الخميس، 24 نوفمبر، 2011

من بغداد ... الشباب يتحدى الارهاب... نحو ربيع عربي جديد

بغداد عاصمة الثقافة والتلاقي العربي ....

ذهبوا الى "حيث لا يجرؤ الاخرون"... تحدّوا الاقاويل والدعايات الاعلامية المغرضة التي تقول بأن بغداد مدينة خطرة مليئة بالارهاب والقتل واللا استقرار. تركوا هموم بلدانهم وثوراتها واحداثها واخبارها جانباً، ولبّوا دعوة وُجّهت اليهم من قبل وزارة الشباب والرياضة العراقية للمشاركة في فعاليات "الملتقى العربي الثاني للشباب".

الشباب العربي من اكثر من 11 دولة ممتدة من المحيط الى الخليج، كان في ضيافة العاصمة العراقية ونخبة كبيرة من شباب العراق المضياف والمثقف، والساعي الى اعادة الحياة للعاصمة التي تجتاز العديد من الصعوبات، والتي تسعى بارادة الحياة للعودة الى عصرها الذهبي من جديد بعد عقود من الطغيان والقمع، وبعد سنوات من الارهاب والقتل".

من قلب العاصمة العراقية بغداد، انطلقت فعاليات الحدث، وسط حماسة غير مسبوقة من قبل الجهات المنظّمة الساعية الى كسر الصورة النمطية التي كرسّها الاعلام العربي والعالمي عن بغداد التي تتحدى كل المصاعب الامنية والحياتية لتعود مجدداً كمدينة فاعلة على الخارطة العربية، الاقليمية، والعالمية.

المشارك في اعمال الملتقى، يستطيع ان يشعر بهواء الربيع الجديد في بغداد، وبتحسّن الاوضاع الامنية، وبعودة الروح الى شرايين هذا البلد من جديد.

"الملتقى سيعمل على تأسيس اول شبكة عربية للنشطاء الشباب العرب، يكون مقرها في بغداد وتتوزع فروعها في جميع الدول المشاركة". الكلام لمهند شهيد، رئيس اللجنة التنظيمية للملتقى، الذي اشار الى ان "هذه الشبكة ستكون الاولى من نوعها على مستوى الوطن العربي لما تتميز به من مشاركة كبيرة من الشباب العربي، اضافة الى تناولها موضوع الرصد للامور التي تهم واقع الشباب في مختلف المجالات ".

وبرأي جهّات مسؤولة في وزراة الشباب والرياضة، "فان لهذا المرصد اهمية قصوى وضرورة فاعلة في هذه الفترة الحساسة التي يمر بها العالم العربي، وذلك لبناء استراتيجية موحدة لمستقبل العالم العربي عبر توحيد الاليات والرؤى بين شباب العالم العربي لاسيما في البلدان التي تعاني من مشكلات سياسية واقتصادية".

يُذكر ان الملتقى الثاني للشباب العربي جاء مكملا للملتقى العربي الاول الذي عقد في بابل العام الماضي ،حيث اتفق خلاله المؤتمرون على انشاء شبكة عربية لرصد قضايا الشباب والعمل مع الجهات الحكومية لتقويم السياسيات الاستراتيجية الوطنية ".

وفي الجلسة الافتتاحية، القى وزير الشباب والرياضة العراقي جاسم محمد جعفر، قال فيها: "يجتمع في بغداد عاصمة العلم والادب والفن والثقافة الملتقى الثاني لشباب العراق مع شباب الدول العربية للتباحث حول اصعب وافضل المواضيع واكثرها حساسية، انه رصد شباب العالم العربي. ومن هذا الملتقى ومن بغداد مهد الحضارات وبحضور خيرة من شبابنا وشباب الدول العربية من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حكومية وشبه حكومية وتحت رعاية وزارة الشباب والرياضة، نعلن اطلاق مشروع المرصد الشبابي الذي يعد الخطوة الاولى لوضع لبنات المرصد الشباب العربي".

وامل الجعفري في ان " يعم هذا المشروع كل الدول العربية لبناء قاعدة بيانات رصينة وقوية لعمل موحد من اجل رقي الشباب وتوجيههم بالشكل الصحيح ليكون الهدف الاول والاخير بناء اوطاننا وفق صيغ عصرية حديثة مع الحفاظ على مكتسبات حضارتنا الاسلامية والعربية العريقة".

وفي الكواليس، بذل المنظمون قصارى جهدهم لانجاح اعمال الملتقى في محاولة لاعادة الزخم الى الحركة الشبابية العراقية الرائدة والمبادرة في العالم العربي، مشيرين الى ان تفعيل المرصد الشبابي بين شباب الدول العربية بشكل متواصل ومن بغداد بالذات يعتبر خدمة خاصة للشباب في ظل ما تشهده الساحات العربية من تحولات كبيرة في مجتمعاتهم واستثمار مايدور حولنا سعيا لخدمة المصالح العربية العليا.

واضافةً الى ذلك، فان تنظيم هذا الحدث العربي سيخدم العاصمة العراقية وسمعتها، وسيؤكد للجميع ان منعة العراق اصبحت اقوى، وان الاخبار التي تبثّها الوسائل الاعلامية العربية والدولية عن مشاهد الدمار واعمال العنف والتفجيرات لا تمثّل الصورة الحقيقية واليومية لبلاد ما بين النهرين.

ان هذا المشروع سيؤدي الى تكوين قاعدة بيانات شاملة ومتكاملة عن طبيعة الخدمات والبرامج والانشطة والفعاليات الشبابية ستساعد الاكاديميين والباحثين في الشأن الشبابي من خلال تزويدهم بالمعلومات والبيانات والاحصاءات المتعلقة بالواقع الشبابي العراقي والعربي، فضلاَ على الاستفادة من الكوادر البشرية المتميزة في ادارة وتنفيذ البرامج والانشطة الشبابية.

كما ان هذا المشروع سيمكّن المسؤولين من تقييم البرامج والانشطة والخدمات التي تستهدف الشباب وسيوفر معلومات كمية ونوعية لمقدار التطور والتقدم في مهاراته وقدراته وملكاته من خلال مسوحات وارقام واحصاءات منظمة تصدر بشكل دوري ومصنفة وفق المجالات التي تلامسها الخطط والبرامج التي تستهدف الشباب من قبل جميع المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والمنظمات الدولية.

وبعد اكثر من 4 ايام من النقاشات وورش العمل المكثّفة، اتفق الشباب العربي على الشكل الاداري والتنظيمي للشبكة المنوي تأسيسها، "اذ سيتم ادارة هذا المشروع عبر تشكيل مجلس امناء عربي ليكون بمثابة اعلى هيئة ادارية، ثم تاتي بعدها الادارة التنفيذية ولها مدير ومجموعة من الموظفين او المتطوعين يتوزعون على شكل تقسيمات ادارية ذات مهام تخصصية ومحددة وهو مصمم وفق ستراتيجية عمل خماسية الابعاد تهدف الى قياس السياسات الشبابية القائمة وما يرتبط بها من الطرق المتبعة في اعداد وتنفيذ الخدمات والبرامج والانشطة والفعاليات، وفق معايير الكفاءة والفاعلية والملاءمة والعدالة والاثر حيث ستوفر للمسؤولين بيئة مثالية لتفعيل مهامها ووظائفها المتمثلة في الرقابة والمساءلة والتقييم".

واتّفق المجتمعون على عقد "مؤتمر تأسيسي" خلال الاشهر القليلة المقبلة، يُعلن فيه ولادة "الشبكة العربية لرصد قضايا الشباب" بشكل رسمي".

وعلى هامش الملتقى، التقى الشباب المشارك برئيس الوزراء نوري المالكي في جلسة خاصة، مع نخبة مختارة من الشباب العراقي. المالكي وفي دردشة معه اكد أن "الامم لايمكن لها النهوض بدون الشباب"، واصفاً الشباب بانهم "رُسلاً للسلام".

واشار المالكي الى "اننا بحاجة الى اتمام عملية البناء وفق القيم الجديدة وان تكون تلك القيم على اساس العراق خيمة للجميع، فعملية البناء لايمكن ان تسير بشكل صحيح من دون ان يكون للشباب دور في قيادة اجهزتها".

وبدا "سيادة" رئيس الوزراء فخوراً بالانجازات التي تحققت في السنوات القليلة الماضية، لافتاً الى "ان العراق استطاع ان يحقق الكثير من الانجازات وابرزها يتمثّل في القضاء على الحرب الاهلية، ونجاحه في وأد الطائفية خلال فترة قصيرة، في حين ان جميع الدول التي تعرضت لمثل ما تعرض له العراق لم يكن بمقدورها تجاوز تلك المرحلة  الا بعد مرور اكثر من عشرين عاما".

واذ أكد المالكي " اننا نحتاج التصميم والصبر والمرابطة لنستكمل بناء ما تم هدمه في زمن النظام السابق "، موضحاً ً إن " الشعب العراقي أستطاع ان ينطلق نحو البناء والاعمار بفضل تكاتفه ووحدته". شدد على انه اذا " لم يمتلك الشباب الوعي والمسؤولية ربما سينزلق الى 1 منحدرات خاطئة ، ولاسيما وإن الشباب يمتلك طاقات كبيرة ويجب توضيفها بالمسار الصحيح ".

وبعد اكثر من اسبوع من التفاعل العربي، يمكن القول انه تمّ التأسيس لربيع عربي جديد، ينطلق من قلب بغداد الى كل اقاصي عالمنا ومنطقتنا التي تعيش حالياً مخاضاً صعباً نحو الحرية والامل والديمقراطية والاستقرار...

سلمان العنداري ... SA
من بغداد

الثلاثاء، 22 نوفمبر، 2011

تلة الارز ... هناك رفع العلم اللبناني الاول


"على سفح جبل فالوغا حيث عسكر الفوج الوطني الاول الذي تسلّمته السلطات اللبنانية المستقلة بقيادة المقدم جميل لحود، يستظل العلم اول علم لبناني يرمز الى السيادة والمجد ويخفق عالياً في الفضاء، لتخفق معه قلوب الجيش اللبناني وشعبه حبّاً وعزةً وعنفواناً"...

 حُفرت هذه الكلمات على لوحة تذكارية موجودة على تلة الارز التاريخية التي ترتفع نحو 1600 متر عن سطح البحر، وتقع في اعالي بلدة فالوغا في منطقة المتن الاعلى حيث رًفع العلم اللبناني للمرة الاولى.

يروي رئيس بلدية فالوغا سمير غانم القصة في فترة الانتداب "اذ كان الفرنسيون  قد انشأوا جيشاً من اللبنانيين والسوريين عًرف بالفرق الخاصة وقوامه 16 الفاً، منهم 7 الالف لبناني ، وكانت هذه الفرق تحت القيادة الفرنسية. وحين بدأت معركة الاستقلال، طالب اللبنانيون بتسلم الجيش وادارة شؤونه، الامر الذي قوبل برفض فرنسي تحت ذريعة ضرورات الحرب العالمية الثانية ، وكانت المنطقة المعروفة بمنطقة الصحة في فالوغا تشكل احد اهم المراكز العسكرية للتدريب".

ويضيف غانم: في خريف عام 1943 وقبل نيل الاستقلال الاول بايام، كان احد كبار الضباط الفرنسيين يقوم بجولة على المراكز العسكرية ومنها فالوغا، فأعد له حفل استقبال لمناسبة الزيارة. حينها كان المقدم ورئيس فرقة القناصة جميل لحود ورفاقه الضباط عادل الحلبي، عزيز الاحدب، وجميل الحسامي وسعد الله النجار وججورج معلوف وجورج معكرون وفؤاد قديس وريمون الحايك موجودون في الموقع العسكري، وقبيل بدء مراسم الاستقبال المقررة قام لحود بالتعاون مع الضباط بانزال العلم الفرنسي من على تلة الارز الاستراتيجية ورفع العلم اللبناني الجديد مكانه".

ويعتقد غانم ان هذا التمرد على الاوامر الفرنسية "كان بطوليا لهؤلاء الضباط الذين سطروا بأياديهم مرحلة مهمة ومفصلية من مراحل هذا الوطن وتاريخه. فالجرأة التي تمتعوا بها جعلتهم يستبدلون العلم الفرنسي بالعلم اللبناني في رسالة قوية لرفض الاحتلال والاستعمار وحق الشعب في تقرير مصيره. وبالتالي فان رفع العلم الوطني الذي اتفق عليه في بشامون من قبل المناضلين في حكومة الاستقلال آنذاك اكد تعطشهم لنيل الحرية والتخلص من تبعات الانتداب الطويلة".

هذه الواقعة البطولية تحولت مناسبة رسمية، اذ تقيم البلدية كل سنة احتفالاً رمزياً في اعاليها لاحياء الذكرى حيث تلتقي الشخصيات الثقافية والاجتماعية والسياسية في البلدات المجاورة على اختلافها، لتصبح تلة الارز معلماً سياحياً وتاريخياً يكتسب اهمية بالغة.

وفي هذا الاطار طالب غانم وزارة السياحة بالاهتمام بالموقع وادراجه على الخارطة السياحية اللبنانية ووضعه ضمن اولوياتها، كما طالب وسائل الاعلام بتسليط الضوء على هذه التلة واعطائها حقها التاريخي في معركة الاستقلال ومسيرة النضال.

ودعا كل الشباب الى زيارة هذا الموقع "الذي تحتضنه اشجار الارز ومآثر الماضي العريق. فللعلم اللبناني بعده الرمزي والمعنوي، لانه يعمق الشعور بالانتماء الى الوطن والولاء له، ولهذا يجب ان نعمل جاهدين للمحافظة على السلم الاهلي والاستقرار في هذا البلد باي شكل من الاشكال، لكي نحفظ استقلالنا سنة بعد سنة، تماماً كما فعل الضباط الاحرار عام 1943 عندما اجتمعوا من كل الطوائف ورفعوا العلم اللنباني الاول على تلة الارز".

نصيب التلة من حكايات الاستقلال يكاد لا ينتهي، ففي ربيع عام 2005 وبعد انسحاب القوات السورية من لبنان، احتفل عدد كبير من الشباب بالاستقلال الجديد، فزاروا الموقع الذي يشرف على منطقة "المغيتة – المديرج" التي تمركزت فيها القوات السورية بعتادها وعديدها ومخابراتها لاكثر من 30 عاماً، خانقة هامش حريتهم وامنهم وسلامهم وسكينتهم. فرفعوا الاعلام اللبنانية التي جاؤوا بها من ساحة الحرية مؤكدين ان مسيرة السيادة والاستقلال التي بدات عام 1943 تستمر اليوم بشبابها وقدرتهم على التغيير والوقوف بوجه الاحتلال اياً كانت اشكاله والوانه.

اليوم التاريخي:
زار الضابطان عزيز الاحدب وجورج معلوف تلة الارز قبل نحو 4 سنوات، واستذكرا مع الاهالي اليوم التاريخي عندما رفعوا العلم اللبناني متحدين الاوامر الفرنسية.

على مر التاريخ :
على مر التاريخ كان العلم اللبناني ابيض اللون تتوسطه شجرة الارز، وفد اعتمد بعد سقوط الدولة العثمانية، وفي عهد الانتداب اخذ العلم اللبناني شكل العلم الفرنسي لكن تتوسطه شجرة الارز الخضراء، اما العلم الحالي فقد ظهر خلال ثورة بشامون في تشرين الثاني من العام 1943، ورفع في كل المناطق اللبنانية وقد اقره مجلس النواب اللبناني في كانون الاول من العام نفسه.

العلم بالالوان:
 يرمز اللون الاحمر في العلم اللبناني الى دماء الشهداء التي اريقت في تشرين الثاني عام 1943، ويرمز اللون الابيض الى بياض الثلج الذي يغطي قمم جبال لبنان وهو يرمز الى السلام والصفاء والطمأنينة، اما شجرة الارز التي استمدت من جبل لبنان فترمز الى القداسة والخلود والصمود والعراقة.

سلمان العنداري ... SA
مقالة نُشرت في نهار الشباب

الأحد، 20 نوفمبر، 2011

دردشة خاصة مع المحكمة الدولية ... على "التويتر"..


منذ يومين، سألت المحكمة الخاصة بلبنان على حسابها الرسمي على موقع "التويتر" عن سبب تأخّر الامم المتحدة في تعيين قاضٍ دولي جديد خلفاً للقاضي الايطالي انطونيو كاسيزي في غرفة الاستئناف في المحكمة.

 واجابت المحكمة ردأ على السؤال "ان الامين العام للامم المتحدة بان كي مون دعا لتقديم ترشيحات لقضاة دوليين، على ان تقوم لجنة متخصصة باجراء مقابلات مع المرشحين وتقديم توصية، ثمّ يقوم الامين العام بتعيين البديل".

واضافت المحكمة في دردشة خاصة على "التويتر": "القاضي كاسيزي كان عملاقاً في العدالة الدولية، وفقدانه خسارة كبيرة للمحكمة".

وعمّا اذا كان غياب القاضي كاسيزي سيؤثر سلباً على مجريات عمل المحكمة، قالت: "المحكمة تملك من القدرات والخبرات ما يعطينا القدرة على المضي قدماً في تحقيق مهمتنا بكل حيوية".

واعربت المحكمة عن ثقتها بأنه " لن يكون هناك اي تأخير في عملية تعيين البديل عن القاضي كاسيزي".

وكان رئيس المحكمة الخاصة بلبنان انطونيو كاسيزي قد توفي الشهر الماضي بعد صراع طويل مع مرض السرطان،  وهو الذي استقال من منصبه كرئيس للمحكمة في العاشر من الشهر الماضي، ولكنه استمر كمشتشار في غرفة الاستئناف لغاية وفاته.

ويُعتبر القاضي كاسيزي "احدى ابرز الشخصيات في مجال العدالة الدولية. وكان اول رئيس للمحكمة الخاصة بلبنان والمحكمة الجنائية الدولية بيوغوسلافيا السابقة، وهو ايضاً صاحب مسيرة مهنية طويلة في الاوساط الاكاديمية".

ورداً على سؤال عمّا اذا كان عمل المحكمة سيتأثر او يتوقّف في ما لو لم تدفع الحكومة اللبنانية حصّتها من التمويل، اجابت المحكمة: " لقد استمر عمل المحكمة طوال عام 2011 بدون المساهمة اللبنانية المالية، وبالتالي فان المحكمة مستمرة في عملها اذا لم تقم السلطات اللبنانية بسداد حصتها، ولكن هذا لا يعفي لبنان من التزاماته الدولية تجاهها".

سلمان العنداري ... SA

الأحد، 13 نوفمبر، 2011

بغداد بين رقصة الموت والتمرّد ... مدينة تنبعث من جديد


بغداد ... تعود من جديد ...

انفجارات، دماء، قتل، طائفية، جثث، سيارات محترقة... انطباعات اولية تخطر على بال المرء فور سماعه بإسم العاصمة العراقية بغداد. الا ان الوافد اليها بعد ثماني سنوات من سقوط نظام صدام حسين، وقبيل اشهر من انسحاب القوات الاميركية، ستدفعه مشاهداته الى تبديل نظرته الخاطئة، ليأخذ انطباعات مغايرة تماماً لما تبثّه وسائل الاعلام العربية والعالمية من انباء ومشاهد مشوّهة عن عاصمة قّدّر لها ان تقاتل قدرها سعياً الى الحرية...

قبل سنوات كانت بغداد عاصمة الموت بإمتياز، يخنقها الدمار ويعتريها التعب واليأس والإستسلام، الا ان المدينة العتيقة هذه، استفاقت اليوم من سباتها، لتبدأ نضالاً جديداً مع كل اشراقة شمس، مُحاربةً الإرهاب وجبروت الهزيمة من اجل مستقبل افضل لأبنائها.

بغداد لا تُشبه الا نفسها... تراها حزينة، ولكن ابتسامة من نور تختبىء في ثناياها وفي تجاعيد طرقاتها، وفي اسواقها الشعبية، وفي كرم وضيافة شعبها... ينبثق الأمل من ثقافة شبابها، والرقي من جمال شاباتها، والرجولة من حرص جيشها. بغداد الحلم العربي الجديد الذي يُبصر النور مجدداً من مساجدها وكنائسها وحسينياتها.

بغداد الحقيقية لا تُشبه بغداد الصورة النمطية... تراها تحارب البغضاء، وتحيك برمش العين وحدتها الوطنية والعيش المشترك، وها هي تزرع في جذور اجيالها حبّ التنوع واحترام الآخر.

بغداد متمرّدة وجذّابة، صاخبة وصامتة في آن... فهي ولشدة سحرها تترُك فيك شعوراً غريباً مرفقاً بعشرات علامات التعجّب والإستفهام المبعثرة في الشوارع والساحات العامة.

بغداد عاصمة الثقافة والفن والحب والحضارة، تصارع الإنحطاط، وتسابق عجلة التاريخ الذي خذلها، تراها تصرخ ضد الظلم والإستبداد، تصارع في مركب متأرجح نحو ضفة الأمان. على مرآى من ملوك وامراء العرب واساطيل الغرب في زمن السقوط.
غامضة هي هذه المدينة ولكنها صفحة بيضاء تنساب بصدق وشفافية في اذهان زائريها... خالدة هي على الرغم من شحوب لونها... منهكة ولكنها حيوية، نابضة، ومتيقظة على الرغم من التعب البادي على وجنتيها، وبالرغم من التجاعيد التي تملأ اخاديد عيونها.. بغداد تنتصر على سلطة القتل بإرادة الحياة والتجدد.

في الماضي، كانت روائح الرصاص تملأ المدينة، وغبار البارود يلفح وجوه الناس الحزينة، وكان عبق عتمة القدر يتجول بين احياء خائفة، مهجوسة ، تفتّش عن نقطة ضوء، عن بقعة حياة بعيدة عن رهبة التدمير واساطير الموت...

في زمن صدّام حسين، غرقت ساحات بغداد بتماثيله وصوره، وتحول ضفاف دجلة الى مستنقع من وحول دُفنت فيه الذاكرة على حساب السلطان الحاكم بأمره، وسط لوحة مأساوية مُبكية، تختنق بأقدار الإخضاع والسيطرة واغتصاب الكرامة.

وفي زمن الإحتلال بعد السقوط، احتدم الإرهاب، واستيقظ شبح الموت... قُتل الأطفال بوحشية، وشُرّد الناس، واستشرت الطائفية مع دخول الغرباء على الخط، وتراقصت الجثث في احتفاليات موت يومية مكلّلة بالدم والعار...

البلاد اتجّهت نحو الكارثة لسنوات، وقُدّر لمواطنيها ان يعاقبوا بدرجة كبيرة من القسوة لعقود وعقود. عانت بغداد وعانى العراق الأمرّين ... مئات الآف القتلى، وجموع جائعة ودولة معزولة ومغدورة من محيطها...

تخرج بغداد من كبوتها اليوم، تلملم سقوطها، وتستعد لإنهاء الطغيان والفقر، ليتحول معها القبح الى جمال، والبؤس الى فرح، والقهر الى صبر، والكارثة الى مشروع، والأحلام الى حقيقة ساطعة بإرادة ابطالها .

اليوم، تنهض هذه الارض القاحلة من جديد، لتصنع اسطورة عظيمة تنفض الغبار عن نفسها... واذا كانت الارداة وحدها تكفي لتحقيق امجاد الامم، فبغداد بارادة شعبها، تخوض اليوم معركة استعادة الحياة مهما كلفت الاثمان.

افتخر ببغداد عاصمة عربية عريقة، تلحسُ المبرد، وتقاتل الموت بجرأة مُحارب. اخاف عليها وليس منها، ولكني مطمئن بانها ستخرج من محنتها قريباً جدا، وان ازهار ربيع جديد ستتفتح على ضفاف دجلة والفرات، وعلى ارصفتها، وفي باحات متاحفها ومعالمها الرائعة.

المدن العظيمة لا تُصنع، بل تولد... وولادة بغداد الجديدة ستعيد عظمتها الى سابق عهدها... فقريباً يا بغداد ستتحولين الى حدث بحد ذاته، ستعودين قلب العالم العربي وعاصمة الحب والأمل والثقافة والسعادة والإبداع، وسيعي كل قاتل وظالم ومتربص بك، انه لم يعد بمقدوره كسر ارادة العيش والحياة فيك مهما امعن بفعلته الشنيعة...

زمن البطش انتهى، وزمن الحديد والنار كذلك... عادت المدينة لتصوغ حالتها الذهنية، ولتعيد معالمها بعد ندوب اصابتها على مدى عقود، بغداد تلملم جراحها منذ سنوات.

لن يكون للجريمة مكان بعد اليوم، ولون الدم القاتم سيتحول الى لون للفرح، وانفجارات الحقد في احشائك ستتحول الى بهجة خالصة، فاطمئني يا بغداد لانك في طور الإنبعاث من جديد.

لا يختلف اثنان على ان الكتابة عن بغداد مادة حافلة بالإثارة والتشويق، الا ان زيارة هذه المدينة العريقة ستزيد الأمور اثارة وتشويقاً، لما فيها من قصص وانطباعات وتجارب لا يمكن ان تنسى، عن عاصمة تعبث بالأخطار، وعن شعب يسخر من واقعه، ويُصارع جاهداً لتحويل الجمود الى حركة لا هدنة فيها...

سلمان العنداري ... SA  بغداد

الخميس، 10 نوفمبر، 2011

ياسر عرفات ... بين غصن الزيتون والبندقية...حكاية ثائر



تمر ذكرى غياب "الثائر" الفلسطيني ياسر عرفات، وفلسطين تعيش الواقع الصعب وتتعايش معه: انقسام "تحت الرماد" بين حركة فتح وحماس. طلاق جغرافي بين غزة والضفة الغربية. تدخلات وتداخلات اقليمية شرذمت القضية الفلسطينية وسطّحت معناها. اعتداءات اسرائيلية متكررة. وتهويد مفضوح تتعرض له القدس. وحركة استيطانية تقضم الاراضي المتبقية وسط سكوت وسكون عربي ودولي.

انه الواقع "المبكي" بعد  سنوات على رحيل ابو عمار الذي حمل هموم الشعب الفلسطيني طوال عقود، والذي رفع الصوت عالياً الى كل اقاصي العالم مطالباً باستعادة ما سلب من حقوق مشروعة لشعبه بشتى الطرق والوسائل (رغم بعض الاخطاء)..


شخصية جمعت بين الحلم والواقعية


سياسة ابو عمار كانت دائماً "على حدّ السكين"، يقول اليساري اللبناني الياس عطالله الذي يرى ان "ياسر عرفات  يمثّل الوعي الجماعي الذي ساهم في بلورة الهوية الحقيقية للشعب الفلسطيني وقضيته، واستمر على هذه الحال طوال حياته، " فهذه الشخصية التاريخية الاستثنائية التي استقرت في قلب فلسطين من اجل بلورة مشروع الدولة، جمعت بين الحلم والواقعية والبراغماتية والمعرفة الدقيقة بامكانات المحيط العربي والدولي".


ويعتبر عطالله ان "عرفات اعاد القضية الفلسطينية الى خصوصيتها دون ان يفصلها عن عمقها العربي، فرفض الاستسلام للدول التي حاولت قمع القضية الفلسطينية، وللعصبية الصهيونية التي تحظى بدعم اغلبية الدول الغربية. وقد قام بكل الخيارات والوسائل من اجل انتصار قضيته في ظل واقع عربي لم يكن مساعداً لخلق توازن مع اسرائيل والدول التي تدعمها، فحاول مع الشعب الفلسطيني تعويض هذا النقص، الا ان الحلول والوعود بقيت غير واضحة المعالم ومليئة بالغموض".


نفتقد الاخ ابو عمار اكثر من اي وقت مضى


وفي هذا الاطار، يتحدث السفير خالد عارف، القيادي في حركة فتح بتأثّر شديد عن الرئيس الفلسطيني، ويقول ان " الشعب الفلسطيني في الداخل وفي الشتات يفتقدون ابو عمار اليوم اكثر من كل السنوات الماضية، لما كان يمثل ليس فقط من رمزية انما من مشروع وطني ووحدوي للشعب الفلسطيني، فكان محور استنهاض للمشروع الوطني العربي، ليشكّل حالة فريدة من نوعها ستبقى لسنوات طويلة، ولهذا لا يمكن الا استذكارها في هذه المرحلة الدقيقة".


ويضيف: "هو من الشخصيات العربية المهمة والاساسية، كالرئيس عبد الناصر والرئيس رفيق الحريري والامام المغيب موسى الصدر، وكمال جنبلاط، والشهيد جورج حاوي ومعروف سعد والشيخ احمد ياسين، وكثير من الشخصيات العربية الاخرى التي كان لها دور محوري على المستوى العربي بشكل عام".


يحاول استشراف المستقبل في قمة المأساة


يروي عطالله عن العلاقة التي ربطته بالثائر الفلسطيني في فترة حصار بيروت، "في الواقع كنا على لقاء يومي في فترة الحصار الاسرائيلي الذي استمر لعشرة اسابيع، وكان في الايام الاخيرة التي سبقت مغادرته بيروت مقيماً في غرفتي، حيث كان هناك شأناً واحداً يمكن مناقشته معه، وهو موضوع الشعب والقضية الفلسطينية. وبهذا اعتقد ان ابو عمار قدم وكرّس نفسه للقضية الفلسطينية حتى اصبح هناك نوع من التماهي بينه وبين الشعب الفلسطيني، فكانت الاحاديث تدور دائماً حول ما نحن فيه، وسبل مواجهة الوقائع".


ويضيف عطالله: "عندما ترافق وتصادق شخص كياسر عرفات تعرف معنى الصلابة المجسّدة بهذا الرجل وتفكيره الهادىء حتى في اقصى اللحظات، انه شخص اسطوري من جهة ومتواضع من جهة اخرى، وهذا التواضع ليس مفتعلاً، فسلوك ابو عمار اليومي هو سلوك مقاتل وانسان عادي".


ويستطرد: " عندما كان ابو عمار يعيش في قمة المأساة لحظة المغادرة القسرية من بيروت شعرت بأنه يحاول استشراف المستقبل، والتفكير بالمرحلة المقبلة، ليعود في ما الى تراب فلسطين، الى قلب الصراع، حيث صمد صموداً استثنائياً فيها. وكلنا نتذكر كيف بقي في غرفته ايام الحصارالاسرئيلي في رام الله، وكيف كانت تحوم حوله الدبابات والعنصرية القاتلة، ولكنه كان يضع مسدسه على الطاولة ويقول كلمته الشهيرة " لا تغادروا اننا هنا صامدون صامدون"، ولهذا انا اعتبر ان ياسر عرفات ليس ذكرى فقط وليس بطل تحرير وليس رواية شعب، بل انه نبراس ونهج حياة ستتناقله الاجيال".


تمسّكوا بارث ياسر عرفات


ويشير عطالله انه "لا يمكن لهذه المنطقة ان تشهد سلاماً ليوم من الايام دون ايجاد حل للمشكلة الفلسطينية ولا يمكن ان يجفف هذا الكمّ من التطرف والتكفير والارهاب دون ايقاف الارهاب الاسرائيلي بحق شعب باكمله، وهنا اقول ان هناك مصلحة دولية وعربية لتحقيق هذا السلام، ولكن لا يوجد حتى الان ارادة حقيقية تجسد هذا القرار الكبير، اذ ان العناد الصهيوني ما زال معطّلاً لهذا القرار، ان من خلال تشويه الصورة في العالم، او من خلال نقص القدرة العربية على فرض اجندة عربية وفلسطينية على العالم اجمع".


ويتوجه للشعب الفلسطيني بالقول: "الشعب الفلسطيني مطالب اليوم م بالتمسك بارث ياسر عرفات وان يبقى بعيداً عن الاستخدامات الخارجية التي تلعب بالوحدة الوطنية وتجعل من القضية الفلسطينية ورقة في خدمة طموحاتها، وانا اقصد هنا ايران والنظام السوري الى حد ما. ولكني احذّر ان هذا اللعب في النار سيحرق الجميع".


هل يتكرر التاريخ؟ 


هل يتكرر التاريخ؟، يجيب عطالله : انا اعتقد انه ليس من الضرورة ان يفرز التاريخ شخصية قائدة كياسر عرفات، بل من المفروض ان يبرز مشروع جديد يستفيد من تجربة ياسر عرفات، ويبني مداميك اضافية عليه، ويختم: "في تاريخنا مرّ الكثير من القادة الذين ارتكبوا اخطاءاً، ولكنهم على الاقل زرعوا احلاماً، وعلى هذه الاحلام يجب ان نؤسس مشاريع لشعوبنا، الى اننا وللاسف نعيش فترة تراجع في ايامنا هذه".



واقول ان مشاريعنا تتقزّم اكثر واكثر ويوماً بعد يوم، وتصبح اصغر من الاوطان في وقت تشتد فيه الهجمات من اكثر من جهة على مصائرنا الوطنية، وهذه المرحلة تتطلب رجالاً لديهم ارادات ومشاريع وبرامج كبرى وليس مشاريع على قياس الرغبات.

بين غزة ورام الله نحن بحاجة الى ياسر عرفات


يؤكّد عارف ان شخصية ابو عمار لا تتكرر، اذ انه "لا يوجد اي شخص يمكن ان يمثل الرمزية التي كان وما زال يمثلها الاخ ياسر عرفات، الا انني اعتقد ان الظروف الموضوعية العربية والدولية والمحلية في بعض الاحيان تمنع بروز شخصية محورية كتلك التي مثلها الرئيس عرفات في المرحلة السابقة، وفي الحقيقة حتى الرئيس ابو مازن يقول انه لا يمثل رمزية ياسر عرفات ولكنه يحاول لملمة البيت الفلسطيني ويحاول الحفاظ على الموقف الوحدوي للشعب وللحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني، ولكن حجم التداخلات للاسف الاقليمية والدولية والمحلية اصبحت تشكل عائقاً كبيراً امام اي شخصية محورية فلسطينية الا اذا كفّت الايدي عن هذه التدخلات داخل البيت الفلسطيني".


وفي الموضوع نفسه يجزم عطالله ان "العالم العربي لم يتمكن من حماية المدى الحيوي الخاص به، فتعرض لتمددات اقليمية لمشاريع مختلفة، لتصل هذه الاطماع الى قلب فلسطين، فاشتدت الانقسامات والخلافات والهجمات بعد موت ياسر عرفات، وضعفت بالتالي شبكة الامان التي تحمي وحدة الشعب الفلسطيني الذي وقع في دوامة الانقسام واصبح مرتبطاً بمشاريع عديدة".

بين غصن الزيتون والبندقية...حكاية ثائر


عندما ألقى الزعيم الفلسطيني خطاباً هاماً امام الجمعية العامة للامم المتحدة في 13 نوفمبر من العام 1974، قال جملته الشهيرة في ختام كلمته: "انني "جئتكم بغصن الزيتون مع بندقية الثائر، فلا تسقطوا الغصن الاخضر من يدي".


اذن، بين غصن الزيتون والبندقية، كان الثائر ياسر عرفات الذي ترك فراغاً كبيرا وموحشاً على الساحة الفلسطينية والعربية والدولية بعد التجارب والنضالات المشرّفة التي قام بها. فهل تنتصر القضية الفلسطينية يا ترى؟، وهل يستمر نضال الشعب الفلسطيني ام اننا على موعد مع مزيد من الشرذمة والانقسام والنسيان؟، وهل يدرك العرب والعالم مسؤولياتهم ودورهم الحقيقي تجاه القضية المركزية للسلام في المنطقة؟. انها اسئلة قد تبقى معلّقة لأجيال واجيال بعد رحيل الثائر...ياسر عرفات، فمتى يحين الربيع الفلسطيني الحقيقي؟...


تحية الى ياسر عرفات



سلمان العنداري ...SA

الخميس، 3 نوفمبر، 2011

متى يكفّ رجال الدين والسياسة عن استخدام وممارسة العنف باسم الدين؟

ّ

الدين يقمع الدولة ويمنع قيامها ...
منذ ايام، اجتمع بابا الفاتيكان بندكتوس السادس عشر واكثر من 300 من زعماء اديان العالم من المسلمين والكاثوليك واليهود واخرين، في كنيسة رومانية قديمة في بلدة اسيزي وسط ايطاليا، وشددوا على شجبهم العنف الذي يُرتكب باسم الدين.
وتحدث الباب الى الحاضرين حيث شجب بشدة الارهاب الديني الذي وصفه بانه "ليس الطبيعة الحقّة للدين، بل هو نقيض له ويودي به".
وما لفتني في الاجتماع الجامع، هو كلام رئيس جمعية "نهضة العلماء" باندونيسيا هاشم موزادي الذي تحدث عن الصراع الديني، معتبراً ان "المصالح غير الدينية التي تمتطي التعاليم الدينية وتستخدم الدين كدافع لاغراض غير دينية، تستغلها عادةً جماعات معينة تحركها اهداف غير روحانية بما في ذلك "السياسة والاقتصاد والثقافة"...
لا شك ان مبادرة بابا الفاتيكان مهمة واساسية وتهدف الى خلق جوّ ايجابي بين المجموعات الدينية في العالم، الا ان ما يجري على الارض لا يُشجّع كثيراً، اذ يلعب رجال الدين دوراً سلبياً للغاية في اذكاء الصراعات في اكثر من بلد، من قصد او من دون قصد، ليخرجوا عن دورهم الروحي المفترض بهم ان يقوموا به، فيتحولوا من رجال دين في معابدهم الى رجال سياسة في المؤسسات والساحات وعلى الشاشات، واحياناً الى جيوش محاربة على الارض، تقتل وتروّع وتُعنّف الاخر بدل تقريب وجهات النظر بين الناس.  
من هذا المنطلق اعتقد ان في عالمنا من يستخدم الدين كشمّاعة وكغطاء للوصول الى مصالحه الخاصة ولتحقيق اهداف تبتعد كلياً عن التعاليم الدينية. والعمليات الارهابية والانتحارية التي تقوم بها القاعدة في انحاء العالم ضد من تسميهم "بالكفّار" وتحت شعار الاسلام وسنّة الله، تمثل خير دليل على استغلال الدين لاذكاء نار الصراعات ولزيادة درجة الحقد الملتهبة في كل اقاصي الارض.
وبعيداً عن مثال القاعدة والارهاب الذي تقوم به باسم الدين، نجد انظمة دينية تسعى لتنفيذ مشاريع سياسية وتوسعية على تحت هذا الشعار. فالجمهورية الاسلامية الايرانية "تسعى الى التمدد عقائدياً وسياسياً في المنطقة، عبر دعم جماعات لها وتزويدها بالمال والسلاح تحت شعار ديني وعقائدي" بحسب ما يقوله المراقبون .
هذا، وحدّث ولا حرج عن عشرات ومئات الفتاوى الدينية التي يخرج بها رجال الدين في البلدان الاسلامية وبخاصة العربية، والتي تفرض على الناس تبنّي وجهة نظر سياسية معينة باعتبارها مقدسة ويجب الالتزام بها من منطلق ديني صرف.
وعلى سبيل المثال، فعام 2005 ، وقبيل ايام من الانتخابات النيابية اللبنانية، اصدر السيد حسن نصرالله، الامين العام ل"حزب الله " "تكليفاً شرعياً، دعا فيه الناس الى التصويت الكامل للّائحة التي يدعمها الحزب في الانتخابات. واعتبر بعض المرشحين هذه الدعوى "ترهيباً غير مباشراً للناخبين الذين ينتمون للطائفة الشيعية".
يومها، تناقلت وسائل الاعلام معلومات افادت عن تعرّض بعض المواطنين للمضايقة والتهديد من جانب القيادات الدينية والسياسية في "حزب الله" ، والتي اجبرت الجميع على الالتزام الديني بما قاله السيد نصرالله وبالتقيد بالفتوى، واعتبار "كل خارج عن هذه الارادة، خارج عن الطائفة وخائن"...
وعام 2009 عاد السناريو نفسه ليتكرر مع الطائفة السنية، اذ صرّح مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قبّاني ان "كل شخص لا يصوّت للائحة المدعومة من "تيار المستقبل (يرأسه السيد سعد الدين الحريري الزعيم السنّي) هو خارج الطائفة ويصوّت لقتلة والده الرئيس رفيق الحريري (الذي قُتل بانفجار ضخم عام 2005).
وبالتوازي، لعبت وتلعب وسائل الاعلام دوراَ بغاية السلبية في تعميم هذه المفاهيم، فبعضها لا ينفك عن اعادة هذه التصريحات واعطائها مساحة كبيرة لتصل الى اكبر شريحة من الناس. اضافةً الى ذلك يتناسى الصحافيون الذين يفترض بهم تغطية الاحداث على الارض بحيادية، فيتناسون دورهم الموضوعي والاخلاقي بالتغطية المهنية بحدها الادنى، فيخرجون على الهواء بشعارات مذهبية رافضة للطرف الاخر، محرّضين بشكل مباشر على "الخصم"، الذي هو بالواقع شريكهم في الوطن.
وفي لبنان يضع المواطن يده على قلبه كلما خرج زعيماً روحياً على الشاشات ليتحدث بالامور السياسية، فغالباً ما تدخل السياسة في مواقفهم، الامر الذي يثير التوترات الطائفية على اكثر من صعيد. "الدين في خدمة رجال السياسة الممثلين لطوائفهم"...
وبالعودة الى دراسة فينك ومارتن القيمة للغاية، يمكن الملاحظة ان لبنان بلد يعطي اهمية بالغة للحرية الدينية، ويسمح لكل فرد ممارسة حرية التفكير والدين او حتى تغيير العقيدة، وهذا امر جيد ومهم من شأنه ان يحمي كل الاقليات والجماعات الدينية وان يوفر لها بيئة آمنة، الا انه لشدة حساسية هذه المسألة، سيطر هاجس "الدين" على النظام، فتداخل لا بل تزاوج بالدستور والانظمة و القوانين، فباتت الطوائف فوق القانون وذات اولوية على فكرة "المواطنة" .
اذن ، المشكلة لا تكمن فقط في تعاطي وسائل الاعلام، انما بالنظام نفسه، وبالتشريعات والقوانين الموضوعة، التي قدّمت لعبة الطوائف وتأثيرها السلبي على حساب القانون والنظام، فبات رجل الدين سياسي بامتياز، يضع الخطوط الحمراء ساعة يشاء، او يصدر فتاوى توقف فعالية هذا القانون او ذاك.
مثال اخر / عام 2006، تمّ تقليد شخصية دينية مسلمة في برنامج ساخر على احدى الشاشات المحلية اللبنانية، الامر الذي اثار غضب قيادات هذه الطائفة، فخرج الناس الى الشوارع وقاموا باعمال شغب، واحرقوا الاطارات ، واعتدوا على كنائس واديرة، وانتهكوا الاملاك العامة والخاصة، وكادت البلاد ان تتحول الى ساحة حرب. فأجبرت القناة التلفزيونية الى تقديم اعتذار رسمي، بالرغم من انها لا تحمل هوية مسيحية او طائفية معينة.
وعام 2009، عرضت محطة تلفزيونية اخرى اعلاناً عن عرض فيلم كان قد عرض في صالات السينما، يتحدث عن طائفة الدروز وتاريخهم وعاداتهم، فطُوّقت المحطة بافراد من تلك الطائفة، واصدر المجلس المذهبي القيادي لهذه الطائفة بياناً حذر فيه من عرض الفيلم ، لتنصاع المحطة بعد ذلك تحت وطأة الترهيب والتهديد...
 وعام 2007 قبيل الانتخابات الرئاسية اللبنانية، امتلأت اللوحات الاعلانية باعلان لشركة اتصالات يمثّل كرسي فارغ - في اشارة الى كرسي الرئاسة – الامر الذي "اشعل الطائفة المارونية" باعتبار منصب الرئاسة من حصة الموارنة – المسيحيين - ، فاعتبروا ان الاعلان يمثل اهانة للمنصب وللطائفة، ليجبروا بعد ذلك الشركة المسؤولة على سحب الاعلان من الاسواق...
خلاصة القول انه للدين سلطة استثنائية في لبنان، وهي سلطة قادرة على قلب كل الموازين تحت عدة شعارات وعناوين ، من بينها "حقوق المسيحيين"، "حرمان الطائفة الشيعية"، "خصوصية الدروز"، "ضرورة احتضان الارمن"، و"هدر حقوق الكاثوليك"، و"التعدي على صلاحيات الطائفة السنية في الدولة"، و"غياب العلويين عن السلطة"...
وتحت هذه الحجج تُقطع الطرقات ويُطلق الرصاص، ويشتبك الناس مع بعضهم البعض بين الفينة والاخرى، بتحريك من الزعماء الروحيين والسياسيين من قصد او من دون قصد.
واذا كانت دراسة فينك ومارتن قد اعتبرت ان تحالف الدين ومجموعة من الاديان السائدة بالدولة يوفر استقراراً سياسياً، ففي لبنان نرى العكس، اذ ان اعطاء الاولوية للطوائف على حساب الدولة ووجودها يعيق الوصول الى فكرة الدولة الجامعة، ويعمّق الصراعات بين الجماعات المكونة للمجتمع بدل ان يكون مصدراً للغنى، اضافةً الى ذلك فانه يُخضع وسائل الاعلام، حتى ولو كانت تغطيتها حيادية ولا تقصد الاساءة.
وفي هذا الاطار، (وعذراً على الاطالة)، يُطرح عددا من الاسئلة: ما هي حدود تدخل رجال الدين بالسياسة؟، والى اي حد يمكن اعتبار فصل الدين عن الدولة هو الحل الامثل للابتعاد عن الصراعات والنزاعات الطائفية والدينية، وهل يجب تقديم حقوق الاديان على الدستور والدولة؟، واي قوانين يجب تشريعها للحد من الانفلات الاعلامي الطائفي في المنطقة؟... ومتى يكف بعض رجال الدين عن استخدام وممارسة العنف باسم الدين؟...

سلمان العنداري ... SA

"مشاركة قدّمتها في دورة تغطية النزاعات الدينية العالمية التي تناقش الصراعات الدينية والطائفية حول العالم، واساليب التغطية الصحفية". يمكنكم متابعة كتاباتي في هذه القضية على الوسم التالي على المدونة "نزاعات دينية"...