الاثنين، 28 فبراير، 2011

طلعنا قد المشنقة ...


اللبناني يشنق كل يوم ... وتستمر لعبة الخارج على حسابنا
 منذ أيام، وبينما كنت أقرأ كتاب "في الزوايا خبايا" لسلام الراسي الذي يقدّم طائفة من المأثورات والأمثال اللبنانية القديمة، لفتتني القصة الآتية:

"يحكى أن عمّاراً كان يبني قنطرة، فمرّت أمامه فتاة جميلة وهي تختال بفستان زاهي الألوان تظهر خلاله تقاسيم جسمها الفتّان، فتعثر العمّار وهوى عن القنطرة ومات، وعندما علمت زوجته بما حدث، رفعت شكواها الى السلطان "قرقاش"، وطلبت أن تشنق الفتاة تحت القنطرة التي سقط زوجها عنها، فأمر السلطان بإحضار الفتاة، فقالت إن الذنب ليس ذنبها، بل ذنب الخياط الذي فصّل لها الفستان بدقة وإتقان، فرفعه من مكان وضيّقه من مكان، فبدا من مفاتن جسمها لعين العمّار ما بدا، حتى فقد الاتزان...

 بعد ذلك التفت قرقاش وقال: "كفى"، وامر بإحضار الخياط الذي قال بدوره إن المسؤول هوالتاجر الذي باع القماش لأنه شفاف تتخايل تحته الأرداف وسائر الأطراف...، فصاح قرقاش: "كفى، اجلبوا التاجر واشنقوه تحت القنطرة"...

قبض رجال السلطان على التاجر، وجاؤوا به ليشنقوه، فوجدوه أطول من القنطرة بحيث يتعذر شنقه تحتها، ولهذا راجعوا السلطان بالأمر، فقال: "اقبضوا على أول رجل قصير يمر واشنقوه لكي تتأيد العدالة وتتحقق"...

وهكذا حصل، اذ جاؤوا برجل قصير وشنقوه... وحدث أن صديقاً للرجل مرّ فرآه معلقاً، فقال: "ما هو ذنب هذا الرجل حتى شنقوه؟"، قالوا له: "ذنبه أنه طلع قد المشنقة"، وبعد ذلك جرت هذه العبارة مثلاً..."

بعد قراءتي لهذه القصة المشوقة والمجحفة بحق الرجل القصير، أدركت جيداً أن اللبنانيين "طلعوا قد المشنقة"، وكذلك البلاد بأسرها.

ولأن لبنان يحتل موقعاً استراتيجياً مهماً في المنطقة، ويشكل صلة وصل بين الشرق والغرب وبين سائر الثقافات والأديان الأخرى، فإنه تحوّل مع الوقت ساحة صراع عنيفة يتقاتل عليها الكبار والصغار، وحيكت له المؤامرات والفتن والحروب، ليسقط تدريجاً في فخ الأزمات الدائمة والمتجددة عند كل مفترق واستحقاق إقليمي أو دولي أو حتى داخلي.

فالعمّار المسكين، أغرته أيادٍ حاقدة، فهوى ومات قبل استكماله بناء القنطرة المزعومة، وهكذا وبتواطؤ كل الأطراف المتصارعة، أصبح من المحظورات على بلد الأرز بناء دولة حرة مستقلة وقوية لا تدخل في آتون الحسابات الكبرى، لأنّ ذلك لا يحقق مصالحهم في إبقاء هذه الأرض غابة تناقضات لا قانون فيها ولا حدود لها.

وبعد البحث والتدقيق في الأمور، يتضح للجميع، أن كلاً من السلطان والفتاة المثيرة، والخيّاط والتاجر، وحتى زوجة العمّار، مسؤولون عن قتله والرجل القصير أيضاً، وهذا بالضبط ما يحدث عندنا في لبنان، فلكل من سوريا واسرائيل مصلحة أساسية في إبقائه ورقة نزاع ليس إلا، مفتوحة على كل الاحتمالات، تخضع للتفاوض، وحيناً آخر للتفجير والإحراق المتعمّد، (وقصة الخط الأحمر الفاضحة بين القوات السورية والاسرائيلية إبان الحرب الأهلية اللبنانية خير دليل على هذه المقولة)، فضلاً عن "الكباش الأميركي – الإيراني" المحتدم، والتهديدات المتبادلة بين الطرفين، والتي لا تترجم سوى بمزيد من التصعيد الداخلي والتعطيل والإفقار والتيئيس، وفتح باب الهجرة على مصراعيه.


إذاً، من حقي أن أسأل، كما سأل صديق الرجل المعلق، ما ذنب هذا الشعب حتى يشنق ويقتل ببطء شديد؟ ما ذنبه حتى يبقى معلقاً بحبال اليأس في انتظار صفقة ما في مكان ما؟ وهل قدرنا أن نستمر في دفع الفواتير المستحقة عن غيرنا، وتسديد الأثمان الباهظة من خلال إبقاء لبنان من شماله الى جنوبه جبهة مفتوحة ومكشوفة، أو لعبة شطرنج سائبة؟.


 على أي حال ومهما كثرت الأسئلة واستمر تعليق المشانق بحقنا، قد لا نملك شيئاً سوى الانتحاب والبكاء على واقعنا، والقول: "إننا طلعنا قد المشنقة"، و"طلعت براسنا".

سلمان العنداري ... SA  - طلعنا قد المشنقة - مقالة كتبتها لإحدى الصحف اللبنانية، واجدها مناسبة لكل مكان وزمان لأن لبنان سيبقى على هذا المنوال... بلد الصراعات والكباشات الاقليمية والدولية للاسف...

الخميس، 24 فبراير، 2011

بعيداً من السياسة... "يوم أخضر" على تلال الجنوب... وأوديته


نظمت جمعية "الثروة الحرجية والتنمية" بالتعاون مع شركة "ستاربكس" العالمية يوماً طويلاً لغرس اكثر من 500 شجرة من الصنوبر في بلدة المكنونية قضاء جزين في اطار الحملة الوطنية السنوية لإعادة تأهيل المساحات الخضراء في لبنان التي اجتاحتها نيران الحرائق المدمرة خلال السنوات الاخيرة الماضية بمشاركة اكثر من 60 شاب وشابة من مختلف الجامعات والمناطق اللبنانية.

من بيروت انطلقت "الحافلات" في الصباح الباكر باتجاه الجنوب للمشاركة في هذا "اليوم الاخضر" والمشرق والمشمس والدافىء. اذ ارتضى الجميع طوعاً الابتعاد عن قصص السياسة واخبارها التي تملأ الشاشات وصفحات الجرائد.

لدى وصول المجموعات الشبابية الى بلدة المكنونية، بدا الجنوب هادئاً بتلاله الخضراء وبأشجاره وغاباته التي تختلط بالمزارعين وباصوات الاولاد الذين يلعبون في يوم عطلتهم الاسبوعية.

رئيس المجلس البلدي في المكنونية العميد الركن فؤاد عون بدا سعيداً ومتحمّساً لقدوم عشرات الطلاب والنشطاء الى بلدته الجنوبية البعيدة. اذ حرص على توفير كل سبل الراحة للجميع. فتراه يتنقل من مكان الى آخر، يشارك بالحوارات والنقاشات الدائرة، ويستغل كلّ فرصة للحديث عن قريته التي يعمل على تطوير مفهوم التنمية المستدامة فيها وفق اسس ومعايير عالية.

"الريّس" عبّر عن فرحته لوجود عشرات الشبّان والشابات من اكثر من منطقة لبنانية في قلب هذه البلدة الخضراء للمساهمة في غرس اكثر من 500 غرسة من الصنوبر في غاباتها واحراجها، "وقد وجدنا هذا النهار فرصة مميزة للتعريف عن هذه القرية والحديث عن جمالها ومميزاتها وعن اهلها".

السيدة ندى زعرور رئيسة "جمعية الثروة الحرجية والتنمية" أشادت بتميّز هذا الحدث من خلال التأكيد على أهمية المسؤولية الاجتماعية للشركات، وإدماج فلسفة المحافظة على البيئة كقيمة أساسية ضمن نشاط أعمالها. وأعربت السيدة زعرور عن تقديرها لإلتزام شركة ستاربكس بالمحافظة على البيئة، وإشراك الشباب في هذا النشاط، وعن فخرها بمواصلة العمل مع القطاع الخاص والمجتمع المدني في هذه المبادرة البيئية السنوية لرفع مستوى الوعي حول أهمية استعادة لبنان الأخضر والحفاظ عليه.

بدورها شددت السيدة رنا شاهين، المدير الإقليمي للإتصالات والمسؤولية الإجتماعية في "ستاربكس" الشرق الأوسط وشمال أفريقيا على اهمية التعاون والشراكة مع جمعية "الثروة الحرجية والتنمية" التي وصفتها بأنها "من أكثر الجمعيات الفعَالة في المجال البيئي في لبنان"، مشيرة الى "اهمية مشاركة الموظفين العاملين في "ستاربكس" وأعضاء جمعية "الثروة الحرجية"، وعشرات المتطوعين الشباب في هذه النشاطات، وسط التصميم والحرص على المساهمة في الحفاظ على البيئة في لبنان".

التشجير وحماية البيئة ... اكثر من شغف

والمكنونية قرية قديمة يشتق اسمها من كلمة "كن" او كلمة "مكّن" او "ماكنونيتا" باللغة السريانية او الفينيقية، وهي تعني الاختباء او الاختفاء او الرسوخ و الثبات، وهذا ينطبق على موقعها على تلة في واد كبير تحيط به الجبال من كافة الاتجاهات.

البلدة المكسوة بغطاء حرجي اخضر من الصنوبر والسنديان والاشجار المثمرة الاخرى، تقع على تلة تحوط بها الوديان والجبال، وترتفع عن سطح البحر حوالي 888 متراً، وتبعد عن بيروت 68 كلم، ويبلغ عدد سكانها حوالي 1500 شخص.

واشار عون الى ان "المجلس البلدي "لضيعة الورود" قام خلال السنوات الثماني الماضية بجهد بيئي كبير للمحافظة على الثروة الحرجية، وقد تم تنفيذ عشرات المشاريع "الخضراء"، ومنها تشحيل الاشجار وتفريدها، وشق طرق الزراعية لسلوكها عند مكافحة الحرائق، بالاضافة الى الاهتمام بالثروة الحيوانية والمائية في البلدة. هذا فضلاً عن غرس اكثر من اربعة الالف غرسة من الصنوبر، ومنها اشجار مثمرة من شأنها ان تؤمن في المستقبل القريب مردوداً مادياً مهماً. كما يتطلع المجلس البلدي لايجاد نوع من السياحة البيئية في البلدة يستقطب عشاق الطبيعة والمشي والرياضة والهدوء".

قبيل البدء بالتحريج، شرح هشام سلمان من جمعية "الثروة الحرجية والتنمية" للطلاب تقنيات الغرس، وبعدها توجّه رئيس المجلس البلدي بكلمة شدد فيها على اهمية العمل البيئي في سبيل زيادة المساحة الخضراء في هذا البلد الذي تلتهمه الحرائق والسنة النار كل يوم".

العدّة توزّعت على الجميع. "معاول ورفوش وشوك" وغرسات صغيرة من الصنوبر الاخضر التي تم زرعها في الاماكن المخصصة لها وسط حماسة لافتة اظهرها الشباب المشارك في النشاط.

شعر ريان بمسؤولية بيئية كبيرة بعد مشاركته للمرة الاولى بهذا النشاط، اذ رأى ان "اليوم الجنوبي الطويل حرّك فينا مسؤولية كبيرة في ضرورة الحفاظ على البيئة وفي ترسيخ ثقافة احترام الطبيعة وتوعية الناس على مخاطر الحرائق وقطع الاشجار والاعتداء على الثروة الخضراء التي يتميز بها وطننا".

غاسيب من جامعة هيكازيان والتي شاركت في عدد كبير من مشاريع الجمعية، اعتبرت ان "العمل البيئي اهم بكثير من العمل السياسي في لبنان، خاصة وان معظم الطبقة السياسية لا تهتم سوى لمصالحها الخاصة والضيقة والتي تنعكس سلباً على واقعنا الاجتماعي والاقتصادي"، واصفةً ما حصل في مكنونية "بالممتاز".

اما كريم بكداش من الجامعة اللبنانية الاميركية فأكد انه سينقل التجربة التي قام بها ضمن حملة التشجير الى اصدقائه وزملائه واقاربه، متمنياً على وسائل الاعلام ان "تركّز اكثر على القضايا والمشاكل البيئية التي نواجهها، وان تفرد مساحات اوسع من البرامج والتحقيقات التي من شأنها ان تزيد من نسبة الوعي وان تخلق شبكة امان تقلل مخاطر النزف البيئي على كافة المستويا".

منسقة الحملة الوطنية للوقاية من حرائق الغابات كارين الزغبي استحقت بامتياز لقب الدينامو المحرّك للنشاط، اذ اعربت عن فخرها الكبير "بتواجد عشرات الطلاب الجامعيين الذين قرروا المساهمة في زيادة المساحات الخضراء في لبنان بدل التلهي بالمشاكل والنقاشات السياسية الساخنة ووحولها المسببة للفرقة والمعمقة للانقسام".

ولفتت الزغبي الى ان "الجمعية قامت بتشجير اكثر من 45 هكتاراً من الاراضي العام الماضي، على ان يرتفع هذا الرقم الى اكثر من 60 هكتار مع نهاية العام الجاري ضمن خطة لزيادة المساحات الخضراء ولاعادة تحريج الاراضي والغابات التي تعرضت للحرائق، الا ان العوائق المادية واللوجستية كبيرة، ونحن نعمل على اجتيازها وحلّها بالتعاون مع الوزارات المعنية وهيئات المجتمع المدني والقطاع الخاص والفئات الشبابية في الجامعات والمدارس".

مرّ الوقت بسرعة قياسية... انتهى النهار الاخضر، ومظاهر التعب بدت على وجوه الشباب الذين جلسوا تحت سنديانة ضخمة في ساحة البلدة بعد الانتهاء من مهمتهم "الزراعية"، فتشاركوا بالاحاديث والنقاشات، وتبادلوا خبراتهم وتجاربهم في المجال البيئي...

انتهى النهار، والموعد يتجدد الاسبوع القادم في كلّ من منطقة راشيا الفخّار في الجنوب، وبلدة البيرة في الشوف، ومنطقة جبيل، مع مجموعة شبابية جديدة، ومساحات حرجية جديدية. الى ذلك يبقى الشعار: "غيّر طبعك... مش طبيعتك".

الثلاثاء، 22 فبراير، 2011

مشاهد الفقر تستمر: بدّي غنّي ... حتى عيش

منتصف النهار هو وقت الذروة في شارع الحمرا والناس في كل مكان يتسوقون ويتمشون، طلاب جامعات وشباب من مختلف الشرائح والفئات، وعجقة سير معتادة في هذا الشارع الحيوي المكتظ بالمقاهي الشعبية والمحال التجارية والمكتبات ومراكز الجمعيات الاهلية والمدنية... وفيما اصوات "الزمامير" تتسابق هنا وهناك، يجلس العم مارون الناشف على كرسيه الصغير عند المفترق المؤدي الى مستشفى الجامعة الاميركية ليبدأ بذلك نهاراً طويلاً من العزف والغناء.

قبيل مباشرته العمل الذي يعتبره مصدراً اساسياً للعيش، يضع الرجل العجوز لافتة خشبية صغيرة بقربه كتب فيها: "بدي غنّي حتى عيش، وظيفة بإيدي مافيش، ميلوا سمعوا غنيّة، بغنّي بشويّة بخشيش"، ليحمل بعدها عوده العتيق بين يديه، ويبدأ الاغاني الطربية الاصيلة والنغمات تضج في المحيط، فيتجمّع الناس رجالاً ونساءً، شباباً ومراهقين وحتى الاولاد، يتهافتون لسماع مقطوعاته الموسيقية وصوته الذي حافظ على اصالته رغم مرور الدهر عليه، ومن ينسجم في الكلمات والاحاسيس والمشاعر، يخرج من جيبه بعض النقود (بحسب كرمه وقدرته المادية) ويضعها في "كرتونة" صغيرة كتب عليها: "اني اشكركم سلفاً على محبتكم وتقديركم لي".



صوته... حنين الى الماضي

اعتادت إلهام التي تعمل في أحد المراكز الطبية في الحمرا، ان تلتقي العم مارون يومياً وهي في طريقها الى عملها، فتتوقف لتسمع بعضاً من الاغنيات التي يؤديها والتي تحرك فيها حنيناً غريباً الى الماضي وبعض تفاصيله البسيطة، "صوته يذكرني بأيام مراهقتي حين كنا نمضي في الحب الصادق الى ما لا نهاية من دون كذب او رياء او خداع، انه الحب الطاهر والشفاف، فالعم مارون بالنسبة الي رمز اساسي، وجزء لا يتجزأ من هذا الشارع العريق لأنه اضفى عليه مزيداً من الحياة والرومنسية والشغف". ومن جهتها ابدت جيهان اعجابها وتقديرها واجلالها "لإصرار هذا الانسان على مواجهة الحياة ومصاعبها وسلبياتها بابتسامة واغنية مجبولة بمعاناة غامضة وتضحية لامتناهية، فهذا الشخص الكبير في السن يستخدم حسّه المرهف وصوته لكي يكسب الرزق، انه لشيء مميز بالفعل".

 بس الحياة صعبة

 زرت العم مارون وسألته عما دفعه الى هذا العمل، فأخبرني انه كان يعيش حياة طبيعية وهادئة مع عائلته في مغدوشة - شرق صيدا "وكنت املك حينها متجراً للمواد الغذائية، الا ان الحرب ومآسيها ودمارها عرّضت ارزاقنا واملاكنا للسرقة والنهب من قبل بعض الميليشيات، فجئنا الى بيروت وصرنا على الصفر، فقلبت الايام دولابها بنا رأساً على عقب وجعلتني ابيع الدخان والعلكة لفترة طويلة على الطرق، وها انا اليوم اعزف منذ 10سنوات على اطراف الشوارع هنا وهناك من دون انقطاع لأني كنت مضطراًً الى إعالة عائلتي وبيتي، فتنقلت في كل المناطق اللبنانية، من بحمدون الى عاليه مروراً بجونية وزوق مكايل وصولاً الى بيروت بكل شوارعها وازقتها ومفارقها، حاملاً معي عشرات الاغاني الطربية الاصيلة التي لا تموت، من عبد الوهاب وفيروز وصباح فخري ونصري شمس الدين، الى اسمهان وعبد الحليم وفريد الاطرش المفضل لدي". ويضيف العم مارون بغصّة رافعاً رأسه "ما تواخذني يا ابني... بس الحياة صعبة كتير وتتطلب منا ان نجاهد ونناضل وان نسعى من اجل العيش بكرامة وشرف دون اللجوء الى الاعمال الشائنة والخاطئة كالسرقة والتسوّل والنشل، ولهذا انا هنا اليوم ابلغ من العمر 64 عاماً ومازلت صامداً وصابراً على امل ان تتغير الاحوال وتتحسن".



العود... صديقي

وبين كل وصلة واخرى، يأخذ العم مارون استراحة لبضع دقائق، فتراه يشعل سيجارته الهزيلة بأحد عيدان الكبريت التي غالباً ما تنطفىء من جرّاء الهواء او البرد الخفيف، وعلى وقع الدخان الضبابي الذي يخرج من فمه، ينظر بوجهه المليء بالتجاعيد الخجولة الى الافق، رامقاً الناس والمارّة وتحركاتهم، ومراقباً بعض تفاصيل الشارع و"نزلة المستشفى" حيث المرضى الذين اعتادوا زيارة العيادات مراراً وتكراراً يلقون التحية عليه ذهاباً واياباً.

وخلال استراحته السريعة، يخبرنا العم مارون عن علاقته القديمة بالعود "فهو حياتي ومماتي، هو الصديق الوفي الذي رافقني طوال عقود وعقود، اخبره اسراري وهمومي، ويخبرني بدوره وعلى طريقته همومه ومشاكله محاولاً في كل مرة من خلال نغماته واوتاره ان يبلسم جراحي ويسكت آلامي ومعاناتي الكثيرة".

لا يرى العم مارون عيباً في ما يقوم به، "فأنا اعمل كغيري من الناس في هذا البلد، على الاقل اكسب لقمة العيش دون ان انتظرها من احد، فالطرق والشوارع بالنسبة الي اشبه بمسارح مفتوحة امام كل فئات الشعب مهما كانت اختلافاتهم، لأغني لهم الحب وقصصه التي لا تنتهي، للحبيب والحبيبة، للحظات الفراق والحياة، اغني الوطن وحب الوطن واهله، وهل اجمل من اعادة احياء ايام زمان من خلال اغاني هؤلاء العمالقة؟".

وقبيل المغادرة كشف لنا انه يشتري بشكل اسبوعي "ورقة لوتو" "علّني اربح الجائزة الكبرى يوماً واعود الى بيتي وعائلتي لاني لا اريد الاستمرار في الجلوس على الرصيف على رغم ان الغناء والعزف اصبحا جزءاً مني".


S.A ...سلمان العنداري

المقالة نشرتها في وقت سابق في نهار الشباب اللبنانية، والجدير ذكره ان العم مارون تمت استضافته في اكثر من وسيلة اعلامية وهو يغني حتى هذه اللحظة في المكان نفسه وبالعدّة نفسها.

الاثنين، 14 فبراير، 2011

MOULIN ROUGE ... بين الراقصة والكاتب

Moulin Rouge ...اروع الافلام الرومانسية

مللت السياسة ومشاهدة الاخبار ومتابعة الاحداث المتسارعة، ومللت صور الزعماء والخطابات التقليدية. وتعبت من اجراء المقابلات وكتابة التحقيقات التي تُعنى بالامور السياسية، حيث يُكرر رجال الشأن العام الكلام نفسه كلّ يوم... كفى ... حان وقت الكتابة عن الحبّ على طريقتي.
لن اكون تقليدياً في هذا العيد، ولن اكتب الاشعار والقصائد والمعلّقات على مدونتي، ولن اسرد القصص المملة والطويلة والمضجرة. ولن ابوح بسرّ لحبيبتي، ولن انثر باقات الزهر والورود، ولن ادلي ببيان عشق او غير ذلك من امور. اذ قررت ان اعود بالزمن الى العام 2001، حيث علقت في ذهني مشاهد سريعة اكاد لا انساها الى هذه اللحظة من فيلم اكثر من رائع يحكي قصة حبّ غريبة، حزينة وصاخبة في الوقت نفسه... وقد اخترت لهذه المناسبة التطرق الى فيلم "مولان روج" الذي حقق اكثر من 60 مليون دولار في دور العرض الاميركية، والذي تم ترشيحه لاكثر من 6 جوائز اوسكار، ومن بينها افضل فيلم، افضل ممثلة، وافضل ازياء، وافضل صورة.
تدور قصة "المولان روج" في اوائل القرن العشرين في العاصمة الفرنسية باريس التي كانت تعتبر حينذاك عاصمة العالم الثقافية، وتجري أحداث الفيلم الغنائي الاستعراضي ضمن لمحة قصصية تستند إلى علاقة بين راقصة في نادي "الطاحونة الحمراء"  الليلي الشهير ساتين، وشاب بريطاني مسيحي ينتمي الى الحركة البوهيمية التي عرفت في تلك الفترة.


و"مولان روج" هو الملهى الاكثر فحشاً وفخامة في باريس، حيث الصدور العارية والاجسام المضاءة التي تؤدي على المسارح القديمة في محاولة لاثارة الجمهور رقصات مبهرة وبهلوانية ومشاهد وعروض معلقة بالهواء، وازياء مصنوعة من الريش والاحجار الكريمة والالوان البراقة والملفتة للانظار والموقظة للشهوات ونارها الحارقة.

مشاهد الرقص المثير والالوان الفاقعة، والحركات البهلوانية، والموسيقى الصاخبة والرومانسية تكاد لا تغادر فكري وعقلي منذ 10 سنوات. "فالطاحونة الحمراء" التي تفتح ابوابها للارستقراطيين والاغنياء واصحاب النفوذ للتمتع بأجساد الفتيات المومسات وراقصات الليل اللواتي يبحثن عن كسب المال وتحقيق الشهرة، شهدت قصة حبّ جامحة بين ساتين (نيكول كيدمان) المومس الاغلى ثمناً في الملهى، وكريستيان الكاتب البريطاني المسيحي الذي يبحث عن الشهرة وتحقيق طوحاته الادبية.


ويعتبر النقاد ان الفيلم يحمل رمزيات اجتماعية كبيرة، اذ يتطرق إلى فترة سادت بعد الحرب العالمية الأولى، والصراع الذي دار وقتها بين مقومات القوة والعناصر الإنسانية التي تآكلت بعد الحرب، واختار المخرج "باريس" العاصمة الثقافية حينها للعالم كله.  كما اختار أيضا الحركة "البوهيمية" وفتيات النادي الليلي الذي يحمل الفيلم اسمه ليخوض في قاع المجتمع بكل ما يحمله من تمرد من جانب، ومن استسلام شبه كامل لنفوذ القوة الاقتصادية والاجتماعية ببيع أجساد الفتيات، وتحويل الإنسان إلى سلعة صالحة للبيع من أجل استمرارية الحياة بحدها الأدنى.
هذا وكانت الحركة البوهيمية قد انتشرت في فرنسا منذ اواسط القرن التاسع عشر، حيث كان هذا المفهوم يدل على الفنانين الذين يعيشون ويدعون إلى التفكير الحر المطلق غير المقيد، في محاولة منهم لاضفاء أسلوب خاص في نتاجهم الأدبي أو الفني، ولم يكن هؤلاء يمتثلون في سلوكهم وأعمالهم إلى أعراف المجتمع وتقاليده.


تنشأ العلاقة بين "الراقصة والكاتب" بعد ان قام الشاب البريطاني بتأليف مسرحية تلعب بطولتها "نيكول كيدمان"، ويشرف هو على اخراجها بعد صدفة طريفة جمعتهما في الملهى. ليخلق التواصل المستمر بينهما علاقة حب اخذت تتعمّق مع الوقت، الا ان ما يزعزع هذه الصورة الجمالية هو تدخّل الدوق الانكليزي الثري الذي يجسد علاقة القوة من خلال ثروته الطائلة، حيث ربط استمرارية العمل في مسرحيته، بل استمرارية الملهى الليلي بأكمله وحياة من يحصلون على لقمة عيشهم من خلاله بارتباط البطلة ساتين به، وانهاء حالة الحب التي تربطها وحبيبها.

ويُظهر الفيلم ان وقوع ساتين وكريستيان في الحبّ جعلّ كل منهما مستعداً للتضحية بحياته من اجل اجتياز كل العوائق وانتصار تلك القصة الجامحة بين قساوة الواقع ومرارته، وبين بطش قوة المال وجبروته. 

ساعتان من الابهار والرومانسية والاحداث المتسارعة تعيشها في الفيلم، رقص لا متناهي يتنقل بين قاعات الملهى الليلي ودهاليزه، بين رقصة الكان كان المثيرة، وعلى وقع تسلسل فصول قصة الحب بين ساتين وكريستيان، وبين الدوق الثري الذي أغرم بدوره بساتين، والذي حاول بشتى الوسائل انهاء علاقتهما الناشئة بالتوازي مع الاستعراض الموسيقي الضخم الذي يتم التحضير له.
المشاهد الاخيرة من الفيلم الاسطوري مأساوية الى حد كبير، اذ تموت ساتين بمرض السلّ بعد ادائها المشاهد الاخيرة للمسرحية التي تحكي قصة حبها مع كريستيان. الا انها تبقى في قلب الكاتب لتتحول مصدراً لالهامه الفني والثقافي والابداعي بعد رحيلها المفجع. 
الموسيقى الخافتة، والتي تدل على حجم الخسارة والالم والحسرة من فقدان "فتاة الماس"، ومعبودة قلب كريستيان تكاد تدمي القلوب... فتلك النجمة الساطعة التي كانت تضيء الملهى الاحمر انطفأت، وانطفا معها قلب حبيبها الذي قرر الاستمرار بحياته ببؤس ويأس وعيش في ذكريات الماضي.
ذهبت ساتين بعيداً... غادرت عالم الليل واسراره ومتاعبه ... انتهت قصة الحب بين الراقصة والكاتب... الا ان صوتها الحزين، ولمعة التعاسة التي سكنت عيونها، وقلبها الذي نبض وآمن بالحياة، بقيت اصداؤه تُردد في ارجاء ذاك الملهى الصاخب... مولان روج.
I follow the night... Can't stand the light... When will I begin To live again... One day I'll fly away.. Leave all this to yesterday... What more could your love do for me When will love be through with me?... Why live life from dream to dream .... And dread the day When dreaming ends ...One day I'll fly away Fly, fly   





SA -

السبت، 12 فبراير، 2011

قراءة في سيكولوجيا الدكتاتور العربي ...



الدكتاتور العربي: بطش واستبداد وتسلط
 
على وقع الثورات الشعبية المشتعلة في عالمنا العربي الداعية الى اسقاط الانظمة والرؤساء والحكام. وفي وقت نجح فيه المصريون باسقاط نظام الرئيس حسني مبارك الذي استمر لاكثر من 30 عاماً بعد 18 يوماً متتالياً من الغضب العارم وبعد اسابيع قليلة من سقوط النظام في تونس الذي يقوده زين العابدين بن علي. وبالتوازي مع استمرار مظاهر البطش والاستبداد والقمع والظلم  لدى اكثرية "الزعماء" الذين حوّلوا انفسهم الى قديسين ابديين على كرسي الحكم، وحوّلوا شعوبهم الى اغنام لا كرامة لها، وقع نظري على كتاب كان "ينتظرني" منذ زمن على رفوف مكتبتي المليئة بالقضايا السياسية "الحُبلى" بمواد دسمة "تشبع شهوتي" وتدفعني لاكتشافها وتحليلها عندما تقتضي الحاجة...انه كتاب "الدكتاتور فناناً".

"أقتل والا ستُقتل ... ربما كان هذا لسان حال الدكتاتور، والشعار الذي جعل منه نهجاً للحكم واسلوباً في الانتقام". هكذا يبدأ الكاتب العراقي رياض رمزي كتابه المثير للجدل الصادر عن دار الساقي، ليغوص بعدها في شخصية الدكتاتور والطاغية في مجتمعاتنا، في دراسة نفسية تحليلية معمّقة تستخلص ان الدكتاتورية "فن" له اصوله وشروطه. وتتخذ هذه الدراسة من صدام حسين نموذجاً بالاستناد الى التراث الشعبي واشهر الاعمال في الادب والفن والمسرح.

 في هذه القراءة لشخصية الدكتاتور نكتشف كيف يتحول العنف لدى الطغاة الى سلم للصعود ومصدر للذة في آن واحد. وكيف أعمت عقدة السلطة بصر الحاكم، حتى لم يعد يرى الا ظله الذي حجب بلده وشعبه. وكيف تضخّمت "انا" هذا المستبد وباتت مركزاً للكون. وكيف اعتلى هرم الجماجم. وكيف حوّل بلده الى متراس لأهوائه وحروبه العبثية حتى كان انهياره وانهيار بلده.
 
يقول رمزي انه "في مسيرة دراسة الطغاة ليست هناك من جملة واحدة، من تصرف منفرد، من ايماءة عابرة تُطلق هكذا في الهواء الطلق وتفتقر الى الاهمية. لا شيء يجري تجاهله، اذ لا شيء خالياً من المعنى، واقل الاشياء شأناً ربما اكثرها اهمية. اذ يتعين علينا النظر الى المعنى في كل مكان على غرار عمل المحققين البوليسيين الذين ينطلقون نحو اكثر الامكنة ميلاً الى الإفضاء بما تخفيه، ما دام بمستطاعهم وحدهم سماع اصوات استغاثة من اماكن ذات وجود غير ملموس لدينا وخالية من المضمون. فالمحقق البوليسي وحده من يسمع ضجيج حركتها الملحوظة".

يحاول الكاتب تفسير لغز هذه الديكتاتورية الذي اعتبرها بأنها "ملكية خاصة لها مفتاح واحد اقتصادي او اجتماعي، ولكنه يعتمد في تحليله للظواهر الاجتماعية على منجزات الفنون لاغناء تفسير الحدث، كالرسم والنحت والمعمار والدراما والرواية وكيف يسخرها الديكتاتور لمصالحه الخاصة لتعزيز سلطته وحضوره.

يحاول الكتاب الرائع والملفت كشف الرحلة التي امضى فيها البطل "الدكتاتور" اياماً كاملة في خلوات طويلة مع نفسه، فمارست سطوتها عليه وصيّرته تابعاً لها، عندما بدأت تصدر اوامرها اليه على شكل احلام. فلم يعد لديه المزيد مما ينبغي فعله عندما خضع لها غير تنفيذ تلك الاحلام... امدته النجاحات بتفوق لم يتوان عن مضاعفته وزيادته، فاندفع في بناء قوته بعيداً من دون ان تتملكه الخشية من فقدانها. وما ان افلح في ترسيخها حتى ساد اعتقاد، ثم توّلته ثقة بأنه رجل الاقدار، معتقداً ان كل شيء يقع في نطاق مسؤولياته. فازداد هذا الاعتقاد كثافة بمرور الوقت، فاندفع على عجل نحو الازمات، مثل ضبع جائعة تبحث عن طريدة في الجوار.

كان رياض رمزي في اثناء دراسته لشخصية الدكتاتور الذي فضل ان يتكلم عنه بصفة الغائب مدهوشاً بالبطل الذي كان يقود المعارك العسكرية بطريقته الخاصة، " حيث باتت الحرب نسخة مستعادة من طباعه الشخصية"، اذ ان " كل شيء كان يحدث على هواه، وعند الاقتضاء".
اداء "البطل الدكتاتور" بحسب رمزي "لا اجده الا في اشد الروايات امعاناً في الخيال. مئات الآلاف من القتلى، جموع جائعة، دولة معزولة من دون حلفاء، وهو يركب حصاناً فحلاً مخصصاً للاستيلاد، مشيراً بيده اشارة النصر لجموع تضع ايديها اسفل بطونها درءاً لآلام الجوع، صارخاً بها "تباً للمستحيل". ثم جاءت حرب اخرى، فقال الجميع "لن يخرج منها هذه المرة"، لكنه خرج بوجه لا يعكس اي تعبير يشي بالاسف على ما سببه من نزف كامل هزّ الجميع ما عداه".

هذه الصورة ذكرتني بما يحصل اليوم في عالمنا العربي المليء بالدكتاتوريات وبالامبراطوريات المعشعشة بفساد السلطة والطبقة الحاكمة من المحيط الى الخليج (بن علي المخلوع وزوجته ليلى طرابلسي نموذجاً)، بينما يرزح المواطن والمثقف والشباب العربي تحت خط الفقر والعوز والكبت، وتحت وطأة الرهاب من القتل والملاحقة والاعتداء والنفي.

في عالمنا العربي الحريات مقتولة في مهدها، والشعارات مرفوعة على الاكتاف، ومن شدة كثرتها وسورياليتها تراها معلقة في السماء بيافطات الوعود والعهود لهذا الملك او ذاك الحاكم المستبد الذي كرّس نفسه لنفسه بدل خدمة شعبه ووطنه ومصالحه العليا.

اوطاننا اصبحت امبراطوريات لدكتاتوريات ولرجال سلطة يتمتعون بنشوة القهر والسيطرة واللعب بالعقول. اوطاننا اصبحت سجون كبيرة لم تعد تتسع للملايين الذين ضاقواً ذرعاً بممارسات شاذة من قبل اولياء الامور وسياساتهم القذرة.

يؤمن الدكتاتور ان ازدهار الذات ووقاية النفس يأتيان من تدمير الاخرين، او كعسكري يُمنى الهزيمة فيتذكر من خالفوا الاوامر، ويجردهم من رتبهم العسكرية ويرسلهم الى الموت. وها هو الدكتاتور العربي في كل قطر من الاقطار، يقتل الناس، يجوعهم، يعذبهم، ينتهك حرماتهم، يخيفهم، يزيد من عقدهم، يشتمهم، يحقّرهم، يرخّص دماءهم، ينقضّ عليهم، كي يتمكن من خلال هذا الفجور من البقاء في مكانه رافضاً الرحيل او تداول السلطة، (الا ان سيادة الرئيس السابق حسني مبارك تنحّى واستسلم للارادة الشعبية بعد ايام من العناد والمكابرة، ومن ممارسات البلطجة المقرفة التي قام بها نظامه ضد المتظاهرين والصحافيين والنشطاء).

يقف الحب والتوق الى السيطرة الذي يتحول الى شغف وراء كل اعمال الطغاة. يرافق ذلك اعتقاد بأنهم رجال المصير، وبأنهم مكلفون اداء مهمات فائقة الاهمية (امثال العقيد معمر القذافي قدس الله سرّه)، لا يثبط ذلك ارادتهم لدى مواجهة المصاعب فحسب، بل يبعد عنهم شعور الندامة او تبكيت الضمير إزاء التكلفة البشرية والمادية التي يتحملون مسؤولية إزهاقها وهدرها (كما فعل الرئيس القائد حافظ الاسد ببعض المعارضين السوريين القرن الماضي).

وبهذا نصل الى القانون الذي يحكم سلطة الطغاة: انه قانون التمتع بممارسة السلطة، اذ لا مجال للاحكام الاخلاقية عندما تُدرس السلطة وفقاً لهذا القانون. هي لذة تشبه الفعل الجنسي. وان اصدار حكم اخلاقي على لذة الفعل الجنسي عمل باطل، لانها قيمة بذاتها، وبهذا يصبح من سابع المستحيلات اقناع طاغية بضرورة الرحيل او التعديل في سلوكياته، لان ممارسة البطش بالنسبة له باتت كالنشوة وكالهواء وكالخبز اليومي الذي يتناوله في باحة قصره بعيداً عن الشعب.... (يُتبع)
سلمان العنداري ...SA >>>>ترقبوا مقالات اخرى عن شخصية الدكتاتور

الأربعاء، 9 فبراير، 2011

يوميات الفقر في لبنان: بماذا يحلم اولاد الشوراع؟


الطفولة ... في الشوارع
اولاد الشوارع"، تسمية فرضت نفسها قسراً على صغار في عمر الربيع، حرموا طفولتهم باكراً، واللعب في الساحات ودخول المدارس، وحقهم في الأمان والصحة والحياة. فشاء القدر ان يزجهم في هذا المعترك الصعب والخطر الذي لا يقبله اي قانون ولا تفسره اي شرعة لحقوق الانسان.


طفولة غائبة ومنسية!

"الله يخليكن لبعض، الله يحميك، الله يعطيك الصحة والعافية والعمر الطويل، الله يخليلك هالعروس، ساعدنا نحنا جوعانين وما إلنا حدا، عطينا ألف او 500 او يلي بيطلع من خاطرك، الله يخليك ويحفظك"...


اعتادت ناديا (8 سنوات) واختها ميرنا (10 سنين) ترداد هذه التعابير كل يوم على امتداد الاسبوع على مسامع المارة والطلاب في محيط جامعة بيروت العربية، حيث تمضيان معاً اياماً ونهارات طويلة من الصباح حتى ساعة متأخرة من الليل، تتسولان لجمع مبلغ زهيد من المال يسد جوعهما ويسمح لهما بشراء بعض الحاجات الاساسية لجدتهما "المريضة" على ما تقولان. فبحسب ميرنا التي فقدت والديها وبدأت التسول قبل نحو سنة "فإن الوضع المادي السيىء الذي نعيشه في المنزل جعلنا انا واختي نجول قرب الجامعة لكسب العيش، ولتأمين ثمن الادوية الغالية التي تتناولها جدتي العاجزة عن الحركة منذ اكثر من سنتين، ولهذا نتواجد هنا كل يوم تقريباً لنحصل على المال".

 



وليس بعيداً من الجامعة، التقينا فاروق ابن الـ 6 سنوات الذي بدأ "المهنة" قبل 5 اشهر. فعلى رغم ان والده يعمل في احدى المؤسسات، الا انه اجبر على العمل والتسول على الطرق مرتدياً ثياباً متسخة رثة لا تقيه البرد القارس والامطار الغزيرة، فيجول مع اصدقائه ليجني مبلغ 10 الى 15 ألف ليرة يومياً "اعطيها لامي لتشتري ما نأكله كل يوم". براءة فاروق جعلته يعتقد ان كل الاولاد من عمره يعملون من اجل مساعدة اهاليهم في الحصول على المأكل والمشرب.

لا يكاد شارع من شوارع بيروت يخلو من ولد او مجموعة تسعى للتسول، ففي شارع الحمرا المزدحم دائماً، لا تتعب هالة (12 سنة) ولا تخجل بما تقوم به من ملاحقة الناس ومطاردتهم في سياراتهم من جهة الى اخرى لتطلب منهم مبلغاً او مساعدة علها تتمكن من انقاذ وضعها المادي المتردي، فحالها حال كثيرين ممن وجدوا في الشارع طريقاً للحصول على المال.


بماذا يحلم اولاد الشوارع؟


"يعمل" احمد (8 سنوات) وبشار (6 سنوات) من الصباح حتى السابعة مساءً في كل ارجاء العاصمة، يبيعان العلكة على الارصفة الباردة والمفارق المكتظة بإشارات المرور. الا ان الطفلين وعلى رغم اندفاعهما وتفانيهما في "العمل" يعتبران "ان طلب المال على الطرقات امر صعب ومتعب، ولكننا تعودنا عليه"، الا انهما لا يحبذان فكرة البقاء في الشارع كل النهار، فأحمد يحلم دائماً ويتمنى أن يذهب الى المدرسة وعلى ظهره حقيبة مكدسة بالكتب والدفاتر واقلام الرصاص والتلوين. هذه الاحلام سرعان ما تندثر وتهوي وتتناثر لأن "امي منعتني من دخول المدرسة وارغمتني على العمل في الشارع لأن المسؤوليات العائلية كبيرة جداً، ويجدر بي اعالة اخوتي وبيتي، فأبي عاطل عن العمل يأخذ كل الاموال مني ومن بشار مع كل آخر نهار". هذه الاحلام تصطدم بواقع مرير ومثقل. يعود احمد الى العمل بدموع ذرفها على عالم لم يعرف معناه، بل اكتفى بمشاهدته من بعيد.


يانصيب... يانصيب
من جهة اخرى، وعلى مفترق السوديكو - الاشرفية، تبيع ميسا وأخوها محمد اوراق اليانصيب وسط طقس عاصف ومصقع. تبتسم الطفلة الصغيرة بخجل وتطلب من المارة المسرعين شراء ورقة يانصيب "لأن ربحهم مؤكد". اقتربنا من الطفلين وسألناهما عن سبب وجودهما هنا. تقول ميسا انها تأتي ومحمد لفترات متقطعة الى هذا الشارع لبيع اوراق الحظ. وفي سياق الحديث شاءت الفتاة الصغيرة والفقيرة ان تطلق العنان لاحلامها، لتقول "اريد ان اكون اجمل فتاة في العالم تحمل العابها كل النهار وتجلس في المنزل مع امها، وتعيش حياة سعيدة مع عائلتها وترتاد المدرسة مثل بقية الاولاد في العالم". ووسط الهواء القوي وزخات المطر الخفيفة التي بدأت بالتساقط، يقطع محمد افكار اخته ليطلب منها التوقف عن الكلام والعودة الى العمل، ليأتي بعدها بائع يانصيب كبير في السن نسبياً، وعلى ما يبدو انه احد المسؤولين عنهما، يطلب منّا التوقف عن التصوير و"الاستجواب"، ويصطحب الولدين الى مكان آخر من الشارع ليكملا بيع اليانصيب بهدوء قبل هبوب العاصفة.


امنيات ميسا ذهبت بها ناديا الى مكان ابعد، فالطفلة الصغيرة التي ترتدي كنزة صوف رسمت عليها شخصية "ميكي ماوس" والتي يرتسم على وجهها الكثير من المعالم والتعابير والجمل، أملت ان تصبح محامية في المستقبل "كي احمي الاولاد من التعذيب والنوم خارج بيوتهم، وكي اؤمن الطعام والمساعدة لكل اقاربي واصدقائي".




مشاهدات كثيرة يمكن رصدها في اكثر من منطقة لبنانية لأولاد "يعملون" وسط ظروف قاسية وغير صحية، يتسولون ويعرّضون حياتهم واحلامهم ومستقبلهم للخطر الشديد. ففي منطقة الجميزة وبالقرب من كنيسة مار مارون، ثمة مجموعة من الصغار تعمل لساعات متأخرة جداً من الليل، يدخن افرادها السجائر ويتلفظون بالعبارات النابية والشتائم، ويتنقلون على الخط السريع من سيارة الى اخرى طلباً للمال. هذه المشاهد تكاد تكون عادية في اسواق طرابلس القديمة حيث ترى والدة تحمل طفلها ذا الاشهر الاربعة على يديها، فتفترش احدى الزوايا، و"تشحد عليه" امام المارة كل النهار، وبهذا تكون هذه الام قد حكمت على ابنها ان يكون متسولا منذ الصغر وقضت بالتالي على حقه بالطفولة وربما على مستقبله ايضاً.


انها السابعة مساءً، موعد عودة أحمد وبشار الى المنزل. عدنا الى حيث كانا طيلة النهار، لنجد احمد يعدّ النقود التي جناها واخاه الصغير طيلة نهار كامل، يضعها في جيبه اليمنى، يلقي علينا التحية بقليل من الثقة ويستدير الى حيث هو ذاهب. فغداً يوم آخر، يوم مليء بالمغامرات والتساؤلات والعمل الشاق، ومن يدري ماذا يخبىء القدر لهؤلاء الاولاد في الغد القريب؟


انهم اولاد الشوارع، وقصصهم الكثيرة، ومغامراتهم في الاحياء والازقة والطرق التي لا تنتهي. انهم الاولاد الذين من المفترض ان يتعلموا وان يعيشوا حياة تليق بهم وبمستقبلهم، انهم الاولاد الذين تخلّت عنهم احلامهم وهجرتهم رغم تعلقهم بها، فقط لأن حالتهم الاقتصادية وفقرهم وعوزهم، وربما بالتأكيد اوضاعهم العائلية والاجتماعية، جعلت منهم ابناء للشوارع وفي الشوارع. لكن السؤال يبقى: من يحمي هؤلاء الاطفال؟ ومن المسؤول عن تركهم كالسلع في العراء يستغلّون بشتى الاشكال، فهل من حل؟ سؤال برسم المعنيين والمسؤولين... (يتبع)

المقالة نشرت في وقت سابق في جريدة النهار اللبنانية، ملحق الشباب.

SA - سلمان العنداري

الجمعة، 4 فبراير، 2011

يوم الرحيل والحسم من ميدان التحرير: نهاية اسطورة فرعونية... ارحل يا مبارك

مصر تقول كلمتها .... ارحل يا مبارك

فيما يستعد الملايين من المصريين للنزول الى ميدان التحرير تحت عنوان "يوم الرحيل" لحث الرئيس حسني مبارك الى ترك الحكم والتنحي عن سدة الرئاسة التي شغلها لاكثر من 30 عاماً متتالياً، وبعد اكثر من اسبوع على التظاهرات الحاشدة والغاضبة التي تخللتها صدامات واشتباكات  ومواقف نارية، وضعت قلب العالم العربي في عين عاصفة التغيير على حافة الهاوية، يتسمّر مئات الملايين من كل انحاء العالم خلف شاشات التلفزيون يتابعون النهاية الفرعونية بعد ايام قليلة من سقوط  النظام في تونس الخضراء، وبالتوازي مع موجة احتجاج اشبه بالتسونامي فاضت في الشوارع والساحات العربية من المحيط الى الخليج.
حليم شاب مصري يعمل في احدى مقاهي الاشرفية في العاصمة اللبنانية حيث يتابع روادها عن كثب الاحداث المتفجرة والمتسارعة في مصر. مُتعب هو هذا الشاب العشريني المعارض الذي يرصد المستجدات من على الشاشات الكبيرة التي تبث مشاهد التظاهرات والتحركات والاحتجاجات لحظة بلحظة... ففي اثناء عمله يروح ويجيء ليسترق النظر ويتشبث بخبر عاجل من هنا ونبأ من هناك. عندما تسأله عن رأيه بما يجري، يسارع ويقول: "مش حيسيبوه، مبارك لازم يستقيل بعد سنوات من الحكم الديكتاتوري، وبعد سنوات من القهر والاذلال والاستبداد بشعب مصر ومقومات هذا البلد". يتابع: "انها المرة الاولى التي ينتفض فيها الشعب بأكمله ليقول كفى استزلام وفقر وتعاسة، حان وقت التغيير في المجتمع المصري، وحان وقت الرحيل الى فجر جديد، لاننا مللنا هذا الواقع المرير في ازقة مصر الفقيرة".
يرفض حليم التصرفات الشائنة التي قام بها البلطجية في ميدان التحرير الشهير، عندما انقضوا على المتظاهرين بالهراوات والعصي والحجارة وقنابل المولوتوف محصنين بالجمال والاحصنة، ومدججين بالكره والحقد، فيعتبر ان "هؤلاء مجموعة من العصابات المأجورة المدفوعة من قبل عصابات حسني مبارك ورجالات النظام والحزب الحاكم ورجال الاعمال، وقد استقدموا من مناطق نائية بعد رشوتهم ببعض الجنيهات الرخيصة ليخربوا المشهد المليوني الذي ارتسم منذ ايام في الشوارع، الا اننا لن نرتعب ولن نخاف، سيبقى شعبنا في الساحات الى حين استقالة مبارك وتنحّيه فوراً".

قلوب الامة العربية مع مصر - رويترز
المشهد مؤثر بالفعل. العمال المصريين في محطات الوقود وفي صالات المقاهي والمطاعم، ووراء مكاتب الشركات الخاصة اللبنانية يتابعون ويشاهدون وقلبهم على وطنهم الام، مصر ست الدنيا التي اعطت الكثير للعالم العربي، ها هي اليوم تنتفض على نفسها لتعيد كرامتها وصوتها المخطوف. تراهم يترقبون بحماسة شديدة اكتمال صورة التغيير في بلادهم".
يقول لي شاب مصري آخر يعمل في محطة وقود في منطقة المصيطبة في بيروت انه "يتطلع الى تحسن الاحوال الاقتصادية والمالية في مصر، والى زيادة مساحات الديمقراطية وحرية التعبير، والى فتح المجال امام فرص العمل الحقيقية للشباب المصري العاطل عن العمل والذي يعيش في حالة يرثى لها منذ عقود"، ويؤكد الشاب نفسه انه غير منتمي الى اي حركة سياسية معارضة، او الى الاخوان المسلمين، الا انه يقف الى جانب الملايين من الفقراء والمشردين الذين ضاقوا ذرعاً بممارسات النظام وجشع رجال الاعمال وحيتان المال".
وليس بعيداً من بيروت العاصمة التي سبقت الدول العربية بانتفاضتها ضد الطغيان عام 2005، عندما نزل اكثر من مليون ونصف لبناني الى ساحة الحرية رفضاً لوصاية استمرت لاكثر من 30 عاماً، تستمر مئات الاف المشاركات على موقع التويتر الشهير. يغطي عمر حسام من ميدان التحرير المستجدات لحظة بلحظة عبر هاتفه المحمول، متحدياً التضييق الذي فرضته الحكومة على الانترنت. اما فاطمة فتقول ان "مصر اليوم تخطو خطوة متقدمة نحو التغيير الحقيقي لتقول للعالم اننا هنا"، اما وائل فيعتبر ان "صوت شباب مصر سيكون اقوى مما يقوم به النظام الاصفر الذي شارف على الرحيل"، فيما تعتبر هبى من الاسماعيلية ان "النظام بممارساته اظهر وجهه الحقيقي للعالم بعد عقود من الكبت والبطش".


ميدان التحرير منذ ساعات . posted by @monaosh
هذا السخط الشديد يتفجر في كل ثانية علىى حائط التويتر الذي تحول الى مصدر اساسي للتعبئة الشعبية والجماهيرية للشارع المصري والرأي العام الدولي من المحيط الى المحيط، وفي هذا الاطار يأمل غشان ان "يكون يومي الجمعة السبت حاسمين في تقرير مصير التحركات التي ستؤدي حتما ًالى رحيل الرئيس العنيد الذي يقتل شعبه بوحشية"، اما احمد فيكتفي بالقول :"فليسقط الديكتاتور"، في وقت تتر قب بسمة ذكي الاوضاع "سواء مع او ضد ... مؤيد ولا معارض ... جمعتك رحيل ولا إستقرار ... لا نملك إلا أن نقول ربنا يستر".
يسخر صهيب من الاعلام المصري الرسمي فيقول: "اضحك مع الثورة: تحاول الحكومة اقناعنا بان الثورة الشعبية ما هي إلا خطة إسرائلية-إيرانية-أمريكية-حماسية-قطرية-إخوانية"، اما ابان ادريس فيعتبر ساخراً ان "الغثيان ينتابني  عند سماع بعض المشاركين السذج في القنوات المصرية الرسمية". بالتوازي تُسجّل عشرات الاف المشاركات التدوينية التي تنتقد الاعتداء على الصحفيين ووسائل الاعلام التي تنقل الحدث "من قبل بلطجية وعملاء النظام المأزوم". اما علي فيعبر بغضب معتبراً ان "ما يحدث في ميدان التحرير هو مواجهة بين جيل الفيس بوك و التويتر وبين جيل البغال و الحمير" في اشارة الى تصرفات البلطجية.

"مش حنمشي...هوا ليمشي"، "الشعب يريد اسقاط الرئيس"، "يا مبارك يا مبارك الطيارة بانتظارك"، "يوم الجمعة حيمشي مبارك"... "ارحل ما تورطش الجيش"..."آل مبارك اخرجوا من مصرنا"، "لو صادقين ليه التعتيم"... شعارات صدحت بها الساحات،  ولافتات سترفع بعد ساعات توصف بانها حامية وحاسمة في تحديد وجهة مستقبل مصر ست الدنيا...فهل تنتصر ثورة ؟.... قلوبنا معك يا مصر العزيزة...

الخميس، 3 فبراير، 2011

هل يتكرر مشهد مصر وتونس في شوارع دمشق؟

هل تنتصر ثورة الغضب في سوريا؟

على وقع "الثورات الاحتجاجية" التي تجتاح العالم العربي منذ اسابيع، والتي تنقلت رياحها من تونس وصولا الى مصر والاردن واليمن وعواصم اخرى، تتجه الانظار هذه المرة الى دمشق. اذ تتحضر مجموعة سورية مجهولة على مواقع التواصل الاجتماعي فايسبوك وتويتر للنزول الى الشوارع في "يوم غضب" بعد صلاة يوم غد الجمعة في كافة المدن السوريّة احتجاجاً على سياسات النظام الذي يقوده الرئيس بشار الاسد.

وعلى وقع التظاهرات الشعبية التي انطلقت في الساحات والعواصم العربية المطالبة بالحرية والديمقراطية، انهالت الوعود بالإصلاح والتغيير من قبل الزعماء العرب الذين فوجئوا بحجم السخط الشعبي الذي انفجر بعد عقود من الكبت والظلم والإستبداد والقهر والبطش.

وفي هذا السياق خرج الرئيس السوري بشار الاسد في مقابلة مع صحيفة "وال ستريت جورنال" الاميركية منذ يومين، ليصرّح بأنه سيدفع صوب إصلاحات سياسية أكثر في البلاد، وأن العصر الجديد يفرض على الحكام أن يكونوا أكثر تناغما مع شعوبهم. واعداً بإجراء "انتخابات بلدية، ومنح المنظمات الأهلية غير الحكومية سلطات أوسع، وطرح قانونا جديدا للإعلام. لكنه استبعد بالمقابل القيام بإصلاحات سياسية سريعة "لكون المجتمع السوري غير مهيء"، مشترطاً بناء المؤسسات وتطوير قطاع التعليم قبل التوجه إلى الإصلاحات السياسية.

كلام الاسد "الاستلحاقي" كما يصفه ناشطون سوريون، سبقه اليه عدد من الزعماء العرب الذين سارعوا الى اقالة حكوماتهم واطلاق شعارات الاصلاح وعدم التوريث، فيما استمرت ايام الغضب تتنقل من عاصمة الى اخرى تطالب الحكومات بضرورة تغيير السلوك والا... فسقوط النظام.


"موعدنا في الرابع من شباط بعد صلاة الجمعة .. موعدنا مع التغييير .. شاركونا مظاهراتنا السلمية .. في كل المدن السورية .. حتى تتحقق مطالبنا"... دعوة مفتوحة وُجّهت على صفحة "يوم الغضب السوري" الفايسبوكية التي انضم اليها عشرات الآلاف من الناشطين التوّاقين الى التغيير في بلادهم، والذين ضاقوا ذرعاً بممارسات السلطات التي لا تعترف بالتعددية والتي تعمل على خنق كل حركة من شأنها ان تحدث خرقاً في جدار الواقع المرير".

وفي بيان نُشر على الصفحة الالكترونية، والذي تناقلته وكالات الانباء العالمية، توجّه القيمون الى الرئيس بشار الاسد بالقول: "إننا لسنا ضد شخصك ولكن ضد أسلوب الحكم الفردي والفساد والإستبداد وتكديس الثروة بيد أقربائك وحاشيتك"، وشددوا على أنَّه "لا ينبغي السكوت عن الظلم بعد اليوم وطفح الكيل ولا من سامع أو مجيب".

ومع التأكيد على "سلمية التظاهر"، ناشد البيان قوات الأمن "إفساح المجال أمام المتظاهرين للتعبير عن أنفسهم"، وأضاف: "هؤلاء الشباب المتطلعون نحو الحرية هم أبناؤكم وإخوانكم فلا تقمعوهم وحافظوا عليهم فهم ثروة الوطن وعدة المستقبل".

وطالب المنظمون النظام السوري "بالغاء قانون الطوارىء والاحكام العرفية والتحول الى دولة مدنية، وبتعديل الدستور والغاء نظرية الحزب الواحد والتحول نحو الدولة التشاركية والتعددية الديمقراطية. وبتشكيل حكومة وطنية تعبر عن اطياف الشعب بأكمله وتحقق مطالب شبابه. وباجراء انتخابات حرة ونزيهة لانتخاب مجلس للشعب".

كما شدد المشاركون في التعليقات والنقاشات على "ضرورة محاسبة المفسدين وملاحقتهم في جميع اجهزة السلطة وايقاف نفوذ المتسلطين، وعلى ضرورة اصدارعفو عام عن كل سجناء الرأي والسياسيين والقرار الفوري بعودة المهجرين من ابنائنا وذوينا الى وطنهم دون قيد او شرط، من دون اغفال حتمية القضاء على الفقر والبطالة في المجتمع، ورفع الحظر عن الإعلام والانترنت بشكل كامل واتاحة المجال للمنتديات الفكرية والسياسية والحزبية لتعبر عن نفسها".

يقول قيادي شاب مُعارض رفض الكشف عن اسمه ان " تحركات يوم الغضب ستنطلق في جميع المحافظات السورية، وأمام السفارات السورية، على ان تبدأ من يوم غد 4 شباط بعد صلاة الجمعة، أما اليافطات والشعارات فستتناول الإصلاح والديمقراطية والحرية، مع تمنياتنا ان لا يتم التداول بأي هتافات او شعارات مذهبية او طائفية".

ويشرح الشاب "ساهر" على موقع التويتر سبب مشاركته بالمسيرة الاحتجاجية المقررة يوم الجمعة، اذ يعتبر "انها تهدف الى محاسبة نظام احتكار السلطة الذي انتهجه حافظ اسد وأورثه لابنه بشار".

وترى احلام "ان اعتراف الرئيس بشار الاسد في حديثه الصحفي الاخير بأن الإصلاح السياسي لم يتقدم بالشكل الذي تخيله بعد وفاة والده، ليس الا حجة ضعيفة وواهية لم ولن تقنعنا ولن تثنينا عن رفع الصوت والمطالبة بحقوقنا الأساسية المسلوبة منذ عقود طويلة، ولهذا فإن مشاركتنا الكثيفة في يوم الغضب ستكون بمثابة فرصة ذهبية لقول "لا" مدوية بوجه السياسات المتبعة".


وفي المقابل، تحرك الشارع الفايسبوكي لمواجهة يوم الغضب السوري، فكانت صفحة "بشار الاسد معك بالحلوة والمرة، لا ليوم الغضب" والتي تضم اكثر من 600 شخص، حيث اتهمت الصفحة القوى المنظمة "ليوم الغضب" بانها تريد تخريب الامور الداخلية وزعزعة الاستقرار الذي تعيشه بلاد الشام منذ سنوات. وتمتلىء الصفحة بالعبارات والمقالات المؤيدة والموالية لحكم الرئيس بشار الاسد، اضافةً الى الصور الشخصية "للرئيس القائد"، و"لصمام الامان في جبهة الممانعة بوجه العدو الصهيوني المتغطرس".


احمد عباس يقول "ان الرئيس بشار الاسد اتى بانتخابات شرعية دستورية وباستفتاء شعبي و حاز على اصوات 97.62 % من المواطنين السورين، وتظاهرة يوم الغضب لن تكون الا مهزلة واستعراض بدعم خارجي، ولذلك فلتبتعدوا عن هذه التحركات لأن بشار الاسد سيبقى أكبر مخرز بعين أمريكا و اسرائيل".


اما ناصر عمار وهو مناصر للنظام السوري، فعارض بشدة تحركات الغدّ، معتبراً ان "كل استهداف لسورية يهدف إلى الثأر منها لما تسببت به من خسائر للحلف الاستعماري الصهيوني".


أسئلة كثيرة تطرح حول ماهية هذا التحرك وحجمه ومدى نجاحه... فهل تتمكن القوى الشبابية والاجتماعية المعارضة للنظام السوري من خرق جدار الصمت والمشاركة بجرأة في شوراع الشام واللاذقية وحلب؟... وكيف سيكون حجم التظاهرات والتحركات، والى اي حد ستسمح هذه الاحتجاجات بخرق جدار الصمت وتغيير الواقع الميؤوس منه؟... وكيف ستتعاطى القوى الامنية ووفق اي معيار؟، خاصةً وان المعروف عن الرئيس بشار الاسد بانه يُحكم قبضته على البلاد، ولا يتسامح مع اي احتجاجات مناهضة".


عدد كبير جداً من وسائل الاعلام والناشطين على شبكات التواصل الاجتماعي يترقبون يوم غد بفارغ الصبر. اذ يعتبر عدد كبير منهم ان ربيع دمشق اقترب بالفعل، وان التغيير الذي بدأ من تونس منذ اسابيع سيستكمل وسيبلغ ذروته في شوارع العاصمة السورية، "على امل ان يكسر الشعب الاغلال ويتحرر من الخطوط الحمر التي وضعها نظام الاسد بوجهنا".


وبانتظار استكمال الصورة التي تتسارع احداثها على الساحة العربية المربكة، يتوجّه المنظمون الى الشعب السوري قبيل ساعات من ساعة الصفر بالقول: "يا شباب سوريا، آن الاوان لحكم ديمقراطي منفتح على شعبه بعيداً من مصالح الحزب والمحسوبية والعائلية والطائفية، متمسكاً بثوابت الامة وحاجاتها... يا شباب سورية...سوريا كلها بانتظاركم لتكونوا على الموعد... موعد التغيير... رافعين رؤوسكم واعلامكم... فتذكروا اذا الشعب يوماً اراد الحياة فلا بد ان يستجيب القدر، وما اصدق الهتاف الذي شق حناجر المتظاهرين، نموت نموت ويحيا الوطن".

 - سلمان العنداري SA