كل المعاناة التي نعيشها اليوم.
نتمنى ان يتحقق الربيع الحقيقي، وان ينتهي الكابوس، ونتمنى ان تتحقق كل الاحلام والامال، فلا شيء مستحيل، لانه بامكان اصحاب الارادات الحرّة ان تُحدث التغيير وان تُصحح المسارات، وان تُعيد ترتيب الامور وفق المفاهيم الجديدة التي تطرحها.
بامكاننا ان نغيّر وان نستفيق من الكذبة الكبيرة التي نعيشها كل يوم. بامكاننا ان نعدّل في الصورة، لا بل ان نرسم صورة جديدة لعالم جديد نقول فيه كلمتنا... فهل تتحقق كل هذه الاحداث يوماً ما يا تُرى؟ ...
انها كذبة الاول من نيسان ... ولكن !!!

سلمان العنداري ... SA